•   تابعونا على :

المتآمرون الشرفاء!

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الجمعة 03 ماي 2019

من حق الدولة أن تجعل نظرية المؤامرة جزءا أساسيا من حقيبتها، وأن تعتقد بأنها مستهدفة بالمكائد والتواطؤات، وأن تتصرف على إثر ذلك، ولكن ليس من  حق أولئك الذين يفترض أنهم يمثلون نبض المجتمع أن يكونوا بأصوات أعلى من صوت الدولة بمفهومها السلطوي، وأن ينظروا لها لكي تسخن أكثر وسائل قمعها لما تعتقد أنه تهديد للنظام العام، ولا أن يؤلبوها على جزء من المجتمع، أفرادا كانوا أو جماعات، فلكل مهمته، والأصل في التدافع هو أن تكون المطالب العليا من أجل الحرية والكرامة والعيش المشترك المتساوي والرغيد.

 

إن الدولة تملك حصرية العنف المشروع، ولها الشرطة والاستخبارات والدرك والاستعلامات والأموال العامة،  ومن يملك السلطة عليه أن يقبل بالمحاسبة طبقا للقانون، عليه على الأقل أن يترك لمن لا يملكها الحق في التعبير، والحق في الغضب، والحق في الاحتجاج والحق حتى في الخطأ أو سوء التقدير إذا كان هذا لا يمس بحقوق الآخرين. هذه هي السلطة المنبثقة عن المجتمع، وهي التي تدوم في هذا العصر الذي يتساقط فيه الحكام، ولا دوام إلا لله، أما التصور التقليدي للحكم، والذي يخلق من حوله إيديولوجية التخويف، فإنه يهدد نفسه أولا، ويهدد الاستقرار من خلاله.

 

وإذا كان هذا التشخيص عاما في دول تتوق طبقاتها المحرومة إلى حياة أفضل، فإننا نجد جزءا قليلا أو كثيرا منه في بلادنا، فنحن في منطقة رمادية لا هي بالسوداء ولا هي بالبيضاء، ولهذا تجد أن هناك في خطاباتنا ولدى طبقاتنا السياسية ولدى نخبنا صورة لمغربين، وهذا ما كان جلنا يعتقد أنه انتهى في السنوات الأخيرة من حياة الملك الراحل الحسن الثاني، إلا أن العجلة رجعت إلى الوراء في منتصف العشرية الماضية لننساق وراء إنتاج نفس السلعة، أي تكرار جزء من أخطاء الماضي.

 

وها نحن نرى الحكومة بدل العمل الجدي والصادق على تجاوز النواقص الكثيرة، تتجند للرد على كل التقارير والمنظمات في مختلف المجالات، حرية تعبير كانت أو تطورات حقوقية أو ترتيبات اجتماعية أو تصنيفات تنموية اقتصادية، وهذه الردود قد يكون جزء من منطقها صحيحا، إلا أنها في حد ذاتها غير منتجة، ولا هي صائبة، لأن الحقيقة الساطعة تقضي بأننا نعيش انتقالا ملتبساً كل الإصلاحات فيه معقدة، ونحق نعيش على الأقل منذ 2013 "بلوكاج" سياسي واضح ومستمر إلى يومنا هذا. فكيف لحكومة لم تستطع أن توزع إعانات على أرامل إلا بعد معركة حامية الوطيس أن تباشر ملفات بوزن الجبال، وعلى رأسها الفساد المستشري في جل نواحي الحياة؟

 

