•   تابعونا على :

"ألف ليلة وليلة" المغربي تشويه للتاريخ..والحكاية انتهت في الليلة الثانية !

زهيرة حمامي2015/07/14 12:17
"ألف ليلة وليلة" المغربي تشويه للتاريخ..والحكاية انتهت في الليلة الثانية !

لسنا بالأبرع ولا الأحسن أو حتى ما دون ذلك في صناعة التاريخ درامياً بالمغرب، مسلمة يجب أن نقبلها لنقلص من سعة الهوة بيننا وبين نظرائنا بالمشرق ونجتهد بحثاً عن أساليب الارتقاء والنجاح في هذا الصنف، ولكن عندما تسند الأمور لغير أهلها ،عندما تفوض صناعة مسلسل درامي مستوحى من أشهر ما في التراث الأدبي التاريخي لذا العرب لأشخاص أبعد ما يكون عن تفاصيله وعن التاريخ، تأكد أنك ستشاهد مسلسلا " كألف ليلية وليلة" المغربي بخِرْقاته وانزلاقاته التاريخية .


من اطلع على التراث الأدبي العربي الخالد " ألف ليلة وليلة"، والذي جاءت حكاياته المشبعة بالفنتازيا والأسطورة، ترويها شهرزاد الحادة الذكاء والبصيرة، المطلعة على أخبار الأمم والشعوب لشهريار الذي أقسم على التضحية بعذراء كل ليلة لتشفيه من عقدة الخيانة وتكون العذراء التي لا تنتهي حياتها بخدره عند حلول الصباح، هذا المطلع عندما سيشاهد المسلسل الذي يحمل نفس الاسم بنسخة مغربية سيدرك حتماً أنها " ألف ليلة وليلة" لا توجد إلا في مخيلة كاتب المسلسل ومخرجه، ونتساءل لما اختار الكاتب للعمل هذا الاسم ما دام يتحدث عن أحداث من نسيج خياله أسقط عليها بعض الأسماء من شخصيات " ألف ليلة وليلة" بدل اختيار اسم بديل؟، ألم يكن عليه أن يتحسب أنه وقع في الاختيار الصعب الذي لم يملك شروط تقديمه، كما لا يملكها المخرج الذي قدم العمل برؤية عصرية مليئة بالأخطاء والمغالطات كأنه يتناول فترة حديثة من التاريخ المغربي، ولا المنتج الذي قدمه بحلة تجارية ضارباً بعرض الحائط الحرص على صناعة العمل وفق معطيات وشروط يصعب إيجادها بسهولة في المغرب الذي يفتقر لمخرج واحد يمكن أن نقول عنه أنه نجح في صناعة التاريخ درامياً.
منذ بداية بث الجزء الأول في الموسم الرمضاني السابق حتى الجزء الثاني الذي يبث بهذا الموسم يلاحظ المتابع للحلقة الأولى أن العمل يحاول فعلاً مقاربة "ألف ليلة وليلة" بدء من اكتشاف الملك شهريار لخيانة زوجته مع أحد عبيده  وألمه النفسي بهوس الخيانة ليحكم على كل نساء الأرض بالموت، بحيث بدأ يتزوج كل يوم عذراء ويقطع رأسها صباح اليوم الموالي، حتى ضجت منه أهالي البلاد خوفاً على بناتها، وهنا تتقدم  ابنة وزيره " شهرزاد" الجميلة الشجاعة الحادة الذكاء والبداهة التي وافقت على المجازفة برقبتها حتى تشفيه من هذه العقدة، وذلك بأن أخذت تحكي له كل يوم حكاية لا تتممها إلا في اليوم الموالي أو الذي بعده، بعد أن أخذت منه وعداً بأن لا يقتلها حتى إتمام جميع حكاياتها، ليرحل الملك مع سحر وشوق هذه الحكايات التي جابت به أرض الهند وفارس والعرب ولا يعي إلا وقد مرت ألف ليلة وليلة وأحب شهرزاد وأنجب منها ولدين.


