السعيد يقرأ انتخابات 2026: دوائر حاسمة قد تقلب موازين الصدارة والمفاجآت واردة

 

قال أمين السعيد، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إن الحديث عن “تحول جذري في الخريطة السياسية المغربية” يظل صعبا في ظل سياق انتخابي لا يزال مطبوعا بعدد من المحددات التي تحد من إمكانية إنتاج تحول سياسي كبير، وفي مقدمتها استمرار حالة العزوف الانتخابي، خاصة في صفوف الشباب، وتراجع الثقة في الفعل الحزبي والمؤسسات المنتخبة.

وأوضح السعيد في حديث لـ”الأيام 24″، أن هذه المعطيات تتزامن مع “حالة نفسية مجتمعية تتسم بقدر كبير من الفتور تجاه السياسة والانتخابات”، معتبرا أن تراجع التصويت السياسي القائم على الاختيار بين برامج ومشاريع ومواقف واضحة يجعل الانتخابات “أكثر قابلية لأن تتحول من مناسبة لإعادة تشكيل الاختيارات السياسية إلى آلية لإعادة توزيع المقاعد بين الفاعلين التقليديين”.

وأضاف أستاذ القانون العام والعلوم السياسية أن انتخابات 23 شتنبر 2026 “لا تبدو في ضوء هذه المعطيات، أمام لحظة سياسية تؤسس لخريطة حزبية جديدة بقدر ما تبدو أمام لحظة لإعادة ترتيب الخريطة القائمة”.

 

غياب البديل السياسي

وأشار السعيد إلى أن “غياب البديل السياسي الجديد، واستمرار الأحزاب التقليدية، وتراجع التصويت السياسي، واتساع مساحة التصويت الشخصي”، كلها عوامل تجعل “العامل الانتخابي المحلي أكثر حضورا من العامل السياسي الوطني في عدد من الدوائر”.

واعتبر المتحدث أن إحدى “المفارقات الأساسية” لانتخابات 23 شتنبر 2026 تتمثل في إجرائها “في ظل غياب واضح لبدائل سياسية جديدة بالمعنى الذي يمكن أن يحدث قطيعة مع الخريطة القائمة”.

وقال إن الأحزاب التي تدخل المنافسة هي، في معظمها، “الأحزاب نفسها التي ظلت تؤثث المشهد السياسي المغربي خلال العقدين الأخيرين”، مضيفا أنه لا يظهر في الساحة الانتخابية حزب جديد “يحمل مشروعا سياسيا مختلفا وقادرا على استقطاب الكتلة الناخبة التي ابتعدت عن الأحزاب التقليدية”.

كما سجل أن المشهد السياسي المغربي “لا يعرف بروز تيارات سياسية جديدة ذات امتداد سياسي قوي”، سواء تلك التي يمكن أن تكون قد انبثقت من الحركات الاحتجاجية أو من الديناميات الاجتماعية الجديدة، كما لا تعرف المنافسة “حضورا وازنا للوائح مستقلة قادرة على التعبير عن نفس شبابي أو عن تيار سياسي مستقل عن البنية الحزبية التقليدية”.

وبحسب السعيد، فإن الناخب، في جزء مهم من الدوائر، “لا يجد نفسه أمام مفاضلة بين مشاريع سياسية متباينة”، وإنما يجد نفسه أمام المفاضلة بين أحزاب ومرشحين “جرى اختبار جزء كبير منهم في تجارب سابقة”.

 

أحزاب محدودة التمثيلية

في المقابل، يرى السعيد أن آفاق عدد من الأحزاب السياسية الأخرى “محدودة في الحصول على تمثيلية برلمانية قوية”، بالنظر إلى عدم نجاحها في استقطاب مرشحين جاهزين وذوي حضور انتخابي قادر على المنافسة في الدوائر المحلية.

