•   تابعونا على :

مناعة تونس ماركة مسجلة

على العموم
بقلم أحمد الخمسي
في الإثنين 10 نونبر 2014

سبق لسلسلة عالم المعرفة أن ترجمت كتاب "المتلاعبون بالعقول" (1986) للأمريكي: هربرت شيللر، حيث يكتشف القارئ سياسة صناعة التضليل الإعلامي في الولايات المتحدة الأمريكية. نتذكر ونحن صغار كيف كان صوت جيمس براون يشعل نيران الحركة في المستمع، بنفس مستوى تأثير مايكل جاكسون اليوم وقبل سنوات. هيربرت شيللر يصف كيف كان الكل معدا سلفا بعناية، وفق مقتضيات الأمن القومي الأمريكي، واجتهادات البيض الأبيض. 

اليوم، ونيران الصورة والصوت قد اشتعلت في منظومة الأحاسيس، ولأن "أحاسيسنا تخدعنا" (ديكارت)، نتبين غابة الخدعة حيث وضعت أدمغتنا في عصر العولمة. وقد امتدت التكنولوجيا - عضويا - إلى جهازنا العصبي في حالة تلبس عبر أسلاك "كيت" الهاتف والموسيقى. وأصبحنا وكأننا داخل مختبر لقياس الذبذبة الكهرومغناطيسية في المخ والمخيخ. 

وبالمناسبة، قد يكتشف الأنتروبولوجيون يوما أن المنطقة العربية توقف فيها نمو المخ ليبقى في حجم المخيخ لأسباب ما. فكما اكتشف أحدهم ارتفاع وتيرة الذكاء بعد تناول بروتينات اللحوم الحمراء مطبوخة نتيجة تدجين النار والحيوان معا، قد يأتي من يكتشف أسباب تراخي الذكاء العربي وتفسخه وتراجعه إلى مخ نائم (على وزن خلية نائمة)، بسبب/فضل التوفر على أحسن دين وخير أمة أخرجت للناس والبترول والغاز مضافين للقبلتين  والأحرام الثلاثة والنبي الشفيع في الجزء العاصي من الأمة....

لقد وصلنا حد التخمة من التناقضات التي تتساقط فوق رؤوسنا كأمطار الطوفان. فالفوضى الخلاقة خلاقة وزيادة. والفائض البشري من الشباب العاطل حامل الشهادات يجد المطحنة التي تحوله إلى مجاري دماء ساخنة في العراق والشام، بجاذبية قل نظيرها... ومن لم يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم، تأتي فواتير الماء والكهرباء لترفع من درجة الأنيميا في شرايينه، ليصفر أكثر ويذبل وتخف عنه إغراءات الشباب وإكراهات العولمة المشرقة. 

من حسن الحظ أن الأخبار لا تحمل إلينا مجرد الكوارث، بل تحمل السرور والحماس والأمل مع الانتخابات التونسية. وتبين أن انشغال شعب بورقيبة – في الماضي - بالتحصيل التعليمي والتحديث الفكري والوعي التاريخي بتنوير خير الدين، لم يوفر فقط صرخة أبي القاسم الشابي، بل اخترقت المجتمع المحافظ هناك، وقسمته إلى ما يشبه كرموزومات الذكاء المثلثة. 

فالقتلة الظلاميون الذين قتلوا الابراهيمي قبل عام ونصف، لم ينتظروا أن شعب تونس، وفي سيدي بوزيد بالضبط، سينتخب رفيقة درب الشهيد، ولم ينجحوا في إنتاج الخوف الشامل بالمستوى الذي يظهر أنهم مصممون على إنتاجه. مما وفر عملية إنتاج مؤسسات بنخبة من غير نخب الظلام، لأن في تونس نخبا أخرى مسلمة حقا وعميقة الإيمان بالإسلام التاريخي المتنور منذ مجلة 15/21 في ثمانينيات القرن الماضي لتيار الاتجاه الإسلامي بتونس الخضراء الجميلة، من عيار عبد الفتاح مورو....طبعا، تمكن التنوير البورقيبي من خلق نقيض الدكتاتور بورقيبة: من خلال نساء تونس، إسلاميي تونس، يسار تونس....

