•   تابعونا على :

صلاح الوديع لـ "الأيام" (1/3): هذا ما جرى بالضبط في حركة "لكل الديمقراطيين

رضوان مبشور2019/02/28 08:52
صلاح الوديع لـ "الأيام" (1/3): هذا ما جرى بالضبط في حركة "لكل الديمقراطيين
الوديع إلى جانب فؤاد عالي الهمة

مناسبة إجراء هذا الحوار هي حلول الذكرى الـ 11 لتأسيس حركة "لكل الديمقراطيين" (11 يناير 2008)، فرغم أن هذا الحوار كان متفقا على إجرائه منذ أكتوبر الماضي، وأن يصدر في مطلع يناير الذي ودعناه، غير أننا لم نتمكن من تسجيله في الوقت المحدد، بسبب كثرة الالتزامات أحيانا أو نزلات البرد الموسمية في أحايين أخرى، سواء بالنسبة للمحاور أو بالنسبة للضيف المحاور.

السيد صلاح الوديع، الشاعر والفاعل المدني، الذي نستضيفه في هذا اللقاء المطول، الذي ننشره على ثلاث حلقات، قبل إجراء الحوار ليقول إن حركة "لكل الديمقراطيين"، التي كان واحدا من مؤسسيها، ما زالت على قيد الحياة ويمكن أن تعود إلى تصدر الواجهة من جديد، في الوقت الذي يرى الجميع أنها انتهت بتأسيس حزب "الأصالة والمعاصرة" الذي خرج من رحمها، وأن الحركة لم تكن سوى رقم جديد في الساحة العمومية ولم تكن مشروعا مستقبليا.

وفي هذا الحوار يتحدث صلاح الوديع عن الكثير من كواليس تأسيس حركة "لكل الديمقراطيين"، التي جمعت شخصيات معروفة متناقضة على مستوى الانتماء الفكري، من بينهم السيد الوديع نفسه، ويتقدمهم مستشار الملك حاليا، فؤاد عالي الهمة، ونجد من بينهم أيضا عزيز أخنوش، رئيس حزب "التجمع الوطني للأحرار"، وحكيم بنشماس، وإلياس العماري، ومصطفى الباكوري، ومحمد الشيخ بيد الله، والحبيب بلكوش، وخديجة الرويسي، وآخرين... فالسيد الوديع يتحدث بهدوئه المعتاد عن بعض الأسرار التي يقول إنها قابلة للنشر، فبحسبه "المجالس أمانات" وليس كل شيء يقال، ولذلك عادة ما كان يقابل أسئلتنا المحرجة بهدوء وابتسامة عريضة، مستعملا مفردات اللغة العربية وأسلوبه الشاعري في المراوغة كلما حاولنا أن نحاصره بالأسئلة، مرددا في كل مرة: "سأجيبك على جميع الأسئلة من دون أن أكذب"، لكن في أكثر من مناسبة من دون أن يقول كل الحقيقة.

 

في الشهر الذي ودعناه حلّت الذكرى الـ 11 لتأسيس "حركة لكل الديمقراطيين"، وأنت كنت من وجوهها البارزين، كانت حركة أثارت الكثير من الجدل وعلقت عليها الكثير من الآمال، البعض يقول إنها جمعت الكثير من التناقضات، كيف تقيم اليوم حركة "لكل الديمقراطيين" التي يكاد لم يعد لها أثر بعد تأسيس حزب "الأصالة والمعاصرة"، الذي خرج من رحمها؟

"حركة لكل الديمقراطيين" أعتبرها إلى حدود الساعة من أنبل المبادرات السياسية في تاريخنا الحديث، ولا زالت تحمل كل قيمتها الرمزية والمعنوية، ولا زالت روحها تنتظر التفعيل في الواقع. أتحدث هنا عن روح هذه المبادرة وليس بالضرورة عن الشكل الذي اتخذته. أنا مؤمن بأن الحاجة المجتمعية التي أفرزتها لا زالت قائمة، بل هي قائمة اليوم أكثر من أي وقت مضى. كان الأمر يتعلق بإحداث قطائع نوعية على أكثر من مستوى: على مستوى الفعل السياسي، وعلى مستوى تصور المشروع المجتمعي، وعلى مستوى تجاوز تناقضات الماضي التناحرية بغير رجعة، وعلى مستوى تأصيل الانتماء إلى البلد بكل تاريخه وتراثه وخصوصياته و...مستقبله.  