ومن أبرز هذه الأحزاب، وفق المتحدث، “حزب الديمقراطيون الجدد، وحزب جبهة القوى الديمقراطية، والحزب المغربي الحر، والحزب الديمقراطي الوطني، وحزب الشورى والاستقلال، وحزب البيئة والتنمية المستدامة، وحزب المجتمع الديمقراطي، وحزب الوسط الاجتماعي، وحزب الأمل، وحزب الوحدة والديمقراطية، وحزب الحرية والعدالة الاجتماعية، وحزب الإنصاف، وحزب العمل، وحزب النهضة، والاتحاد المغربي للديمقراطية، وحزب الإصلاح والتنمية، وحزب الخضر المغربي”.

ولذلك، يضيف السعيد، “يظل الأفق الانتخابي لهذه الأحزاب أقرب إلى تحقيق تمثيلية جد محدودة في مجلس النواب”.

في المقابل، يرى أن “حزب الاتحاد الدستوري وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية يملكان هامشا أكبر للتقدم ومضاعفة عدد مقاعدهما”، مستفيدين من “الاستقطابات السياسية والانتخابية التي قاما بها خلال الأسابيع الأخيرة”، والتي مكنتهما من تعزيز لوائحهما بمرشحين ذوي حضور محلي وقدرة أكبر على المنافسة.

وبخصوص حزب الحركة الشعبية، قال السعيد إنه “تأثر بدوره بظاهرة الترحال السياسي”، بعدما فقد بعض مرشحيه الأقوياء، ومن بينهم رئيس فريقه سابقا بمجلس النواب الذي انتقل إلى حزب الاستقلال.

وأضاف أن الحزب “استفاد في المقابل من الظاهرة نفسها باستقطاب عدد من المرشحين في بعض الدوائر”، مستشهدا بدائرة فاس الجنوبية، حيث استقطب مرشحا عن حزب التجمع الوطني للأحرار.

وعليه، فإن “الرهان الأساسي للحركة الشعبية في هذه الانتخابات لا يبدو مرتبطا بتحقيق اختراق كبير، وإنما يتمثل في الصمود والحفاظ على موقعه في المرتبة الخامسة ضمن الخريطة البرلمانية”، وفق السعيد.

 

الدوائر ذات المقعدين

ويرى السعيد أن المشهد السياسي المغربي يعرف “معركة تكتيكية خطيرة غير معلنة حول الدوائر الانتخابية المحلية ذات المقعدين”، وعددها 21 دائرة، وهي: مديونة، سيدي إفني، اليوسوفية، أوسرد، تيزنيت، وادي الذهب، مولاي يعقوب، كرسيف، كلميم، الحاجب، وجدة، أسا الزاك، الفحص أنجرة، طاطا، تاوريرت، طرفاية، المضيق الفنيدق، السمارة، إفران، طانطان وجرادة.

وقال إن هذه الدوائر “تكتسي أهمية خاصة في تحديد ترتيب الأحزاب السياسية”، خصوصا في ظل “هيمنة التصويت الشخصي على جزء من هذه الدوائر”.

وأوضح المتحدث أن تراجع التصويت المبني على الاختيار السياسي والتصويت العقابي يرفع من أهمية “الشبكات المحلية التي يمتلكها المرشح”، سواء تعلق الأمر بشبكة المنتخبين المحليين، أو رؤساء الجماعات، أو المستشارين، أو العلاقات العائلية والاجتماعية، أو شبكات المعارف المحلية.

وأضاف أن هذه الشبكات “تتحول، في سياق العزوف الانتخابي، إلى مورد انتخابي بالغ الأهمية”، لأن المعركة “لا تدور بالضرورة حول إقناع كتلة انتخابية واسعة، وإنما حول تعبئة الكتلة القادرة فعليا على الذهاب إلى صناديق الاقتراع”.

وبحسب السعيد، فإن أهمية الدوائر ذات المقعدين ترتبط أيضا بـ”طبيعة توزيع المقاعد داخل الدوائر الانتخابية المحلية”، إذ يتيح النظام الانتخابي للأحزاب السياسية إمكانية الظفر بمقعد واحد في الدوائر التي تضم أربعة أو خمسة أو ستة مقاعد، بما يسمح بتوزيع التمثيلية بين عدد من الأحزاب السياسية.

