•   تابعونا على :

الفساد في الكرة الإفريقية

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الإثنين 24 يونيو 2019

كان الحدث في الأيام الماضية بلا منازع هو الطريقة التي اختتمت بها المباراة النهائية لكأس عصبة أبطال إفريقيا بتونس بين فريقي الوداد البيضاوي والترجي التونسي، فالحدث كرويا غير مسبوق. ولم يذكر تاريخ المستديرة الساحرة أن فريقا محتجا توقف عن اللعب، ولا أن مباراة ظلت متوقفة لمدة ساعات، ولا أن ينزل إلى الملعب رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم شخصيا ليحاول حل المشكل، ولا أن يكون جهاز مساعدة الحكام الآلي (الفار) معطلا ومتسببا في أول وأعقد مشكل منذ دخوله حيز التطبيق ابتداء من مونديال روسيا 2018.

 

هذه السبقات إذا زدنا عليها أن الأمر يتعلق بفريق مغربي جعلت من المباراة حدثا وطنيا بامتياز، وعلى الرغم من أن حكم المباراة باكاري غاساما أطلق صافرة النهاية بعيد منتصف الليل معلنا فوز الترجي بالكأس، فإن المغاربة في تلك الليلة الرمضانية كانوا هم الذين شربوا نخب النصر على إيقاع  نخوة التعالي على السفاسف، والتبرؤ من المشاركة في المهزلة. لقد كان قرار فريق الوداد البيضاوي، ووراءه بالتأكيد مسؤولون على أعلى مستوى، في الصميم، ووضعوا النقاط ليس على حروف المباراة فقط، ولكن فتحوا الباب أمام المشكل الأعمق والأخطر، وهو الفساد في عالم الرياضة بالقارة السمراء.

 

لقد أخطأ الحكم في عدم احتساب هدف واضح للوداد البيضاوي، وللتأكد من الأمر، تبين أن (الفار) معطل، وبقية القضية معروفة، ولكن الذي حول الحدث إلى قنبلة حقيقية هو مخرجات اجتماع المكتب التنفيذي للكاف على هامش الجمعية العمومية للفيفا بباريس، حيث صدر القرار غير المسبوق أيضا بإلغاء نتيجة مباراة النهائي وسحب الكأس والميداليات من فريق الترجي، والحكم بإعادة مباراة الإياب في ملعب محايد. وبغض النظر عن التفاصيل والكواليس التي يمكن أن تقرؤوها في الملف الرئيسي لهذا العدد، كان هذا القرار الذي أنصف الحق والمنطق وليس المغرب بمثابة زوبعة في تونس، وحصل المحذور، وأعمت الشوفينية البعض لدرجة أن تدخل في الموضوع أعضاء من الحكومة، على رأسهم رئيسها الذي انتقد قرار "الكاف"، وخصوصا حيثياته التي ارتكزت على غياب الضمانات الأمنية في المباراة!

 

وكان طبيعيا أن تنفجر الملاسنات بين المغاربة والتوانسة ما دام أن الذين كان عليهم أن يعطوا المثال كقادة انساقوا وراء العواطف دون الحذر من العواصف، وصارت القضية أكبر من مجرد مباراة ومجرد كأس.

 