ولكن " ألف ليلة وليلة" المغربية توقفت عند الليلة الثانية وبعد الصباح الموالي لشهرزاد لتأخذ الأحداث مجرى أخر بالمسلسل لشخصيات تحمل أسماء من هذا التراث دون أن يكون لهذه الأحداث أي علاقة ب "ألف ليلة وليلة"، أحداثا مليئ بعضها بالخيال العلمي ومقاربة عالم الأرواح الشريرة والسحر والحروب بين الممالك سعياً لشد اهتمام المتابع،  فصنع المسلسل أحداثاً متخيلة لشهريار الذي لم ن  نقرأ عنه بالألفية إلا وهو يغادر خدر شهرزاد وقد سكتت عن الكلام المباح صباحاً ليعود إليه بالمساء، لم تحكي شهرزاد للملك بالمسلسل ولا حكاية واحدة، وبالتالي لم يدرج به أبطال أشهر حكايات هذا التراث من " السندباد البحري"، " قمر الزمان ابن الملك شهرمان" علي بابا"، قوت القلوب "...! لعل ذلك كان فوق قدرة إمكانيات الإنتاج والأداء الفني لصناع العمل الذي كان يجب أن يلتزم بتصوير كل حكاية وفق قالبها السردي .


أما على مستوى الديكور والزي فقد حمل المسلسل أخطاء ومغالطات فادحة، أقل ما يمكن وصفها به أنها مهزلة توحي لغير المطلع على حكايات "ألف ليلة وليلة" أن الأحداث تدور حول فترة حديثة من التاريخ المغربي، حيث اعتمد على القفطان المغربي بتشكيلاته العصرية بالجملة في الزي النسوي، ألم يكن جديراً بمخرج العمل أن يعتمد خبيراً في تصميم الزي التاريخي، حتى لو تطلب الأمر استقدامه من سوريا أو مصر بدل هذا التشويه والاستخفاف؟!، ونعلم أن أغلب حكايات "ألف ليلة وليلة" كانت تدور حول العصر العباسي، بتناول العديد من حكايات الخلفاء العباسيين والجواري، وهي الفترة التي كانت أغلب النساء فيها تتحجب وترتدي البرقع خارج البيت كما صورهم  كتاب " ألف ليلة وليلة" أيضاً، بينما المسلسل صور الشخصيات النسوية سافرة متبرجة خارج بيوتها وقصورها، وبعيداً عن سمات الجمال العربي الذي عرفت نسائه بسواد الشعر والعيون، ظهرت بطلات المسلسل بألوان متباينة من الشعر الأشقر في نسخ مقلدة من الجمال الغربي، إضافة إلى اعتماد تاتو الحواجب كأداة تجميل حديثة .     


ولعل السعي الواضح لتقليد أعمال تاريخية كبيرة كالدراما التركية " حريم السلطان"، جعل صناع " ألف ليلة وليلة" يقدمونه عن جهل تام، فسعوا وراء التركيز على الإبهار بالصورة باعتماد ممثلين لهم وسامة كوسامة الأتراك، وشقراوات لا يختلفن كثيراً عن بعض جميلات "حريم السلطان "، ناسين استحضار مدى تمثيل الشخصية للفترة التاريخية، وأن تلك الشقراوات قد مثلن بالدراما التركية جواري أعجميات تم سبيهن في الحرب، كما هو شأن السلطانة  الروسية الأصل" روكسلانا " التي سماها السلطان ب " خرم"، فيما تمت تسميتها بالمسلسل " هيام"، تقليد لا يستدعي أدنى نسبة من المقارنة بين العملين على أي مستوى كان، ولكنه قدم المسلسل في صورة فجة وتجارية تحت اسم " ألف ليلة وليلة ".


التاريخ لا يكتب من فراغ حتى لو كان تاريخاً متخيلاً، يكتب ويعالج بعد دراسة أكاديمية أو اطلاع معمق وحب لهذا التاريخ حتى لا نراه قد تحول لماركة تجارية يسترزق بها في سوق الدراما على أيادي كتاب لم يقرؤا ولو مرجعاً واحدا عن هذا التاريخ، ف"وليد سيف" الذي يعتبر مدرسة في الكتابة الدرامية التاريخية لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل من حب كبير دفعه للاطلاع دوماً على التاريخ العربي حيث يقول :"عندما زرت الأندلس وجدتني بطريقة روحية أو شبه روحية منجذباً إلى هذا التاريخ، ومسحوراً به، وشغوفاً به، وجدتني في حالة أمشي وكأنني مسحور وأريد أن ألقي على كل ما أشاهد شيئاً من تلك الذاكرة التاريخية فأرى الأشياء في ضوئها، أريد أن أمحو الصور المعاصرة وأن ألبس الناس الثياب التاريخية القديمة وأراهم يمشون في الطرقات ويتحدثون بالعربية".                                        

 

تعليقات الزوار ()