•   تابعونا على :

دولة الضرائب والرسوم

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في السبت 09 فبراير 2019

عرجت ككل بداية سنة جديدة على مكتب المصادقة على الإمضاءات في الجماعة التي أنتمي إليها لوضع إمضائي في السجل حتى يتسنى التصديق عليه كلما أرسلت وثيقة تحتاج إلى ذلك، ففاجأني السيد رئيس المكتب بابتسامة لا تخلو من استغراب بأن عليّ أن أؤدي 700 درهم! لماذا؟ لأن هناك رسما جديدا فرضته الحكومة الموقرة من أجل خربشة في دفتر متهالك بمكتب متواضع بالجماعة. وبما أن الميت لا حول له ولا قوة أمام غسّاله كما يقول  المثل، فقد أديت الـ 700 درهم وبقيت في الحلق غصة.

 

أعرف أن المواطن النجيب هو الذي يؤدي الضرائب في بلده، وأعرف أن بلادي ليست لها ثروات خارقة كالبترول أو الغاز، ولكن أعرف أيضا أن البلاد التي تكون متجهة نحو المجهول هي تلك التي تبني كل شيء على إثقال كاهل العباد بالضرائب بلا عدالة ضريبية. فنحن من ضمن البلدان التي تطبق أكبر نسبة ضريبة على الدخل وعلى القيمة المضافة، وعلى مئات الضرائب والرسوم التي لا يعرفها المواطن إلا عندما يصطدم معها في معاملة أو خدمة، والإدارة العامة للضرائب عازمة على اتخاذ إجراءات صارمة للمزيد من تحصيل الضرائب، بل لقد تم اتخاذ قرارات في قانون المالية أثارت زوبعة بخصوص مراقبة الفوترة إلكترونيا تم التراجع عنها، واتخذت إجراءات لتتبع النفقات الشخصية للأفراد للمقارنة مع دخلهم الخاضع للتضريب، وتم التراجع عنها أيضا في إطار تخبط غير مفهوم ولا مستساغ.

 

ومن حسن حظ الدولة أن النقاش العمومي في البلاد لا ينصب على الحياة التعيسة للغالبية العظمى للمواطنين، ويذهب إلى "كلاشات الرواپا" وقفشات ابن كيران والانتقال الجنسي عند الإسلاميين المغاربة، ولو كان نقاش المغاربة في الساحة العمومية هو نفسه مثلا نقاش الفرنسيين في خضم موجة السترات الصفراء، لتململت أركان المملكة من هول ما يختبئ بين سطور قوانين المالية  وما هو مدسوس في القرارات الحكومية.

 

والغريب في قضية الضرائب في المملكة الشريفة هو أنها إذا كانت في دول أخرى تؤدى مقابل الخدمات العمومية الأساسية، من مثل التعليم المتطور والمجاني والصحة الجيدة والمحترمة للكرامة الإنسانية والبنية التحتية المتطورة، فإنها في بلادي تؤدى من طرف الطبقة المتوسطة التي تضطر للأداء مرّة أخرى من أجل تعليم أبنائها في القطاع الخاص، والأداء أيضا من أجل التطبيب في المصحات الخاصة، وهذا لا توصيف له إلا الظلم والحيف.

 

إن ما يشبه الثورة المغربية الاستثنائية لسنة 2011 إن كانت قد حافظت على الاستقرار، فإنها في المجال الاجتماعي لم تخرج عن السياسات السابقة التي كان يكتب أسطرها على سبورة الحكومة صندوق النقد الدولي، إنها بالمختصر المفيد الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية حتى وإن اختلت التوازنات الاجتماعية، وقد كان لحكومة ما بعد 2011 اختلاف جوهري عما قبلها، وهو أنها كانت أكثر اندفاعا في هذا الاتجاه، وربما الدولة نفسها كانت مرعوبة من الآثار المحتملة للقرارات الخطيرة التي اتخذت، وعلى رأسها تخليص صندوق المقاصة من دعم المحروقات وتحريرها، مما جعل المواطن المغلوب على أمره يؤدي ثمنها باهظا يضاف إلى هذا ما يسمى بإصلاح أنظمة التقاعد، وهذا الشهر أيضا سيؤدي الموظفون جزءا من فاتورة ذلك. إن الشعبية الكبيرة التي حظيت بها الحكومة آنذاك استعملتها في ما كان التكنوقراطيون في الحكومات السابقة يحلمون به دون أن يستطيعوا المخاطرة به، وها هي الشعبية اليوم تآكلت والديون المغربية تكاد تصل إلى 100 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، فيما المقابل بالنسبة للشعب هو صفر!

 

بضع مئات من الدراهم لأرامل وطلبة ممنوحين وانتهى الأمر.

 

ومشكلة هذه السيرورة العجيبة في المجال المقابل لتدبير الثروة وهو السلطة، هي أنها استأنفت نفس الخط المرسوم منذ سنوات، وهو إفراغ  المجال السياسي من محتواه، وتدجين النخب، وتشذيب اللحى، وها نحن نرى العجب العجاب من تنظير غريب للملكية السلطانية أكثر محافظة مما هو منصوص عليه في الدستور الحالي ومن شرعنة لمنطق: زد.. فأعطه 9 آلاف دينار"، ومن ضمور حاد في هرمونات العمل الحكومي وفي سكيزوفرينيا أحزاب مرشحة للتنافس على الصدارة في استحقاق 2021، بحيث تصدر بلاغات تهاجم فيها سياسات يسطرها وزراء قياديون فيها، ومن ضجيج كثير هو بالفعل جعجعة بلا طحين.

 

هناك فراغ مخيف يزداد كل يوم، وهناك رصيد ثقة يتبدد بشكل ملموس بين المواطنين والطبقة السياسية، بمن فيهم المتباهون بخيلاء بشعبيتهم، وبين المجتمع والدولة، وربما ستكون سنة 2021 من أسوأ السنوات الانتخابية في العهد الجديد، وحتى وإن احتل الإسلاميون الصدارة، فإنها ستكون صدارة بلا طعم، ومصابة بعجز شديد في الشرعية، وهنا لا يمكن أن نعتبر الحديث عن الخوف من المجهول تهويلا، بل هو الواقعية بعينها، لأننا بالفعل خسرنا كل الوسطاء في المجتمع أو نكاد، فاللهم استر.

تعليقات الزوار ()