ولنأخذ مثالا أول على هذه المقاربة المأسوف عليها من خلال تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، فلا يعقل أن يكون تصنيف موريطانيا أحسن من تصنيف المغرب بخمسين نقطة! ومعايير هذه المنظمة ليست كلها منصفة، كما أنها ترتهن في تقييماتها لنوعية ممثليها في الدول، وقد كان ممثلها قبل مدة بنواكشوط هو مستشار رئيس الدولة! ولكن كل هذا لا يسمح بأن تكون الأولوية هي على هذه المنظمة، فهي حرة في تقييمها، ولكن الرد يجب أن يكون بمواصلة الفعل. فصحيح أنه بعد عشرين سنة تقريبا من التردد خرجت مدونة بها تحسينات كثيرة، أبرزها خلو قانون الصحافة والنشر من العقوبات الحبسية، والاعتراف بالصحافة الإلكترونية وتدقيق مساطر المتابعات في السب والقذف، وإصدار قانون خاص بالتنظيم الذاتي وإخراج المجلس الوطني للصحافة، وتحصين الولوج للمهنة، وغير هذا كثير، إلا أن الذي يستغرب له المرء هو كيف لكل هذا التقدم القانوني في مجال حرية الصحافة أن تفرغه الحكومة من محتواه، بتهريب عقوبات حبسية من قانون الصحافة إلى القانون الجنائي في أكثر من سبع متابعات صحافية! بل إن قانون الصحافة نفسه يوجد اليوم بلجنة الإعلام بالبرلمان قصد تعديله ليتم نقل مواد أخرى إلى القانون الجنائي، ولهذا فإن وزير الاتصال الأسبق السيد نبيل بنعبد الله كان على صواب عندما قال قبل أسبوعين، في ندوة لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن ما اقترحه من قانون للصحافة في حكومة السيد إدريس جطو كان متقدما على ما جاء في مدونة الصحافة الحالية، بل إن الحكومة سوئلت من طرف لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف عن موضوع التجريم الجنائي للمتابعات الصحافية، إلا أنها نفت شيئا موجودا للأسف. وكنا خلال مناقشات مدونة الصحافة قبل 2016 قد نبهنا إلى أن حيلة إخراج قانون صحافة خال من العقوبات الحبسية والاحتفاظ بهذه العقوبات في القانون الجنائي لن تنطلي على أحد، وها هي النتيجة واضحة للعيان: مجهود جبار يبذل من أجل تحسين مناخ مزاولة مهنة أساسية في البنيان الديموقراطي، يتم نسفه بتخريجات توحي بأن أصحابها غيورون على ثوابت بلادهم، إلا أنهم يسيئون إلى صورة المملكة من حيث لا يحتسبون.

 

ويمكن أن نضيف إلى هذا بعض العجائب والمغربات، من مثل متابعة أربعة صحافيين بقانون داخلي لمجلس النواب يجرم نشر الأخبار الصحيحة عن مداولات لجان تقصي الحقائق، والحكم عليهم بالسجن الموقوف التنفيذ!

 

وهذا المثال الذي أسوقه لمعرفتي بما وراء سطوره يمكن أن نقيس عليه أغلب الأمور في مملكة المتناقضات في حقوق الإنسان والتعامل مع الاحتجاجات وتدبير التنمية البشرية، ومباشرة الإصلاحات الاقتصادية لتتعايش مع الريع والاحتكار، وفي النهاية تجدنا تماما على صورة  الشارع المغربي: كل شيء في الواجهة برّاق، وكل شيء في العمق يئن. الاحتقان محسوس، والتغيير في المنظر العام ملموس، المملكة نموذج في تدبير منعطف الحراك، وتوجد في جل الخانات الدنيا للتصنيفات الدولية، خصوصا في كل ما يتعلق بالديموقراطية.

 

مؤسف حقّا هذا الوضع، لأن المغرب بمؤهلاته ونسائه ورجاله وتاريخه وتجاربه وكفاءاته يمكن أن يكون أحسن بكثير، إلا أن الكثير من المنافقين والمداهنين والمزايدين، الذين بينت التجارب أنهم أول من يفر من المركب بعد أن يبدأ في الغرق، هم الذين يرفعون أصواتهم اليوم كما الأمس، مع تغيير طفيف في الألقاب والأسماء، بالعام زين ولعنة المتآمرين المفترضين، وبالتالي فلا حل في المملكة الشريفة إلا بطي صفحة هؤلاء، والتحالف مع الشرفاء، الذين يفضل أغلبهم اليوم الصمت والانزواء.

تعليقات الزوار ()