 

لدي تصور للتاريخ باعتباره ليس حتمية مطلقة، فـ"حركة لكل الديمقراطيين" كان يمكن أن تعطي نتيجة أخرى، كما أعطت كل هذه النتائج التي يعرفها الجميع، نتائج فيها السلبي والإيجابي. كان من الممكن أن تعطي نتائج أفضل من نوع الجرأة على التاريخ التي كانت تتيحها تلك اللحظة، وفي نفس الوقت تثبيت أسس انتمائنا للمغرب، من أجل الانطلاق نحو أفق أكثر شساعة، بالنظر إلى طبيعة الشخصيات التي بادرت لتأسيس حركة "لكل الديمقراطيين"، فأعتقد صراحة أن هذه الحركة كانت تضم عناصر يمكن أن تجعلها تجسيدا لشكل راق من أشكال بناء المستقبل انطلاقا من المصالحة مع الماضي.

 

 

لكن هذه الحركة ضمت شخصيات متناقضة على مستوى الانتماء والإيديولوجيا؟

الجديد في الموضوع هو قدرة الجمع بين ما كان مستحيل الجمع قبل سنين معدودات. لا تنس أننا كنا نخرج للتو من محطتين نوعيتين أخريين غير مسبوقتين وغير ممكنتين إلى حدود تلك اللحظة: تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة حول مظالم الماضي، وتقرير الخمسينية كتقييم واستشراف لآفاق التنمية والعدالة الاجتماعية. التقريران كانا يتقاطعان في الانطلاق من تجربة تاريخية كاملة تُخضَعُ للنقد من أجل التجاوز، بنفس الروح المجددة. ولا تنس أن الحركة حملت في اسمها برنامجا كاملا: "حركة لكل الديمقراطيين". والنية والأمل كانا معقودين على الانطلاق من هذه الحصيلة وذلك الاستعداد لحشد صفوف الديمقراطيين من أجل خلق القوة  المجتمعية القادرة على حسم تردد التاريخ، في ظل توافق كامل ونهائي على شرعية المؤسسات وفي ظل نبذ كل اختيار يعتمد الإذعان أو الإخضاع أو التناحر، وعلى العيش المشترك في ظل ديمقراطية يتم بناؤها بتؤدة واقتناع كامل. وفي ظل انتباه خاص إلى اعتماد استراتيجيات عمومية تتخذ من العدالة الاجتماعية همها الأول...

فمن كانوا يعتبرون متناقضين تماما في تموقعاتهم أصبح بإمكانهم توحيد وجهات النظر بكل وضوح وأمام الجميع بعيدا عن الكولسة، هذه السمات عكستها الوثائق التأسيسية للحركة، التي كان لي شرف المساهمة في صياغتها إلى جانب أعضاء آخرين تركوا بصمتهم، كل بطريقته.

 

صراحة من الذي أقنعك بالانضمام إلى حركة "لكل الديمقراطيين"...

... (مقاطعا) أنا لم أنضم إلى "حركة لكل الديمقراطيين"، بل كنت من مؤسسيها..

 

نعم، لكن هذه الحركة قيل حينها إنها جمعت الكثير من التناقضات، فنجد فيها اليساري واليميني والمخزني؟

التناقضات ليست دائما سببا في الحكم السلبي على أي مشروع من هذا النوع، فهناك تناقضات منتجة وخصبة، فلم يكن لنا أبدا وهمٌ قوامه أننا تجاوزنا ما يمكن أن يحدث اختلافا في وجهات النظر، لكننا كنا ننطلق جميعا من حصيلة الوثيقتين...

 

عن أي وثيقتين تتحدث؟

 أقصد تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة وتقرير الخمسينية، فلأول مرة تساهم كفاءات مغربية في تشريح الأوضاع وفي رسم الآفاق، والذين أشرفوا على هذين التقريرين لم يتم إخضاعهم لأي توجيه مسبق ولم يتلقوا أي تعليمات، وأنا كنت شاهدا من داخل هيئة الإنصاف والمصالحة على الصراحة وعلى الوضوح وعلى جرأة عمل هذه الهيئة، التي كانت من الناحية السياسية ذكاء تاريخيا حقيقيا، خاصة عندما تم عرض تقريرها الختامي على الملأ وأمر الملك بنشره والبدء في تفعيله، وأنت تعلم أن العديد من تجارب العدالة الانتقالية في العالم ظلت تقاريرها الختامية حبيسة الرفوف زمنا طويلا، كدليل على التردد في التعاطي مع نتائجها، بل هناك تقارير لم تنشر إلى الآن.

