•   تابعونا على :

النموذج التنموي لأخطبوط الدمار القيمي

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الثلاثاء 16 يوليوز 2019

ربي، لقد ضاقت بنا السبل، واختلط علينا الحابل بالنابل، وهوى طعم الحياة إلى عمق المرارة، وانتصرت الدناءة على الشهامة، وانزوى الكبار تعففا، فيما يتناقز الصغار مالئين الدنيا زعيقا.

 

ربي، يكاد هذا العالم الذي يضج بالحياة أن ينزل ستائر الموت على كل ما هو جميل في النفس، وطيب في الوجدان، ونافع للناس. فلماذا يتكاثر الطالحون أضعاف أضعاف المصلحين أو التواقين لذلك؟

إن مصيبتنا ليست هي شح الموارد، أو تواضع الإمكانيات، ولكنها آفة هذا الحضيض الذي نهوي إليه في الإنسان كقيمة في حد ذاته.

 

لقد تغلبت البشرية على الهمجية والبربرية والتفاخر بالقتل وأخذ الصور مع الرؤوس المقطوعة والجثث المشوهة، واقتربت من الروح في مواثيقها وعهودها التي تصون حقوق الإنسان والكرامة والاستقلالية والحرية ودحر الخوف والسلامة الجسدية. ولكن في غمرة كل هذه الثورة التي تطلبت قرونا من الصراع، نجد أنفسنا في غابة من نوع آخر، غابة الانتهازية والوصولية والتدليس والمكر والأنانية المدمرة لعمق مفهوم الصالح العام.

 

وهكذا يجد الإنسان الذي يحمل قيمه الفضلى نفسه كمن يحمل الجمر، بل إنه يصبح مدانا بعدم مشاركته في هذا اللغط العام، ويتطاول الخسيسون على النشامى، ويصبح الشجاع هو الوقح، والودود هو المداهن، والصادق هو الحربائي، والنظيف هو المغفل، والمنتصر هو الذي يعرف من أين تؤكل الكتف.

 

هذا يا ربي وباء مجتمعي ينخر أوصالنا، فكيف السبيل للاستمرار والمقاومة ثقيلة ومرهقة؟ كيف لهذا الجزء من النخبة من الصادقين من مختلف الاتجاهات أن يستمروا في حمل صخرة سيزيف دون أن تنهار السواعد أو تهن النفوس؟

 

ها نحن نطلب العلا، والسمو، والدرجات الرفيعة، ولكن في ماذا ولماذا؟ هل فعلا الغاية تبرر الوسيلة؟ هل يجوز أن ندوس على شرعية الأخلاق لنصل إلى المكاسب الشخصية؟ كيف يستطيع الإنسان أن يبيع كل شيء من أجل مغنم أو مكسب ولا يهمه إن اتسخ وانضاف إلى عوامل تلويث الروابط الاجتماعية بيننا؟ إن المصعد الاجتماعي اليوم مختل بفعل الفوارق الصارخة اجتماعيا واقتصاديا ومجاليا، ولكن الأخطر في هذا المصعد هو أنه مثقل بثقافة الهمزة والواسطة والجهل مع السنطيحة وبيع القيم لشراء المنافع الشخصية والتآمر والدسيسة، وهذا هو الإطار العام والباقي استثناء.

 

لقد انتقلت أمراض النخبة إلى المجتمع برمته، والمصيبة الكبرى أن منابع بناء الإنسان جذوراً وآفاقا تلوثت بدورها، وانهارت المدرسة العمومية واندحر الإعلام ما بين متثائب أو مسخر أو مقاوم! وأما الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، فكل مواطن قادر على كتابة مجلد في هجوها، بل إن الشرفاء الذين مازالوا يؤمنون بالإصلاح داخل هذه المنظمات يحاربون يوميا حزبا هو الأقوى والأكثر تماسكا، ألا وهو حزب الوصوليين، وتجده بدرجات متفاوتة في كل هيئة يمينا ويساراً ووسطا وفوقا وتحتا، وهذا التيار الهادر هو الذي أعطى وجوها وزعامات قاسمها المشترك هو العنف اللفظي والخواء الفكري والتآمر التنظيمي والتجارة السياسية.

