•   تابعونا على :

منتخب واحد لبلدين!

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الخميس 01 غشت 2019

أسعفتنا كرة القدم في إشعال جذوة الأمل من جديد في جسد العلاقات المغربية الجزائرية القطبية المتجمدة. صحيح أن ألم الإقصاء المبكر للمنتخب المغربي مازال مرّاً في الحلق، ولكن في طي كل نقمة نعمة. فظهور المنتخب الجزائري لكرة القدم بهذا المستوى المشرف، ومسلسل انتصاراته المبهرة، جعل النعمة في ردة فعل الشعب المغربي التلقائية ذات الأبعاد والحمولة المتجاوزة بكثير لمجال لعبة مغرية، لتطال المستقبل المنشود لأمتين جارت عليهما ملابسات التاريخ وتعقيدات السياسة. وأمام ما جرى من احتفالات من القلب من أجل فرحة الشعب الجزائري، يمكن بلا خوف أن نقول عن المغاربة والجزائريين إنهم شعب واحد في بلدين دون أن نخشى التنميط وتكرار العبارات المشروخة.

 

إن القضية التي فرقت بين الإخوة في الرباط والجزائر، وماتزال، هي الصحراء التي استعملت من طرف النظام الليبي أولا، ثم الجزائري ثانيا، وبقيت شوكة في حذاء هذا المغرب العربي المأسوف عليه. ولقد تجاوز الأمر خلافا في التصور حول قضية معينة إلى نوع من العداء الذي جعل من معاكسة المغرب في وحدته الترابية أولوية من أولويات السياسة الخارجية للجزائر، واحتضان وتسليح البوليساريو قضية أمن داخلي، فيما يمكن أن تجد في إفريقيا مثلا دولا تعترف بالجمهوية الصحراوية الهزلية دون أن تكون معادية للمملكة المغربية، وقد زار الملك محمد السادس عددا منها!

 

إلا أن كل هذا المسلسل المنهك لمقدرات بلدين متجاورين ولمجهوداتهما في المحافل الدولية لم يكن له صدى يذكر لدى الشعب الجزائري، والغريب أنه بقدر ما كانت قضية الصحراء أولوية بالنسبة للنظام في قصر المرادية، بقدر ما كانت ثانوية جدا بالنسبة للجزائريين، وهذا عكس المغاربة الذين يعتبرون دولة وشعبا قضية الصحراء هي القضية الوطنية الأولى.

 

إن هذا يؤكد أن نبض الشعب دائما على صواب، وأن المغاربة بالسليقة يميزون بين شعب شقيق وسياسة نظام قد تتغير يوما ما. إننا نحس بالفخر عندما تنبثق من أعماق المجتمع هذه التعبيرات عن الحب المتبادل بين الجزائريين والمغاربة، إلى درجة أن يخرجوا في وهران وفي وجدة وفي الجزائر العاصمة وفي الدار البيضاء وكأننا إزاء منتخب واحد لبلدين.

 

ولكن الذي يعطي لهذا الحدث بعده الأعمق هو ما تعيشه الجزائر اليوم من تحولات تاريخية ومصيرية، ففي هبَّة شعبية غير مسبوقة، استطاع الشعب الجزائري أن يطيح بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأن يهدم جزءا من أركان النظام، وأن يدفع إلى شيء كان قبل شهور من سابع المستحيلات، من مثل اعتقال سعيد بوتفليقة والجينرال توفيق، ورئيسي حكومتين سابقتين هما سلال وأويحيى، وجمهرة من الوزارء وكبار المسؤولين.

 

ورغم هذه النتائج، فإن الجزائريين مازالوا مصرين على استكمال ثورتهم المجيدة، ويطالبون بتهديم بنيان النظام كله لا جزء منه، مخالفين عن صواب قاعدة ما لا يدرك كله لا يترك جلّه، وهم سائرون في الاتجاه الصحيح نحو هدف رائع، وهو دمقرطة البلاد، لأن المدخل للتنمية سياسي، وإلا لما كانت بلاد كالجزائر غنية بالغاز فيما شعبها فقير!

 

والديموقراطية في الجزائر لا تخيف المغرب، بل تخيف بلدانا بعيدة حاربت إرادة الشعوب منذ انطلاق الثورات العربية، ولهذا نجد أصبع الإمارات العربية المتحدة يتحرك في الجزائر كما في ليبيا والسودان، ومن قبل في مصر. الديموقراطية في الجزائر حق مقدس للشعب الجزائري يدافع عنه اليوم في حربه الثانية من أجل الاستقلال، وهي فرصة ثمينة بالنسبة للمغرب مادام أن الأمور لا يمكن أبدا أن تكون أسوأ! بمعنى أن ترسيخ الاختيار الديموقراطي سيعني أن المواقف ستكون معبرة عن الشعب الجزائري ومرحبا بها كيفما كانت.

 

ولكن وبالمنطق، هل يعقل أن يختار الشعب الجزائري بحرية مثلا أن تبقى الحدود بين البلدين مغلقة كيفما كانت الاعتبارات والتبريرات؟ بالطبع لا! هل سيقبل الجزائريون هذا الجمود في قضية الصحراء التي تكلف الشعبين نقطتين إلى ثلاث نقاط في نسبة النمو السنوي دون السعي لحل العقلاء، وهو لا غالب ولا مغلوب؟ بالتأكيد لا. هل هناك عاقل في عالم اليوم حيث تكسرت جميع الحواجز بين البشر يقبل أن يظل هذا التجمع الإقليمي الواعد مجمدا وفي شمال إفريقيا من المؤهلات ما يوازي أو يفوق تجمعات في إفريقيا نفسها كالسيداو أو غيرها، هذا دون أن نشرئب بأعناقنا لنطل على الاتحاد الأوربي وما يماثله؟

 

بكل صراحة، وحتى وإن كان المغرب الرسمي متحفظا على الخوض في الشأن السياسي الداخلي للجزائر لأسباب مفهومة وواضحة، فإن المغاربة يتابعون بإعجاب ما يقوم به الجزائريون من حراك حضاري مبدع وسلمي شرفهم ورفع قدرهم وفتح لهم بابا من أبواب التاريخ، ولهذا عندما جاد القدر بهذا الفتح الثاني والمنتخب الشقيق على وشك حمل كأس إفريقيا للأمم، فإن هذا الشرف والاعتزاز أصبح إحساسا مغربيّا أيضا، فشكرا للشعب الجزائري، وشكرا لثعالب الصحراء على المساهمة في دفع هذا الباب الذهبي للإيمان باقتراب ساعة بداية حياكة المستقبل المشترك لشعبين يستحقان الأروع!

تعليقات الزوار ()