•   تابعونا على :

خالد فتحي: نقرات على هامش الربيع الجزائري

* خالد فتحي2019/03/22 10:27
خالد فتحي: نقرات على هامش الربيع الجزائري
أرشيف

ليست زيارة نائب رئيس الوزراء الجزائري ووزير الخارجية رطمان لعوامرة لروسيا بالزيارة التي يقصد بها في الأعراف الدبلوماسية تمتين العلاقات الاقتصادية والعسكرية. بل هي الزيارة التي يقصد بها بعث اشارات ورسائل من الحلقة الممسكة بالحكم إلى كل من الداخل والخارج على السواء. رسائل مفادها أن للجزائر أصدقاء في الساحة الدولية يحمونها شر كل ربيع و نوائب الدهر وصروفه السياسية. فتوقيتها المضبوط والغير الاعتباطي، ثم البلد الذي اختارته بعناية من يحرص على عدم التفريط بالحكم يذكران الجزائريين بمآل الثورة السورية التي حولت بلاد أحفاد الأمويين إلى حطام وأنقاض تنعق فوقها الغربان.

 

هي زيارة لا تثبت فقط صورة الفزاعة التي جرى استدعاؤها للتجربة السورية عند مستهل القيام الجزائري لترهيب المتظاهرين من مصير مشابه، وإنما تنفخ فيها الروح نفخا لتحولها إلى مآل حي و ممكن وارد و إلى احتمال من الاحتمالات بل إلى خطر باد للعيان و قابل للتحقق، فتوظفها لأقصى حد و تنقلها من الافتراضي إلى الكائن الممكن الحدوث.


الحاكمون الحقيقيون للجزائر يقولون إذن للعالم كله من موسكو، وخصوصا لمن يحسن التأويل من الدول التي تتحين دورا في الربيع الجزائري كفرنسا وأمريكا و بعض الدول العربية أنهم قادرون على استنساخ سوريا جديدة سنة 2019، و أنهم لا يرون ضيرا أن يعطوا روسيا موطئ قدم في غرب العالم العربي هذه المرة اذا تشابكت الحسابات واحتدم النزال. وأنه لا داعي أن "يجهل" أحد عليهم فيجهلوا فوق جهل الجاهلينا، ثم هم ينبهون "بالمعروف" و بالمرموز  الشعب الجزائري إلى ضرورة أن "يقتصد" في حماسه و"يخفض" من سقف توقعاته من الحراك، ويعود دوما بذاكرته للماضي القريب جدا، و يرتدع، و يأخذ العبر من عشرية الدم التي راح ضحيتها الآلاف من أبنائه، لأنهم قادرون ايضا مثله على ركوب سنام المخاطرة مثلما يركب هو على موجة الاحتجاج والمظاهرة.


إنه الترهيب من المصير القاتم المحتمل، و التأكيد على أن الربيع الجزائري لن يكون ساعة صبر في الميادين وبعدها يأتي النصر المكين. بل قد يتحول إلى ما لا تحمد عقباه، إلى عقد آخر بلون الدم لن يجني منه الجزائريون إلا عدم الاستقرار والفتن التي ستتوالى عليهم مدلهمة كقطع الليل.


فروسيا، وعبر تصريحات وزير خارجيتها سيرجي لافروف الان من الفرصة لتبين أنها أصبحت تراكم خبرة في التعامل مع حالات الثورات العربية و انها تحولت إلى فتوة في الحقل الدولي و الى منقذ لمن يعاني الصعاب من أصدقائها الذين ورثتهم عن زمن الاتحاد السوفياتي لا مناص من أخذه بعين الاعتبار عند اية ترتيبات مستقبلية. حيث سارعت إلى إعلان رفضها لا ي تدخل أجنبي في الشأن الجزائري، وهو الموقف الذي يدعم الممسكين الحقيقين بتلابيب السلطة في الجزائر في الوقت الحالي و يعطيهم قوة تفاوضية وهامشا استباقيا للتحرك. 


******* 


من جهة أخرى ورغم ما يبدو من انفلات وسخونة المشهد في الشارع، لازال الجيش هو القوة المنظمة الوحيدة القادرة على لعب الأوراق الاحتياطية بإتقان مع كافة أطراف المعادلة، فلحد الآن لم تتخل هذه القوة عن الرئيس بوتفليقة الذي تحكم باسمه البلاد، وحتى لما حجبت عنه العهدة الخامسة تتركه يرتع في عهدة رابعة مفتوحة.


هذه المناورة جعلتها تظهر للجزائريين الضعف البين للمعارضة التي لحد اليوم لا تقترح رغم هرجها بديلا لبوتفليقة، ولا تقدر ايضا على قيادة حراك الجماهير المحتشدة التي تصطخب هادرة ليل نهار تتوخى الثأر من محاولة اذلالها بين الأمم بتنصيب رئيس لها يقودها وهو في أرذل العمر.


هذا الجيش لا ينسى في خضم ما يجري أن"يصطف" إلى جانب الاتجاه العام للشارع الجزائري. فهو "يؤيد" المطالب المشروعة للحراك ويتمناه أن يزهر فوق ذلك باقات ورده اليانعة. 