 

هذه الكائنات قادرة اليوم على تلويث الأصفياء وإزاحة الأقوياء فكرا ومبادرة، وتنصيب أشباه الأميين الوظيفيين في قمرات القيادة، إنهم أرجل للشيطان باختيار إذا قادوا مؤسسة خربوها وإذا فاتتهم عرقلوا قادتها.

 

ورغم كل هذا الدمار الذي خلفته الحرب على القيم، فإن زعماء التفاهة والوصولية مصرون على دفع السكين المغروس في القلب إلى الأعمق بسرقتهم حتى خطاب مواجهتهم. فحتى اللصوص في سابق العقود كان عندهم شرف الانتماء، وكان لهم خطابهم الذي يواجهون به خطاب الإصلاحيين أو نظفاء اليد، أما هؤلاء اليوم، فإن إبليس انهزم أمامهم، وأصبحوا يتساءلون عن سبب الاندحار ويبحثون عن مصادر التفاهة ويتحدثون عن الحقوق كلها، ويعطون الدروس في الواردة والشاردة ولا يرعوون.

 

وعندما يفتح باب علاج لأمراض هم أعراضها، تجدهم يلبسون الوزرات البيضاء ويفتون في النموذج التنموي الجديد وفي إصلاح التعليم وفي الدستور وفي الحريات، وبالتالي فإن المعركة ضدهم بالنسبة للخارقين الذين يواصلون الصمود هي معركة مكلفة حياتيا ونفسيا واجتماعيا، إنها معركة استقلال ثانية من ربقة الظالمين.

 

هذا بلد عرف نساء ورجالا شامخين قبل حتى الدولة الإسلامية التي نؤرخ لها بالأدارسة، وهذا بلد إمبراطوري عرف المجد في تاريخه، وجغرافيته امتدت إلى الأندلس شمالا ونهر السينغال جنوبا، وهذا بلد ظل مقاوما للإنكسار بعد كبوة عقد الحماية، ولكنه انتزع استقلالا مؤلما مازالت فصوله مستمرة إلى الآن في الجنوب، وهذا البلد بنى السدود وحمى الحدود وشيد الطرق السيارة المبهرة والموانئ الكبرى ومحطات الطاقة المتجددة الهائلة، وهذا البلد بقي متقدما في مضمار السباق في محيطه الإقليمي والقاري، ولكن هذا البلد خسر رهان بناء الإنسان أو رهان بناء الإنسان الصالح، وليت الفوارق الإجتماعية وحدها مصدر الأنين الذي يسمع في الاحتجاجات والغضبات الجماهيرية، وليت هشاشة اللحمة الاجتماعية وحدها التي تهدد هذا البنيان الذي يجمعنا تحت سقف تمغربيت ونحن وصلنا إلى درجة أن مغربيا قد لا يتفاهم حتى لغويا مع مغربي آخر لا يعرف حتى الدارجة! ليت هذا هو المشكل فقط، بل الكارثة التي تجعلنا نبني ربع ما نستطيع بناءه، وننجز عشر ما نقدر على إنجازه، ونوزع من ثروة البلاد النزر اليسير مما يجب أن يوزع، هي سطوة المفسدين، وإعلاء كلمة الوصولية والانتهازية ومحاربة الإستقامة والإخلاص والكفاءة، هذا هو النمذوج التنموي لأخطبوط الدمار القيمي الذي لا يترك لك خيارا إلا بين حلين: إما قطع دابره لينتصر الطيبون الأخيار، أو يستمر مصاصو الدماء في السخرية من فكرة الطيبوبة والخير أصلا وفي التحكم في أزرار المصعد الاجتماعي، حيث من لم يكن السوء له قدوة فلا مكان له في عالمهم الذي لا ينادي إلا على الضالين.

 

ربي، إنك لا تغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فهل من مرشد في هذه الظلمة حتى يبقى للأمل فسحة وللعمر معنى!؟

تعليقات الزوار ()