 

وأعطيك نموذجا عن أهمية وتأثير تجربة وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة حتى من وجهة نظر الأطراف التي لم تشارك فيها. لا زلت أذكر حسرة أحد أطر حزب مسؤول في الحكومة اليوم، وهو وزير بها، حين التقيته صدفة بعد صدور التقرير الختامي، وواجهني بصراحة كبيرة قائلا: "كم حاولتُ إقناع الإخوان في الحزب بالانخراط في هذا المشروع ودعمه..."، أضف إلى ذلك الجمعيات التي هاجمت الهيئة في بدايتها ثم عادت لترفع شعار: تنفيذ توصياتها...

 

المهم، إجمالا يمكن القول إنه كان هناك نوع من التسارع الخصب في وتيرة التاريخ كان من الممكن أن يعطي نتائج أحسن...

 

... سأطرح عليك السؤال السابق بصيغة أخرى، في حركة "لكل الديمقراطيين" ما الذي كان يجمع بين مجموعة من معارضي نظام الحسن الثاني، ويبدو أنك كنت واحدا ممن ذاقوا مرارة السجن وتعرضوا للتعذيب في السجون، لكن في مقابل ذلك كنت تجلس على طاولة واحدة في اجتماعات هذه الحركة مع أناس يوصفون في القاموس المغربي بـ"المخزنيين"، وهناك أيضا شخص نافذ قادم من دهاليز وزارة عتيقة، وهي وزارة الداخلية؟

أولا أفضل أن أستعمل مصطلح "الجناح المحافظ في الدولة" عوض مصطلح "المخزنيين" الذي يضع فيه كلٌّ المضمونَ الذي يراه. ثم لا يجب أن نلصق السمات المتعلقة بهيكل معين، سواء أكان حزبا أو مؤسسة أو إدارة، وأن نعكس كل خاصياتها على كل شخص داخلها، فهناك استقلالية الأشخاص حتى في المسارات الإدارية أو السياسية أو الحزبية أو الثقافية...

 

من يتفاعل مع التاريخ على أساس أنه بناءٌ وفعلٌ وليس قضاءً وقدرا، لا بد أن يستحضر أن الاحتمال الممكن هو مسارعة التاريخ بأي شكل متاح من أجل التقدم، وهذه الأمور تُدرك بالتجربة. فمغرب الذهاب ببطء إلى حل قضايا مثل الاختفاء القسري وغيرها على عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ليس هو مغرب غشت 1999، الذي سيتحدث فيه الملك محمد السادس في خطاب ذكرى 20 غشت عن الاختفاء والاعتقال التعسفي. حينها قام الملك بتوسيع المنظور والأفق، حيث قابله تفاعل إيجابي من طرف الضحايا بمجموعاتهم المختلفة، وهي مجموعات كانت نشيطة جدا، فتأسس منتدى الحقيقة والإنصاف بمبادرة أصيلة من عدة مناضلين من مشارب مختلفة سبق أن ذاقوا مرارة الاعتقال والتعذيب والسجن أو المنفى. . وأريد أن أثير انتباهك إلى الميزة التاريخية للمنتدى كحالة خاصة ببلادنا. هي ميزة غير موجودة في أي من تجارب العدالة الانتقالية في باقي البلدان. في المغرب شكل المنتدى جمعية جمعتْ كل أطياف الضحايا بلا استثناء، ولم تكتف بالمطالبة بإنصافهم فقط بل بلورت واقترحت استراتيجية متكاملة لا تهم الضحايا فقط، بل المجتمع بأكمله، ضمّنها في الوثيقة المعروفة بـ "من أجل الحقيقة والإنصاف". وقد أشرك المنتدى في بلورة هذه الاستراتيجية ما يزيد عن 30 جمعية وحزبا ونقابة ثم سلمناها إلى السيد فؤاد عالي الهمة، في لقاء نقلته الصحافة والتلفزة، والبقية معروفة، حيث كانت الاستجابة الملكية في الموعد...

 

كل هذا لأقول إن روح "حركة لكل الديمقراطيين" لم تأت من فراغ، بل من نضال طويل وشاق...