الخروج المتكرر والمحسوب لنائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الجزائري قايد صالح يدل على أن الجيش الذي يحيط كسوار المعصم ببوتفليقة يضع يده أيضا على خاصرة الشارع و يراقصه على أنغام الثورة و ينشد معه اناشيد و أهازيج النصر في ملحمة التغيير هاته التي تنقل وقائعها القنوات التلفزية الرسمية. فالجيش هنا وهناك، يتواجد في المعسكرين. بل هو في طريقه ان يتقمص رويدا رويدا دور الحكم بين الشعب والجماعة المحيطة بالرئيس... ثم ها هو ينفصل بكل هدوء وتدريجيا عن الرئيس و"يلتحم" بالشعب الذي لا يجد له قائدا للمرحلة، فيصبح هو "البديل" بل هو الحل الممكن والمطلوب. 


******


الواضح أن الجيش يستعمل بوتفليقة إلى أقصى مدى، فالرجل لا ينبغي أن يرحل عن الحكم حتى يؤدي الشعب الجزائري معه "فريضة" الربيع العربي مثله مثل باقي شعوب الدول العربية الأخرى التي سبقته. هذه خدمته الأخيرة لشعب "حكمه" زهاء 20 سنة بالتمام والكمال.


إن إزاحة رجل شبه ميت من قبل العسكريين قد ازاحه قبلهم المرض. وتنحية حاكم شبع من "الحكم والمجد والحياة" معا هو أمر سهل. لا مجازفة فيه ولا عقوق للرئيس ولا حتى تأنيب ضمير. ولذا يكون من الأفيد لو يتم هذا الامر على يد الشعب. الذي قد خرج عن بكرة أبيه وأسقطه. فما لثورة بميت ايلام. وبهذا يكون الشعب الجزائري قد أدى واجبه وثار إسوة بباقي الشعوب العربية ... إلا أنها ثورة "محسوبة ومتحكم" في خيوطها ... ثورة لا ينبغي لها أن تكون "مفتوحة" بالكامل على المجهول.


إن الخروج إلى الشارع كان ضروريا، فمنذ 20 سنة وطنجرة الجزائر تغلي ولابد أن تتنفس قليلا. كما أن الجيل الذي لم يشهد الربيع الجزائري الأول سنة 1988 و لا يعرف رئيسا الا بوتفليقة "يحتاج" ايضا ان "يسقط" نظاما. 


ان هذه هي الخيالات والبني التي تدور في رأس القوة غير الدستورية التي يقول الشارع الجزائري انها تتسترخلف بوتفليقة. وهذا هو الاخراج الذي تخطط له . و هذا هو التوجه الذي يتم بمقتضاه لديها ترجيح السيناريو الذي تتمناه هي للربيع الجزائري من بين عدد من السيناريوهات المحتملة والتي تتأرجح بين التغيير السلمي الهادئ إلى الفتنة الصاخبة. انه السيناريو الذي يجعل الشعب والجيش في النهاية يجتمعان على قلب رجل واحد في مواجهة نخبة سياسية يتم عزلها أبرزها الآن لتسقط مع السقوط الرسمي لبوتفليقة. وهو ما يفسر ما نراه من انقلاب المواقف وقفز البعض من الشخصيات التي دارت في فلك الحكم إلى ناحية الشعب مؤخرا بدعوى عودة البصيرة. فلا يتأكد بهذا إلا أن الجيش وحده من سيبدو بصيرا في النهاية بما كانت ستتمخض عنه المقبلات من الأيام لأنه يمتلك المعلومة والقوة والسلطة ... أي يمتلك كل شيء في الجزائر


*********


ربما يكون هذا السيناريو الذي لا يلبي تماما توق البعض من الجزائريين لثورة تكون أشبه بملحمة تحرير الجزائر الخالدة، السيناريو الممكن اذا وعيينا توازن القوى الحاصل في الساحة الجزائرية في الوقت الحالي. هو ربما سيناريو لا يليق تماما بمزاج وروح شعب يعرف عنه الكل أنه يأبى الضيم وضياع الكرامة، ولكنه مع ذلك يبقى سيناريو يرى فيه البعض أنه يرضي حاجة الشعب للإطاحة بالنظام ويمنح الجيش بدوره مرة أخرى فرصة البقاء مؤثرا أولا في المشهد السياسي الجزائري، ويمنح بعض الوقت للشروع في اصلاح دون مخاطر أو انزلاقات. خصوصا وأن الكل تعلم من دروس الماضي: فالعسكر يعي أن مياه كثيرة جرت تحت الجسر، والشعب من جهته لا يقفز نحو الديمقراطية مقامرا بالاستقرار. ولذلك هو سلمي في خروجه، و الاسلاميون لا يبحثون عن تصدر الحراك لكي يتجنبوا مآل إخوانهم، ولا يكونوا نقمة على الثورة، أو ذريعة لمصادرة الديمقراطية للمرة الثانية . 


اعتقد والله أعلم أن الجزائر ستبدع نسخة منقحة للربيع العربي تختلف عن ما سبقها، فربما اذا توفرت العناية الالاهية قد تلتقي السلطة هذه المرة مع الشعب في منتصف الطريق. وقد يظهر رئيس منتخب بشكل ما يقرر أن يضع الجزائر نهائيا على سكة الديمقراطية الحقيقية. انما المصادفات التاريخية وحدها من تسعف الشعوب في الأوقات العصيبة. فهل يكون حظ الجزائر أحسن من سابقاتها من الدول العربية. نتمنى فعلا ذلك لهذا الشعب الأبي فهو بالتأكيد يستحق وضعا أفضل وأبهى من هذا الوضع الذي يثور عليه.

 

*أستاذ بكلية الطب بالرباط دكتور في العلوم السياسية

تعليقات الزوار ()