•   تابعونا على :

20 سنة من الحكم: انطباعات ذاتية

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الجمعة 02 غشت 2019

عشرون سنة انسلت كما ينسل العمر القصير. عشرون سنة من حياة شعب بحلوها ومرها وآمالها وآلامها، وعشرون سنة من حكم ملك بلحظاته القوية وامتحاناته الصعبة، بمنجزاته التي لا تنكر وتعثراته، بمشروع وسع أفق الانتظار إلى أبعد مدى، وبنتائج وحده التاريخ سيصدر فيها حكمه القاطع، ولكن يمكن لمؤرخي اليومي أن يقدموا بخصوصها انطباعات ذاتية تتوخى الموضوعية.

 

لنعد عشرين سنة إلى الوراء.

 

اللوحة المحيرة الأولى هي أن ملكاً حكم بقبضة من حديد شعبا مخنوق الحريات استطاع أن ينتزع الناس من بيوتهم ليبكوه بعد رحيله كما لم يبكوا أحداً من قبله، والصور التي ماتزال عالقة بالذاكرة لن تمحى.

 

واللوحة الثانية هي دموع ملك جديد قرر كل المغاربة، بمن فيهم المعارضون الشرسون، أن يتعاملوا معه بتعاطف فريد، وألا يحملوه وزر ما سبق. وإذا كانت الصحافة الأجنبية حينها قد شككت في قدرة شاب عمره لا يتجاوز 36 سنة على ملء كرسي واحد من أكبر ملوك الدولة العلوية الذي حكم البلاد لمدة 38 سنة، فإن المغاربة على عكس ذلك ابتدعوا المعادلة البليغة حين قالوا إننا كنا نخاف من الملك واليوم نحن نخاف عليه.

 

وتوالت القرارات القوية للقطيعة مع جزء من أسلوب حكم دون القطيعة مع استمرارية التقاليد المرعية. وصفحات إدريس البصري والسرفاتي وعبد السلام ياسين والإنصاف والمصالحة ومدونة الأسرة، وغير هذا كثير، كانت شاهدة على تحولات في مغرب جديد يتوق إلى التغيير بحذر.

 

لقد كانت أحداث 16 ماي 2003 صدمة للجالس على العرش، كما كانت صدمة للمغاربة أجمعين، ورأيي المتواضع هو أن هذه الأعمال الإجرامية فرملت نوعاً من اندفاعة حقوقية كانت نتائجها سبتدو أكثر توهجا لولا مجانين الدين، بل إنها كانت صعقة دفعت إلى التوجس من انفلات الحقل السياسي، وبالتالي سارت الأمور إلى ما نعرف من لجم الإسلام السياسي المؤسساتي ومحاولة ملء الفراغ بخلق تنظيم سياسي جديد يكون حاضنا لرؤية العهد الجديد، ولكن المياه التي جرت تحت الجسر لم تكن أبداً كما اشتهاها التوجس مما اعتبر خطرا للتسلل إلى مفاصل الدولة، وبقينا إلى الآن في حالة بلوكاج سياسي فعلي على الرغم من وجود تحالف أغلبي وحكومة وبرلمان ومعارضة، بمعنى أنه ليست هناك أزمة سياسية مؤسساتية، ولكن هناك تصريف أعمال في انتظار أيام أحسن أي بدون إسلاميين في قيادة الحكومة.

 

إن دستور 2011 الذي يعتبر من أهم التحولات في عشرين سنة من حكم  محمد السادس جاء في سياق عجيب، إنه رد فعل ذكي على فعل مخيف. لقد جرفت ثورات عربية أنظمة ووصلت إلى باب الدار هنا، وبالتالي تم توقيف المسلسل الذي كان سيوصل الحزب الجديد إلى السلطة، ووقع شيء لم يكن أي من الأطراف يتصور أن يكون يوماً واقعا معيشا، وهو أن يصبح عبد الإله ابن كيران الإسلامي رئيسا لحكومة صاحب الجلالة!

 

في جل الخطب الملكية خلال خمس قرن، لم يكن محمد السادس مرتاحاً لأداء جل النخب السياسية، وإذا كانت الانتخابات في هذه العشرينية هي الأكثر نزاهة في تاريخ المغرب، فإن الأحزاب السياسية عموما ترهلت، إما بسبب الانهاك الذي أصاب نشطائها، أو بسبب تواصل آلة إضعافها، والنتيجة هي خطر جديد متمثل في تشقق جدران الوسطاء  بشكل يدفع إلى جعل التموجات الجماهيرية على خطوط التماس مع المؤسسة الملكية.

 

هذه هي الصورة التقريبية للمملكة المغربية الثانية التي شيد معالمها السياسية محمد السادس، وهي في معمعة انتقال ديموقراطي صعب يتمايل حسب الأحداث والظروف وموازين القوى. إنه وضع متقدم جدا عما كانته المملكة على عهد الحسن الثاني، ولكنه متأخر على ما يطمح إليه المغرب الجديد.

 

الشيء الذي لا ينكره إلا جاحد هو أن الملك بصم على منجزات ستظل شاهدة على حكمه: ألف كيلومتر إضافية من الطرق السيارة، وميناء متوسطي هائل، ومحطات قطارات رائعة، وقطار فائق السرعة يربط طنجة بالبيضاء، ومدن تغير وجهها خصوصا في الشمال، ومحطة خارقة للطاقة الشمسية، وطرامواي في العاصمتين، ومبادرات خلاقة من مثل مقترح الحكم الذاتي للصحراء، والعودة للاتحاد الإفريقي والدخول كلاعب كبير إلى إفريقيا، ونهج ديبلوماسية العزّة والأنفة تجاه الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية والخليج.

 

لقد تغير وجه المغرب على الرغم من قلة الموارد، ومنجزاتنا أكبر من منجزات دولة بترولية جارة، إلا أن عشرين سنة من حكم محمد السادس لم تكف لحد الآن لاجتثاث تراكم نصف قرن من الفوارق الاجتماعية والمجالية الصارخة، ولا لحل معضلة التعليم العمومي، ولا لتغيير وجه الصحة العمومية كما تغير وجه الطرقات السيارة مثلا، ولا للحد من آفة البطالة التي تمس ثلاثة ملايين مغربي و250 ألف شاب كل سنة.

 

إن حياة الأمة أكبر بكثير من خمس قرن من الحكم، ولهذا، يمكن اعتبار ما أنجز هائلا، ولكن ما ينتظر إنجازه كبير، خصوصا وأن البلاد نجحت في البُنيان ولم تنجح بشكل كامل  في بناء الإنسان. والإنسان الصالح هو عماد أي مغرب مزدهر وهو ضرورة لاستمرار التلاحم بين شعب كريم وعزيز وحر وملك هو رمز وحدة البلاد وممثلها الأسمى.

تعليقات الزوار ()