إن التنافس الرياضي بين دول الجنوب خلف في الكثير من الأحيان جروحا يصعب أن تندمل، ومن ذلك ما نذكره مما جرى في مباراة بين مصر ما قبل الثورة وجزائر بوتفليقة، حيث اشتعلت حرب دمار شامل للتحقير والتشويه بين الشعبين، وقال الجزائريون إنه إذا كانت مصر أم الدنيا فإن الجزائر أبوها، وقال المصريون إن الجزائريين مجرد بربر لا علاقة لهم بالعروبة، وحتى وإن كانت حرب التحقير المتبادل مع التوانسة لم تصل إلى هذا الحد، فإنها كانت مأسوفا عليها بين التونسيات والتونسيين والمغربيات والمغربيين. إننا شعبان لم تؤثر في الحب المتبادل بينهما لا هضاب السياسة ولا مطبات الحدود ولا أوجاع التاريخ، فحتى عندما سقط العرش في تونس، أصبح بورقيبة صديقاً كبيرا للقصر الملكي، وعندما انقلب بنعلي على المجاهد الأكبر، ظلت العلاقات طبيعية، وبعد الثورة ظل المغرب متناغما مع طموحات الشعب التونسي لسبب أساسي، وهو أن الرباط اختارت الثورة البيضاء رغم كل هفواتها ولم تختر الاستئصال كنهج للثورة المضادة كما جرى في مصر، أو كما يدفع لذلك المحور الإماراتي السعودي، وعموما لابد للأصوات العاقلة أن ترتفع في مثل هذه الأزمات حتى لا تخدش مرايا الود والوئام بين شعبين شقيقين مهما جرى في خلاف كروي استثنائي.

 

أما الذي لا يمكن أن نخفيه بالغربال في هذه الكبيرة من الكبار، فهو استشراء الفساد في هذه اللعبة، التي انتقلت من مجرد عامل ترفيه إلى رهان وطني ودولي كبير. إنها اليوم جزء من الرأسمال غير المادي للأوطان، وهي رقم مهم على المستوى المالي وعامل من عوامل التنمية أيضا، ولهذا أصبحت لكرة القدم كل هذه الأبعاد السياسية التي نراها، من نزول رؤساء الدول بثقلهم في المنافسات على احتضان نهائيات كؤوس العالم إلى المواجهات من أجل النفوذ في الاتحادات الجهوية والقارية، إلى استعمال أباطرة المال للتأثير على مآلات الاستحقاقات الكروية وما يستتبعها من تأثير على الجماهير وتقوية اللحمة الوطنية والرفع من منسوب النفوذ وإعلاء الريات الوطنية.

 

لقد سقط رئيس الفيفا السابق بلاتير وتكسرت أسطورة عملاق كرة كبلاتيني في قضايا فساد بملايير الدولارات، وتورط مئات القياديين في إمبراطورية كرة القدم الدولية، وبالتالي فإن هذا الداء عندما يصل إلى قارة ضعيفة الموارد، عالية الأداء الاستبدادي كإفريقيا، فإن الأمور تتعقد أكثر، وقد عمر رئيس الاتحاد الكروي الإفريقي عيسى حياتو ثلاثة عقود قبل أن يرحل ليخلفه الملغاشي أحمد أحمد. وبقدر ما أصبح المغرب متهما بهذا الرئيس القاري الجديد، بقدر ما ذاق من ظلم الكاف! وهذه هي المفارقة التي ما بعدها مفارقة.

 

لقد تصادف أباطرة الكاف في السنوات الأخيرة مع مغرب آخر، متجه استراتيجيا نحو عمقه الإفريقي، ومنكب بجد على إصلاح مجاله الكروي الذي تحسن كثيرا، وكما اقتحم المغرب الاتحاد الإفريقي السياسي، فإنه اقتحم الكاف من أجل الدفاع عن حقوقه المشروعة كدولة رياضية كبرى في القارة السمراء، ويبدو أننا في البداية، وهذا لم يكن ليعجب حراس المعبد القدامى، إلا أن معركة تثبيت الأقدام في قارتنا السمراء لا يجب أن يكون ثمنها هو الحكرة! ورب ضارة  نافعة، فمهزلة الوداد والترجي هي اليوم نقطة انطلاق قوية للحضور المغربي النظيف في الرهان الرياضي القاري، الذي نتمنى أن يتوج بفوز المنتخب الوطني بكأس إفريقيا للأمم الذي سينطلق الأسبوع المقبل، فلتزأر الأسود إذن.

تعليقات الزوار ()