يمكن القول إن الحجم الجغرافي والديمغرافي المتواضع لتونس، مقابل الموقع الفائق الأهمية الاستراتيجية في منتصف البحر الأبيض المتوسط، منذ جمهورية قرطاجة، أستاذة روما، ومنذ حنبعل، بقي الكيان التونسي متوازنا، بين الامتلاء الداخلي الوجداني، وبين الحذر من التأثير الخارجي، مما ترك التونسيين حاملين للتوازن النفسي، يؤمنون بإرادتهم دون غرور، ويسلمون بتأثيرات الخارج دون استسلام، ولعل صوتهم الخفيض المائل إلى الأنثوية يستثنيهم من الظاهرة الصوتية العربية، بحيث نجد في المشرق والبعض يتحدث عن النشامى والرجولة كأنما ينصت إلى صوته الجهوري قبل تدبير استراتيجية أفكاره. 

فلو أردنا الحديث بتفصيل عن الذكاء التونسي، ليس من باب الإعجاب الظرفي، بل نموذجا لتميزات جهوية في المناطق الأمازيغية العربية المتوسطية الصحراوية، لو أردنا ذلك، لأسعفتنا تجربة السنوات الأربع الأخيرة ما بعد نظام بنعلي. 

فلا العسكر التونسي كما في المنطقة العربية الأخرى، ولا الإسلاميون تمادوا في التغول كما فعل المصريون، ولا اليسار استسلم كما فعل يساريو مصر والكثير من المنطقة. وها هم الليبراليون يعيدون الكرة بعد قطع دابر نظامهم السابق. 

لذا فالذكاء التونسي مرة أخرى ضمن المختبر المغاربي كما لو كان بنية هندسية عبارة عن مثلثات الذكاء.

بحيث تم تقسيم الجموح المذهبي المفرد إلى تنافسية مثلثة: الليبراليون، الإسلاميون، اليساريون.

وتم تقسيم الذكورية المشرقية إلى توازن مغاربي ملقح بالتجارب الأوربية: نساء، تقنوقراط، مؤسسات مصرة على الحياد.

وتم تقسيم النموذج المستورد (الرئاسي أو البرلماني) إلى مثلث الحكومة والرئاسة والبرلمان...

مثلث التدبير السياسي: الاستثمار الهادئ المتأني للرصيد السياسي، الادخار للسمعة السياسية عبر التواري بمجرد انتهاء الدور التعاقدي، التوزيع المتعاقد حوله للأدوار

مثلث القبول بقواعد اللعبة، وبالمعالجة الهادئة لنتائج اللعبة، التشارك الدوري في تحيين قواعد اللعبة. 

بل تمكنت النخب المنقسمة مذهبيا من خلق تجربة اللجنة المستقلة للإشراف على الانتخابات. وبعد الاختبار الكبير المتفرد يلاحظ المتتبع:غياب الشوفينية التونسية، غياب التشفي في الأطراف الخاسرة، الانتباه إلى ما تبقى من السلبيات في المحصلة الإيجابية. 

كل هذه المواصفات المجسدة للسياسة التونسية ما بعد الثورة تعطي السيادة الشعبية صبغة تونسية فعلية ولا تيار استورد ما يبهر عبر التضليل الإعلامي. أما الذين يحاولون نقل تونس إلى معترك الفوضى الخلاقة فمازالوا يحتمون بالجبال ويختبئون خارج الساحة التونسية التوافقية الشرعية. 

فمناعة تونس لم تعد تحصينا لتونس نفسها، بل أصبحت ماركة مسجلة ضمن الماركات العالمية للانتقال الديمقراطي. 

تعليقات الزوار ()