 

وهنا لا بد من استحضار روح مناضل دخل التاريخ من بابه الواسع، وهو إدريس بنزكري، الذي كان له دور أساسي في بلورة هذه الاستراتيجية، واستحق أن يكون رئيسا لهيئة الإنصاف والمصالحة في ما بعد.

 

من سيقرأ هذا الجزء الأول من الحوار سيتأكد أن صلاح الوديع يجيد صب الماء البارد على الأسئلة الحارقة أو التي تحرجه، فإلى حدود الساعة تتحاشى أن تتحدث عن أبرز اسم كان في حركة "لكل الديمقراطيين"، وهو السيد فؤاد عالي الهمة، هل هذا يعني أن مستشار الملك حاليا كان في الصفوف الخلفية ولم يكن واحدا من أبرز الفاعلين في هذه الحركة؟

... أبدا، فأنا لا أتحاشى الحديث عن أي شخص، فقبل قليل قلتَ لي إنني انضممتُ إلى "حركة لكل الديمقراطيين"، والواقع أنني كنت من بين مؤسسيها، وكنت واحدا من بين مناضلين وشخصيات أخرى. لن أتحدث عن تفاصيل جلسات الإعداد ما دامت المجالس أمانات وأتركها لمذكرات أعضائها، لكن في مقابل ذلك يمكن أن أتحدث عن أمور تهمني شخصيا. لقد قمت بعد انتخابات 2007 بإصدار مقال مطول في الصحافة نشرته يومية "الأحداث المغربية"، أقول فيه إن الأمور لا تنبئ بخير، مما يعني أننا في حاجة لعمل جديد.

 

ما هي الأشياء التي لم تكن تنبئ بخير.. تتحدث عن الوضع السياسي في مغرب 2007، أم مخرجات الانتخابات؟

بالتأكيد أقصد مخرجات الانتخابات ودلالاتها، فانتخابات 2007 عرفت نسبة مشاركة متدنية جدا، وكانت النسبة مقلقة، وهذا ما جعلني شخصيا أقول إنه ربما آن الأوان بناء على كل التراكمات التي عشناها لكي نتحرك.

 

بعد هذا المقال مباشرة ستبدأ الاتصالات لتأسيس حركة "لكل الديمقراطيين"، ولا يجب أن نتصور أن مركز الاتصالات كان هو شخص بعينه...

 

تقصد السيد فؤاد عالي الهمة؟

لا شخص ولا جهة، بل هو نضج واجتماع إرادات. ما يجب أن يفهمه الناس هو أن كل الذين ساهموا في تأسيس "حركة لكل الديمقراطيين"، كل واحد منهم جاء من طريقه الخاص إلى هذا الملتقى الذي هو الحركة.

 

طبعا سوف يكون على كل شخص أن يقول يوما ما ما هي درجة مساهمته في ذلك. وكل هذا جواب على سؤال "انضممتَ إلى"، فأنا لم أنضم إلى حركة "لكل الديمقراطيين" و لكن كنت من المبادرين.

 

 

جيد، هذه أمور فهمناها، لكن البعض قال إنه منذ البداية كانت لكم في حركة "لكل الديمقراطيين" نية لتأسيس حزب سياسي، تماما مثل ما فعل حزب "العدالة و التنمية"، الذي خرج من رحم حركة "التوحيد والإصلاح". هذا كلام يقال...

هي مقارنة سطحية لو سمحت، فقد كانت لنا قناعة لا زالت قائمة لدي، قوامها استحالة قيام مشروع مجتمعي بالمعنى الذي نراه، بدون أفق فكري وثقافي. فلا التنمية ولا الديمقراطية ولا العدالة الاجتماعية ممكنة دون هذا الأفق. هذه الأشياء ليست قضايا إدارية أو تقنية، بل هي تعكس التصورات التي لنا عن كل شيء: الإنسان والتاريخ ومفهوم السعادة المادية والمعنوية ومفهوم العيش المشترك... فأسس الاختيار تنطلق من المعنى الذي نعطيه لكل هذه الأمور. كنا نحاول أن نجيب – في حمأة الشروط التاريخية المعطاة - على سؤال بديهي لكنه أساسي يجب أن يطرحه كل مشتغل بالسياسة، وهو "لماذا نُمارس السياسة أصلا؟"، والقناعة في هذا الصدد تنبني على فكرة بسيطة: السياسة التي تفتقر إلى هذا العمق محكومة بالفشل في أحسن الأحوال لفقدان المعنى. لا يمكن أن يقتصر الأمر على مجرد محطات أو قوانين انتخابية أو متعلقة بتأسيس الأحزاب أو مساطر متعلقة بالمؤسسات، هذه أمور مهمة، لكن الأهم هو أي مجتمع نريد وأي قيم وأي عدالة اجتماعية وأي مواطن نستطيع أن نساهم في تنشئته لمغرب الغد ولعالم الغد؟ 

