•   تابعونا على :

ناصر بوريطة على حبلين!

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الخميس 21 فبراير 2019

لا يمكن للإنسان أن يترجم معنى الانتماء للوطن إلا بقاموس الاختبار على محك الكرامة، ولذلك وجدتنا في هذه الأزمة مع بعض دول الخليج نحس بنوع من الحكرة، ونثور داخليا على محاولات تقزيمنا، ولهذا جذور مغربية أعمق بكثير من الأبعاد السياسية والملابسات الديبلوماسية.

 

لقد كان الموقف المغربي الرسمي رائعا منذ اندلاع ما سمي بحصار قطر، وانتصرت الرباط لاستقلالية قرارها وللحكمة، وبعد سنتين من المناوشات السعودية بالخصوص، خرج السيد ناصر بوريطة، وزير الخارجية، في حوار واضح وصريح، ووجد الكلمات المناسبة لتوصيف الوضع، ولرسم الملعب المغربي في الشأن الإقليمي بوضوح وبلا مداهنة. فالخليج نقطة ضوء في الظلام العربي -يقول بوريطة- والمغرب حريص على أن يستمر نوره بالحرص على رأب الصدع، وبالتالي فهو لا يمكن إلا أن يبقى على مسافة واحدة من الجميع. كل هذا جميل، وصفقنا له ونصفق.

 

ولكن بعد اندلاع الموجة الأخيرة من الأزمة عقب هذا الحوار المتلفز للوزير بوريطة - الذي لم يغفر له مجرد المرور عبر قناة "الجزيرة" بغض النظر عن مضمون الموقف المغربي- أصبح المواطن الذي تكلمنا عن فورة إحساسه بالانتماء في مثل هذه الامتحانات آخر ما تفكر فيه الديبلوماسية المغربية، وأصيب السيد الوزير بوريطة بالارتباك، وتركت الحكومة المغربية هوامش واسعة للتخمين والتأليف على هوامش الأزمة وشكلها ولونها.

 

والغريب أن يكون أول من نقل خبرا عن استدعاء السفير المغربي من الرياض هو وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية! وبعدها صدر تصويب غامض لوزير الخارجية في وكالة "سبوتنيك" الروسية!!!، وهذه سوريالية ما بعدها سوريالية! والمصدر الإعلامي المغربي الوحيد الذي خول له نقل خبر عن الأزمة هو موقع Le360، الذي خصه السفير المغربي بالرياض السيد مصطفى المنصوري بتصريح مقتضب، يؤكد فيه أنه جاء إلى الرباط للتشاور بخصوص الأزمة.

 

وحتى هذا التصريح للسفير بقي بلا أب، بحيث لم تتبنه الخارجية المغربية ولم تتبرأ منه في نفس الآن، وهي تقول إن المواقف المغربية تعبر عنها وزارة الخارجية في بلاغات رسمية.

 

ودخلت قناة الجزيرة من جهة أخرى لتبث خبرا عن استدعاء السفير المغربي في أبو ظبي للتشاور، دون أن تتحرك مرّة أخرى الديبلوماسية المغربية ولا الإعلام الرسمي ولا شيء، مما ترك الفرصة لرواد مواقع التواصل الاجتماعي ليؤلفوا مئات الروايات الحبلى بالتخمينات والاحتمالات والتعليقات.

 

صحيح أن السيد بوريطة يجيب أحيانا على هاتف الصحافيين و مصالحه المكلفة بالتواصل تحاول أن تتواصل، ولكن يجري هذا بلا مغنم خبري يفيد المغاربة في قضية تستأثر باهتمامهم، وربما كانت في الأسبوع الأخير قضية رأي عام بامتياز.

 

إن كل الدول تدبر علاقاتها الثنائية بالكثير من الحرص من أجل مصالحها، وأحيانا تكون الديبلوماسية رديفا للكتمان، إلا أننا لا يمكن أن نجد بلدا ديموقراطيا كفرنسا مثلا لها أزمة مع بلد كإيطاليا ونجد نفس السيناريو الذي يجري في المغرب! لا يمكن أن يطلع المواطن الإيطالي على أخبار الأزمة في قصاصة لوكالة الأنباء الألمانية ويرد عليها السيد وزير الخارجية اينزو ميلانيزي في وكالة أنباء المكسيك! ولا أن يطلع المواطن الفرنسي على تطورات الأزمة في تلفزيون "البي.بي.سي" ليرد عليه الرئيس ماكرون في "الواشنطن بوست"!

 

إنه مثال لنقرب فداحة ما يمكن أن يرتكبه المسؤولون بصفة عامة في قضايا حساسة في التواصل مع المواطنين. وخلال عقود، كنا نجد أن أهم الأخبار المغربية تأتينا من الخارج، والرد من صانعي الحدث هنا يكون بالتجاوب من خلال إعطاء حوارات وسبقات صحافية من "باري ماتش" إلى "جون أفريك" فالوكالات الدولية، واللائحة مفتوحة.

 

إن إعطاء الاعتبار للإعلام الوطني واجب على الدولة، ليس من أجل هذا الإعلام، ولكن من أجل ما يمثله، وهو تلبية حق المواطن المغربي في الأخبار.  إن هذا المواطن هو صاحب الشرعية، وله يجب أن يقدم الحساب يوميا عبر الصحافة، وهذا هو الركن المسترسل في الديموقراطية الذي نسجل فيه عجزا مهولا لحد الآن، لأن المجهودات التي تبذل فيه أقل بكثير مما تتطلبه الواجبات الديموقراطية للحاكمين. ونحن لا نتحدث عن الصحافة المستقلة فقط، ولكن أيضا عن الإعلام العمومي الذي نجده متثائبا بفعل سياسته التحريرية الرهابية. أفيعقل في أزمة كهذه ألا نجد لا خبرا في نشرة ولا برنامجا حواريا ولا تحليلا ولا هم يحزنون؟!

 

قد تكون السياسات جيدة، ولكن سوء التواصل قد يفسدها، وكم حاجة أفسدناها بكتمها!

تعليقات الزوار ()