وأوضح أن هذا الوضع يجعل المنافسة “أقل ارتباطا بحسم الترتيب العام بين الأحزاب”، فيما تنتقل “شراسة المنافسة إلى الدوائر التي تضم ثلاثة مقاعد، وبدرجة أكبر إلى الدوائر ذات المقعدين”، باعتبارها دوائر “لا تسمح، في الغالب، إلا بفوز حزبين”.

وفي هذا السياق، تبدو الأحزاب الثلاثة الأولى في المشهد الحالي، أي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، “صاحبة الحظوظ الأبرز في عدد من هذه الدوائر الثنائية”، وفق المتحدث، معتبرا أن مصدر قوتها الانتخابية فيها “لا يرتبط، بالضرورة، بحصيلتها الحكومية أو بما أنجزته خلال الولاية أو بما تقدمه من برامج أو بخطابها التواصلي”، بقدر ما يرتبط “بدرجة رئيسية وأساسية بطبيعة المرشحين الذين دفعت بهم وقدرتهم على تحويل الرصيد الشخصي والعلاقات والشبكات المحلية إلى أصوات ومقاعد”.

واعتبر السعيد أن هذا المعطى يجعل المنافسة بين أضلاع التحالف الحكومي “منافسة شديدة وحادة”، خصوصا في الدوائر التي يمكن أن ينتقل فيها المقعد “من حزب إلى آخر بفارق محدود من الأصوات”.

 

الترتيب النهائي يظل مفتوحا

ومن ثم، يرى أستاذ القانون العام والعلوم السياسية أن “التقارب المحتمل في عدد المقاعد يجعل معركة الرتبة الأولى والثانية مفتوحة على أكثر من احتمال”.

وأوضح أن الفارق بين الأحزاب المتنافسة “قد لا يكون كبيرا بما يكفي لحسم الترتيب منذ إعلان النتائج الأولية”، كما يمكن أن تلعب “الدوائر الجهوية المخصصة للنساء دوراً مهماً في تحديد الفارق النهائي”.

وأضاف أن درجة التعقيد قد ترتفع في حال تسجيل “منازعات انتخابية أمام المحكمة الدستورية وما قد يترتب عنها من إلغاء بعض المقاعد أو إعادة ترتيب النتائج”.

وبذلك، يقول السعيد، قد تتحول المعركة الانتخابية “من منافسة على عدد كبير من المقاعد إلى منافسة على عدد محدود جدا من الدوائر الحاسمة”، إذ إن “خسارة دائرة واحدة أو دائرتين أو ثلاث دوائر في هذا النوع من الدوائر قد تكون كافية لقلب الترتيب بين الحزب المتصدر والحزب الذي يليه”.

وعليه، فإن “هامشا ضيقا من المقاعد قد يصنع الفارق السياسي الأكبر”، وربما تجعل نتائج بعض الدوائر المحدودة، إلى جانب مآل المنازعات الانتخابية، مسألة الرتبة الأولى والثانية مفتوحة “إلى حين اكتمال الصورة النهائية للتمثيلية البرلمانية داخل مجلس النواب”، وهو ما قد يسمح، وفق السعيد، بـ”قراءة جديدة وتفسير مختلف للفقرة الأولى من الفصل 47 من دستور 2011”.

ومع ذلك، شدد السعيد على أن الانتخابات “بطبيعتها، مرآة للمفاجآت وقابلة لإفراز نتائج غير متوقعة”، مشيرا إلى أنه لا يمكن استبعاد أن تتمكن أحزاب مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي، والعدالة والتنمية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من تحقيق “انتصارات سياسية”.

وأوضح أن ذلك يظل مرتبطا، خصوصا، باحتمال تسجيل “إقبال قوي ومكثف” على المشاركة السياسية، وهو معطى قال إنه “لا يبدو واردا في ضوء المعطيات الحالية”.

وخلص أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية إلى أنه “في غياب التصويت السياسي، وضعف المشاركة، وتواضع القواعد الانتخابية للأحزاب التي تعول على هذا النوع من التصويت”، فإن الأرجح أن يظل المشهد الانتخابي “محافظا، في خطوطه العامة، على ملامحه الأساسية التي أفرزتها انتخابات 2021، دون تغيير جذري في موازين القوى السياسية”.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق