•   تابعونا على :

تقبيل يد السلطان

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الخميس 11 يونيو 2015

تقبيل يد الخليفة أو السلطان أو الحاكم كان مبعث نقاش فقهي طويل عريض، وإن كان الأغلب يقول بجواز تقبيل النصراني ليد المسلم، هذا في زمن كان فيه المسلمون يضمون بعض النصارى في بلادهم، أما الآن فالفتوى يجب أن تبحث في جواز أو عدم جواز العكس..!! عموما تضاربت مواقف الفقهاء حول تقبيل يد السلطان، وإذا كانت الحكمة الدينية تقول: "في اختلاف الفقهاء أو العلماء رحمة" ففي حالة الاختلاف حول تقبيل يد السلطان يجوز أن نقول: "في اختلاف الفقهاء قُبْلة"..!!

 

الإمام بن عقيل وهو من كبار فقهاء الحنابلة ومذهب الإمام أحمد بن حنبل معروف بتشدده وصرامته، أقول الإمام الحنبلي "بن عقيل" عاتبوه جدا لما رأوه يقبل يد السلطان فقال "بن عقيل" مدافعا عن هذا التقبيل "أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يده أكان خطأ أم واقعا موقعة"، قالوا: بلى، قال: "الأب يربي ولده تربية خاصة والسلطان يربي تربية عامة فهو بالإكرام أولى". دفاع بن عقيل عن تقبيله يد السلطان أصبح حجة لمن يريد تقبيل يد السلطان بمبرر ديني، والآخرون ليسوا بحاجة لمبررات..!! وإن كان الإمام "بن عقيل" قد قال في نهاية اجتهاده للدفاع عن تقبيل يد السلطان "وللحالة الحاضرة حكم من لابسها، وكيف يُطلب من المبتلي بحال ما يطلب من الخالي منه"..!! هنا الإمام "بن عقيل" يلوم معاتبيه على أنهم لم يعيشوا حالته، وهي حالة وجوده أمام السلطان مباشرة والتي سماها هو ابتلاء، فكيف يعاتبوه هؤلاء الفقهاء على شيء لم يعيشوه هم، أما إذا وقفوا أمام السلطان ولم يقبلوا يده فلهم آنذاك حق العتاب واللوم..!! أترك للقارئ العزيز الحكم  على رجاحة موقف "بن عقيل" من تقبيل يد السلطان، لأقول إن الطحطاوي قال في حاشيته على مراقي الفلاح، وهو يتكلم عن جواز تقبيل اليد ويقول: "من مجموع ما ذكرنا إباحة تقبيل اليد والرِّجل والكشح (الكتف) والرأس والجبهة والشفتين وبين العينين، وذاك إذا كان للمبرة والإكرام، أما إذا كان على وجه الشهوة فلا يجوز إلا في حالة الزوجين"..!! فقيهنا هذا لم يترك إلا جزءا قليلا من جسم الإنسان لا يصلح للتقبيل الجائز، والمثير أن فقيهنا أجاز تقبيل الشفتين وكأني به كان يتوقع طريقة تقبيل الزعماء السوفيات التي مازال يصر عليها صديقنا حكيم، ولعل القبلة الشيوعية لا تنهار..!! كما أن الإمام النووي يستحب تقبيل يد الرجل الصالح لزُهد صاحب اليد، وإن كان لدنياه أو ثروته وسلطانه وشوكته فمكروه شديد الكراهة..!! كما أن الفقيه العالم الثائر "العز بن عبد السلام" حين طلب منه رسول السلطان أنه يكفي أن يقوم بتقبيل يد السلطان كي ينال العفو ويخرج من السجن ويطلق سراحه، أجابه الفقيه "العز بن عبد السلام": "لا أقبل أن يقبل يدي هو  فكيف بالعكس"..!!

 

إلى أن يتفق الفقهاء حول هذا التقبيل، نعرِّج ونحن لا نغادر الموضوع إلى حكاية الفقيه والكاتب المغربي "أبو القاسم الزياني"، الذي كان كاتبا وسفيرا في عهد السلطان العلوي "محمد بن عبد الله"، والذي يحكي ما جرى بينه وبين والده الفقيه الذي كان لا يريده أن يكون من حاشية السلطان، فالفقيه "الزياني" لما رأى بعض رفاقه في طلب العلم تحسنت أحوالهم بمجرد اشتغالهم مع السلطان، ويكتب "الزياني" "كان لي رفيق من طلبة "سوس" اسمه "سعيد الجزولي" ويعرف باسم "الشْلِيِّح" كان يقرأ معنا… فلم أشعر إلا وهو عند السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فلما بلغني خبره  وما صار إليه وما صار إليه حاله، شرهت نفس للحاق به، وتعلقت همتي بخدمة السلطان"..!! يا لصدق بعض فقهاء المغرب، كما الفقيه "الزياني" الذي يتكلم على سجيّته ويحكي بكل عفوية ما له وما عليه بما فيه ما حدث له من مواقف محرجة، كما سنرى..!! ولما أتى "الزياني" يستأذن والده في الالتحاق بالعمل مع السلطان العلوي، كان هذا الحوار البديع الشيق بين "الزياني" ووالده الذي قال له: "يا بني اتّق الله واشتغل بما يعنيك، ولا تقْدِم على ما يُضنيك، فمالي سواك، ولا أستريح حتى أراك، والسلطان لا يعمر بيتا إلا ليُخليه..!! فكان جواب الإبن "الزياني" "إن رفقائي ومن كنت آنس بهم ذهبوا، وحصلوا على ما طلبوا، وبلغوا الغاية في العزّ والجاه، وأنا لابدّ أن أقتدي بمن قال:

 

لبابِ المُلُوك فكُن لازِماً

         ولا تخْشَى ممَّن بغَى أو حسَدْ

فإِنَّ الذِّئاب تُهاب إذا

         تمَرَّغَ يوْماً بِبابِ الأسَدْ

 

أجاب والد الزياني: يا بني، مالي أسعى في نعيمك وتسعى في بؤسي وبؤسك، ولماذا يا بني لا تسمع ما قاله "أبو علي اليوسي":

 

لاَ تَقْربَنْ مَالكاً ولاَ تلُوذُ به

        ولَوْ تنَلْ عنْدَه عزّا وتمكينَا

يسْتخْدِمونك في لذَّاتِ أنْفسهم

            فيَذْهبُ العُمرُ، لاَ دُنْيا ولا دِينا

 

أترك للقارئ الكريم كرم الاختيار بين الموقفين، وكما ذكر "الزياني" نفسه فقد كان كاتب السلطان "محمد بن عبد الله" المقرب وسفيره المفضل، كما ذكر أنه تعرض لنكبات السلطان "محمد بن عبد الله" والسلطان اليزيد، وهاجر بعيدا عن بلده، ويحكي "أبو القاسم الزياني" لما أرسله "محمد بن عبد الله" سفيراً عند الإمبراطور العثماني "عبد الحميد"، ولما صلى الجميع مع السلطان العثماني، وجاء وقت استقبال السفير المغربي الزياني، يكتب الزياني "ولما واجهناه وقرينا منه (يعني نفسه وبعض خدام السلطان العثماني) وقفوا هم، واستعملت أنا التحية كعادتنا مع سلطاننا إذا وقفنا أمامه نقبل الأرض، وذلك يعدُ من سجود الشكر، فلما هويت على الأرض أرادوا ردي فأشار لهم السلطان "عبد الحميد" بالكف والرجوع عني، وتبسم السلطان العثماني ووضع يده على فمه، ولما قمت من السجود، تقدمت إليه وقبلت ركبته، وهو متربع على سريره، وقبضت على يده اليمنى بكلتا يدي، قبلتها..!!" لطيف أن يعتبر "الزياني" السجود للسلطان من سجود الشكر، ومن الألطف أن يقول: هويت على الأرض، والألطف أكثر أن يقول: "قبضت على يد السلطان بكلتا يدي"، وهي الطريقة المثلى لاعتقال يد السلطان لتتعرض لغارات من التقبيل دون مشيئة السلطان أو حتى مشيئة يد السلطان..!! كان يمكن للفقيه والسفير "الزياني" أن يخفي كل هذا ولا يكتب هذا ولا يؤرخ لشيء تم في بلاط عثماني مغلق، وفي زمن "لا كاميرات" فيه، ولا هواتف محمولة تصور، إنها سجية وعفوية فقهاء المغرب في أزمنة الصدق..!! والطريف الطريف أن يقول "الزياني" بعد خروجه من حفلة الاستقبال والتقبيل ما نصُّه "بعد خروجنا جاءنا أهل القبة (رجال ديوان السلطان "عبد الحميد" فأكبوا على تقبيل أيدينا وطلب الدعاء منا، وقالوا هذا الذي قبّل يد السلطان "عبد الحميد" وقبل ركبته وجلس أمامه، شيء لم يقع عندهم لأحد، فساعدناهم بالدعاء..!! وكأن "الزياني" يقول ما ضرّ تقبيل يد السلطان التركي إذا جرّ تقبيل علية وأكابر الأتراك إلى تقبيل يده..!! لاشك أن هذا التبرير مازال يعيش بين ظهرانينا..!! والفضل كل الفضل للفقيه السفير "الزياني" الذي كان صادقا دون أن يكون مجبرا على ذلك..!! ما أجمل وأروع بعض رجالات ذلك الزمن المغربي..!!

 

يبقى فقط أن أقول: إن السفير الفقيه "الزياني" عاد من مهمته "الديبلوماسية" بعدما خصص له السلطان مركبا ومصاحبا تركيا يتكلم العربية لمرافقة السفير المغربي بحراً إلى المغرب، إلا أن هذا المصاحب التركي بمجرد ما ابتعد المركب عن اسطمبول أساء معاملة "الزياني" أو كما يقول هو: ولما أصبحنا وسط البحر استأسد الرجل وأصحابه الأتراك وأظهر لي الجفاء وأراد أن يتقدم عليَّ في الأقوال والأفعال، هذا وقد أوصاه وزراء السلطان عبد الحميد أن يكون تحت أمري، فحضر لي بيتان كتبتُ له بهما وهما:

 

لا ترْكنَنْ لتُركيٍّ وإنْ عظُمَتْ

       مِنْه العِبادة حتى طَار في السُّحب

إن جادَ يوْما كان الجُودُ عنْ غلَطٍ

           وإنْ تَمرَّدَ فَعَنْ أمِّ لهُ وأبِ

السفير الفقيه "الزياني" كان على سجيَّته في كل الأحوال..!! حيِّيتَ، حُيِّيتْ..!!

وكل تقبيل وأنتم………………!!

تعليقات الزوار ()