 

يجب ألا يخفى عليك أنه داخل الحركة كانت الأفكار متعددة، وكل المشاركين في "حركة لكل الديمقراطيين" لهم أن يتذكروا أن النقاش كان محتدما وغنيا وحرا، لا خلال اجتماعات التحضير ولا في المكتب المسير ولا خلال اللقاءات التواصلية في الجهات. كان من بيننا من يرى أنه لا مجال لتأسيس أي حزب سياسي حالا، فما كان مستعجلا هو تأصيل العمق الثقافي الذي ذكرته أعلاه، في تفاعل في الجهات مع النخب الجديدة والشباب والنساء، وهذا يتطلب بعض الوقت، وحينما تنضج الظروف لخلق أداة حزبية كان يمكن أن تؤسس في لحظة ما أو خلق فيدرالية أحزاب أو أي شكل آخر، فالمجتمع المغربي كان في حاجة ولا يزال إلى هذا الأفق الفكري الحداثي المجدد والمنسجم مع تاريخنا وسياقاتنا الخاصة وتراث بلادنا، والمستفيد من كل إخفاقاتنا جميعا في السابق. أما أن نعتبر أن هناك ميكانيكية في التفكير في "حركة لكل الديمقراطيين" في تأسيس حزب سياسي منذ البداية، فهذا خطأ كبير في التقدير، وما هو سوى رجم بالغيب من طرف أشخاص ممكن أنهم لا يتفقون معنا، ونحن نتفهم دوافع ذلك.

 

هل كنتم تعتبرون "حركة لكل الديمقراطيين" في بداية التأسيس ناديا أو تجمعا للشخصيات اليسارية فقط؟

لا لا أبدا، فبالعودة إلى الأسماء التي شكلت حركة "لكل الديمقراطيين"، سنجد أن انتماءاتهم مختلفة، فإضافة إلى أسماء يسارية من بينها السيدة خديجة الرويسي، والسادة البشير الزناكي وحكيم بنشماس، وحسن بنعدي والحبيب بلكوش، وأحمد خشيشن وإلياس العماري...، كان بيننا السادة مصطفى الباكوري، ومحمد الشيخ بيد الله، وعزيز أخنوش، والطالبي العلمي، إضافة إلى فؤاد عالي الهمة. هذه أسماء من أطياف مختلفة، لكننا آمنا بأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، والدليل هو الوثيقتان اللتان ستبقيان للتاريخ بعد أن نالتا موافقة الجميع (وثيقة "المغرب غدا" ووثيقة "من أجل حركة لكل الديمقراطيين").

 

وعندما تقول إننا ناد خاص باليساريين، فسأقول لك إننا لسنا "ناديا"، فـ "النادي" فضاء هادئ وخاص وداخلي ولا يتجاوب مع المجتمع في اتساعه و شموليته.

 

نحن في "حركة لكل الديمقراطيين" قررنا منذ البداية أن نتفاعل وأن نغني نظرتنا وأن ننصت، عبر جلسات متعددة وفي أماكن متعددة من بلادنا، حيث شارك معنا المئات من المواطنين، من أجل مناقشة كل هذه القضايا والإنصات إلى الناس.

 

كيف كانت هذه اللقاءات؟

ما يمكن تسجيله في هذه السلسلة من اللقاءات وأنها عرفت حماسا منقطع النظير سواء في حضور هذه الجلسات أو في المشاركة، وفي الانتقاد وفي الشكوى، بشكل فاجأنا نحن كذلك، حيث لم نكن ننتظر مثل هذه الأشياء. وقد وصلتني تقييمات من لدن شخصيات مغربية تحظى باحترام الجميع إلى اليوم، حيث صرحت لمقربين منها بأن فكرة تأسيس "حركة لكل الديمقراطيين" كما كانت في البداية فكرة غاية في الأهمية والذكاء...

 

 

تبدو دبلوماسيا في الكلام، وأنا أعرف أنك شخص هادئ، لكن رفاقك في حركة "لكل الديمقراطيين" يؤكدون أن "راسك كان قاصح شي شوية"؟

... (ضاحكا)... مازال راسي قاصح، فمن المستحيل أن أعلن ظاهريا أنني مقتنع بأمر ما وأنا في الحقيقة غير مقتنع به في قرارة نفسي.

 

كنت تعبر عن أفكار وتكتب مقالات كانت تزعج الكثيرين في "حركة لكل الديمقراطيين"، ومن بينهم فؤاد عالي الهمة، ولذلك يقال عنك إن "راسك قاصح"؟

لماذا بالضبط السيد فؤاد عالي الهمة؟

 

بكل بساطة لأنه كان مقربا من القصر، وهو قادم من وزارة الداخلية، ولذلك سلطت عليه الأضواء أكثر من الآخرين؟

(ضاحكا) الصحفيون هم الذين يتحملون المسؤولية في تسليط الأضواء عليه. لكن على كل حال سأقول للتاريخ إنه لم تكن علاقتي تنحصر فقط بفؤاد عالي الهمة الذي خبرته جيدا خلال إنضاج مسار العدالة الانتقالية إلى جانب إدريس بنزكري وآخرين، مع الشفافية والصراحة التي كان يفرضها هذا المسار، بل كانت تربطني بكل الآخرين علاقات طغى عليها الاحترام مع الأخذ والرد والوضوح أيضا، وعندما أكون غير متفق أقولها والعكس صحيح. وهنا أشهد أن فؤاد عالي الهمة لم يستعمل في النقاش أي أسلوب غير ديمقراطي من أجل فرض فكرة أو التخلي عن أخرى.

 

قلت في سؤالك إن "راسي قاصح"، فهذا تقييمك الشخصي وأنا أحترمه، لكنني لم أشعر يوما أن فؤاد عالي الهمة كان يلزمني أو يلزم الآخرين بقناعاته أو بأفكاره، فكان بيننا الأخذ والرد والاحترام المتبادل، وكنا نتوصل إلى نتائج مرضية للجميع، والدليل هو الوثائق التي يمكن أن أمدك بها لنشرها، لترى النفس الذي كان يطغى على "حركة لكل الديمقراطيين".

 

الرئيس الحالي لحزب "التجمع الوطني للأحرار"، عزيز أخنوش، كان أيضا من بين الشخصيات التي كانت ضمن "حركة لكل الديمقراطيين"، ما هي الأفكار التي كان يعبر عنها هذا الرجل الذي تسلط عليه اليوم الكثير من الأضواء، هل كان متحمسا للفكرة، أم كان مجرد رجل أعمال أريد له أن يكون حاضرا في هذه النقاشات السياسية، حيث كان في تلك الفترة تكنوقراطيا ولم يكن يعرف هل سينضم إلى حزب "الحركة الشعبية" أم "الأحرار" أم "العدالة والتنمية" أم أي حزب آخر؟

هذا سؤال يمكن أن تطرحه على عزيز أخنوش حينما تلتقيه، في كل الأحوال لا يمكن أن أجيبك عنه، فقد كنت أعامله تماما كالآخرين، إذ لم يكن هناك سبب لمعاملته بشكل مختلف ما دام قد انضم إلى الحركة ووافق على وثائقها. لكن إذا أردت في حوار لاحق أن نناقش سمات كل شخص على حدة، فمرحبا بذلك. حوارنا هذا اتفقنا على أنه مخصص للحديث عن "حركة لكل الديمقراطيين".

 

لكن عزيز أخنوش كان جزءا من حركة "لكل الديمقراطيين"؟

على كل حال يمكن أن أقول لك إنه بالنظر إلى انشغالاته المتعددة لم يكن يحضر بشكل مكثف لاجتماعات النواة التي كانت تشتغل أكثر من غيرها في الحركة، حيث كانت هذه النواة تقتصر على 6 إلى 7 أشخاص، بينما كان أعضاء المكتب11، أو 12 إذا أضفنا السيد محمد البشير الزناكي، الناطق الرسمي باسم الحركة. يمكن أن أقول إنه لم يكن هناك ما يكفي من المناسبات حتى يكون السيد عزيز أخنوش حاضرا معنا.

 

تعليقات الزوار ()