•   تابعونا على :

الأسود المنهكة وحزب التَّقواس

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الخميس 18 يوليوز 2019

لم يطوِ الأسبوع الحزين ما سبق أن كتبناه في هذا الركن من شجون على ضفاف نفس مكسورة بسبب هذه الغيمة التي تحجب سماء المملكة، والممتلئة بناهبي خيراتها والمستحوذين على روح البلد والمعتقلين للأمل والمقيمين للمتاريس في طرق محاولات الإصلاح السيارة.

 

هؤلاء المتناقزون كان لهم دائما فراش وثير في كل أركان الرياضة ببلادنا، بل إن هذا القطاع الذي تجاوز في العالم معناه الفرجوي والترفيهي ليصبح من أحلام الأمم ومن معضدات شعورها بالانتماء، ومن محفزات النخوة الوطنية، ناهيك عن أبعاده الرمزية في النفوذ والاقتصادية في النمو، أصبح في جزء كبير منه وكرا للمتضلعين في المراوغات التسييرية والتدبيرية ولجهابذة الفساد وبيع الوهم بالملايير لشعب مغبون.

 

("ومن التجليات الصارخة لاختلالات المشهد الرياضي، ما تتخبط فيه الرياضة من ارتجال وتدهور واتخاذها مطية، من لدن بعض المتطفلين عليها، للارتزاق أو لأغراض شخصية، إلا من رحم ربي من المسيرين الذين يشهد لهم تاريخ الرياضة ببلادنا بتضحيتهم… والأدهى والأمر، أن تحديد المسؤوليات غالبا ما لا يتم بشكل واضح، في حين لا تتوفر عناصر الشفافية والنجاعة والديموقراطية في تسيير الجامعات والأندية، ناهيك عن حالة الجمود التي تتسم بها بعض التنظيمات الرياضية، وضعف أو انعدام نسبة التجديد الذي تخضع له هيئاتها التسييرية، وغالبا ما ينحصر الخلاف، حول التعاقب، في اعتبارات أو صراعات شخصية أو فئوية ضيقة").

 

وهذه الكلمات التي وضعتها بين قوسين ليست للعبد لله على الرغم من أنها تعبر بنسبة ألف بالمائة عما يخالج دواخلي، ولكنها لملك البلاد! وهي أقوى مما يمكن أن يقوله معارض شرس في المملكة عن واقع جزء من تدبير قطاع حيوي من قطاعاتها.

 

والأنكى من هذا، أيها المتحسرون المكلومون، أن هذا الكلام المتلائم والمنسجم مع ما حصدناه من خيبة بمصر في يوليوز 2019 قاله الملك محمد السادس في أكتوبر 2008، في افتتاح المناظرة الوطنية للرياضة، ولا حياة لمن تنادي.

 

إن اجتثاث الفساد واقتلاع العفونة من المجال الرياضي هو أخطر وأكبر مما يمكن أن يتصوره الحالمون الطيبون، ورؤوس الأفاعي فيه أكثر مقاومة وشراسة مما تعده قوات الردع للتخفيف من اتساخ القطاع وتسيبه، وإلا لماذا يقع ما يقع اليوم والمغاربة قد ضحوا من أجل أن يرفع علمهم عاليا، فإذا بالملايير تطير والعلم يطوى حزينا في شوارع القاهرة والأمل يخبو في صدور المساكين.

 

قصة هذا الشوط الأخير من محاولات إنقاذ الرياضة المغربية من الحضيض جاءت بعد هذه المناظرة التي قام فيها الملك بهذا التشخيص القاسي، ورصدت الإمكانيات الهائلة للرياضة، وأصبحت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم "سلطنة" بموارد مالية خيالية، وبما أن الامتداد الإفريقي للمملكة أصبح رهانا استراتيجيا بالنسبة للدولة، فقد كان لابد للمغرب من يد من مستوى دخوله السياسي والاقتصادي الجديد للقارة السمراء، وعلا صوتنا في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وشيئا فشيئا بدأ يتكون عندنا ما كان يسميه الراحل محمد جسوس "السلطين في كويطين"، ولم يكن الناس في غمرة انشغالهم بانكسارات اليومي يولون اهتماما بالغاً لهذا الركن من المملكة الذي يتحرك في بلد فقير بإمكانيات "سلطنة كروية" غنية، فالمهم هو النتائج، والمهم في انتظار صحوة الضمير الجمعي، وفي انتظار الشغل والصحة والتعليم والديموقراطية، أن نفرح في الطريق على غرار باقي الأمم يوماً أو أسبوعاً بتتويج يرفع هاماتنا إلى السماء، ويجعل النشيد الوطني يعطي شعوراً لا يوصف إلا بتلك الحبيبات التي تكسو الجلد كقشعريرة هي الطريق لدموع الفرح.

 

هذا هو الرهان الذي خسرناه، وهو بالطبع قضية ليست مرتبطة بجزء ولكن بكل، وهي هذه البلاد التي تستغني عن الكبار فيها وتعلي من شأن الصغار، والتي تنفع فيها المداهنة أكثر من الاستقامة، ووالله إن شأن اختيار اللاعبين والتمييز بينهم على أساس الكفاءة والنجاعة لهو شبيه بما يجري في المجتمع، بحيث ستجد الآلاف ممن يصلحون كقلب هجوم في تخصصاتهم أو أدوارهم منسيين في منازلهم أو مكاتبهم، في الوقت الذي يوكل أمر تسديد ضربات الجزاء في القرارات وداخل المؤسسات العديدة لمجرد أمعاء هجوم، يحسنون امتصاص الخيرات لأنفسهم ويقدمون للناس الفضلات، فكيف سنسجل الأهداف بالله عليكم في هذا المرمى اللعين؟

 

لقد أحسن البرلمان المغربي صنعا بحمله موضوع إقصاء المنتخب الوطني لكرة القدم من ثمن نهاية كأس إفريقيا إلى قبته، لأن الأمر سياسي بالفعل، ولكن ما الذي خرج به المغاربة من هذا الارتقاء بمباراة رياضية إلى المساءلة الحكومية؟ خرجوا بمهزلة أسوأ من الهزيمة في القاهرة، وقال الوزير الطالبي العلمي إن زياش: "زكل البينالتي على دوه ميليمتر.. الغالب الله" وأضاف الوزير الفصيح أنه حاول الاتصال بزياش 23 مرة هاتفيا "ومكايجاوبش" وأن "شي واحد قوّس عليه.. مع الأسف، وسمحوا ليا أنا كنآمن بالقدر ولابد من واحد رابح وواحد خاسر وهذا قدر"!

 

زكل آالسي الوزير؟! قوسو عليه آسي الطالبي؟! النصر أو الهزيمة آسي العلمي قدر؟! إنك سيدي بالفعل أشد إيلاما من هزيمتنا المنبثقة من التدبير الموكل إليكم، إنك فجيعة السؤدد وسوأة الوزارة، إنك القضاء والقدر الذي نقول حين يصيبنا أن لا راد لقدر الله.

 

يا رب، هذه الأسود منهكة والأطلس شامخ، فهل من رجال يسعون للعلى حتى يستجيب القدر؟

تعليقات الزوار ()