من الصواريخ إلى “حرب الخوارزميات”.. كيف تحولت الملاحة في هرمز إلى ساحة للمواجهة الأمريكية ـ الإيرانية؟

 

 

لم تعد المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية تقتصر على الصواريخ والطائرات والمسيرات، بعدما انتقلت، وفق قراءة الخبير العسكري عبد الرحمن مكاوي، إلى مستوى أكثر تعقيدا يتمثل في الحرب على الطيف الكهرومغناطيسي والخوارزميات وأنظمة الملاحة والاتصالات.
ويقول مكاوي، في تحليل خاص للأيام، إن إحدى أبرز ساحات هذه المواجهة باتت مضيق هرمز، حيث أدى التشويش والتضليل على أنظمة تحديد المواقع بالأقمار الصناعية إلى إرباك حركة السفن التجارية، في تطور يكشف، حسب تقديره، طبيعة جديدة للحرب الحديثة لا تتطلب بالضرورة إطلاق صاروخ واحد لتعطيل منشآت أو شل حركة اقتصادية واسعة.
ووفق المعطيات التي يستند إليها مكاوي، فقد بدأت مؤشرات هذا التحول في الظهور بشكل لافت منذ انطلاق عملية «Epic Fury» الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026.
ويشير الخبير العسكري إلى أن نحو 1100 سفينة تجارية تأثرت خلال 24 ساعة باضطرابات في أنظمة الملاحة في المنطقة، خصوصا في محيط الإمارات وقطر وعمان وإيران.
وكانت التقارير المتداولة عن اضطرابات الملاحة قد وصفت مشاهد غير مألوفة على شاشات السفن، من بينها ظهور سفن في مواقع جغرافية يستحيل وجودها فيها فعليا، كأن تظهر ناقلات ضخمة فوق اليابسة أو سفن شحن داخل مناطق غير بحرية.
ويصف مكاوي هذه الظاهرة بأنها ليست مجرد خلل تقني عابر، وإنما مؤشر على حرب إلكترونية تستهدف الثقة في البيانات التي تعتمد عليها السفن لتحديد مواقعها ومساراتها.
وتزداد خطورة الأمر، بحسب التحليل نفسه، مع الإشارة إلى تسجيل أكثر من 1735 حادثة تشويش خلال أسبوع واحد، مست 655 سفينة، مع ارتفاع معدل الحوادث اليومية.

من التشويش إلى تزييف الموقع

ويفرق مكاوي بين تقنيتين أساسيتين في هذه الحرب الإلكترونية: التشويش (Jamming) والتضليل أو التزييف (Spoofing).
في الحالة الأولى، يجري إغراق جهاز استقبال إشارات الملاحة بإشارات متداخلة تمنعه من التقاط الإشارة الصحيحة من الأقمار الصناعية، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على تحديد الموقع.
أما في الحالة الثانية، وهي الأكثر خطورة، فلا تختفي الإشارة بالضرورة، وإنما يتم إرسال إشارات مزيفة تجعل جهاز الاستقبال يعتقد أنه موجود في موقع آخر.
ويترتب على ذلك أن نظام التعريف الآلي للسفن (AIS)، الذي يعتمد على بيانات الموقع، يمكن أن يعرض بدوره مواقع غير صحيحة للسفن، فتظهر على الخرائط في أماكن لم تصل إليها فعليا.
ويشير مكاوي إلى أن هذه الظاهرة أنتجت ما يشبه “دوائر المحاصيل” على الخرائط البحرية، نتيجة الأنماط الغريبة التي ترسمها المواقع المزيفة للسفن.
وحسب الخبير العسكري، فإن المؤشرات التقنية المتوافرة تقوده إلى اعتبار إيران الجهة التي تقف وراء عمليات التضليل في محيط مضيق هرمز.
ويستند في ذلك، ضمن ما أورده في تحليله، إلى تصريحات للباحث الأمريكي في أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية تود همفريز، الذي رجح أن مصدر عمليات التضليل هو الجانب الإيراني، مع احتمال استخدام أجهزة موجودة على الساحل أو منصات مرتفعة لتوسيع نطاق بث الإشارات المزيفة.
ولا يقتصر الأمر، وفق مكاوي، على القدرات الإيرانية الحالية، إذ سبق للولايات المتحدة أن حذرت في مناسبات سابقة من نشاطات إيرانية مرتبطة بالتشويش والتضليل في محيط مضيق هرمز.
ويشير إلى تحذيرات صادرة عن السلطات البحرية الأمريكية والقيادة المركزية، تحدثت عن استخدام إيران لقدرات للتشويش على الملاحة في منطقة مضيق هرمز، بما في ذلك محيط جزيرة أبو موسى.
كما يلفت إلى أن إيران سبق أن استخدمت تقنيات لتغيير أو تزوير إشارات التعريف الخاصة بالسفن، بما يسمح، بحسب تقديره، بإخفاء هوية بعض القطع البحرية أو إظهارها على أنها سفن تجارية.

هرمز.. نقطة اختناق للاقتصاد العالمي

ولا تكمن خطورة الحرب الإلكترونية في الجانب التقني وحده، وإنما في الموقع الاستراتيجي لمسرحها.
فمضيق هرمز يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ويمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة قابلاً للتحول سريعا إلى أزمة اقتصادية تتجاوز حدود الخليج.
ويشير مكاوي إلى أن اضطرابات الملاحة التي سجلت في مارس 2026 لم تكن، بحسب المعطيات التي يستند إليها، حوادث عرضية أو محدودة زمنيا، بل اتخذت طابعاً منهجياً ومتكررا.
كما ينقل عن مركز المعلومات البحرية المشترك (JMIC) وصفه الوضع في الأول من مارس بأنه “حرج”، مع مؤشرات على هجمات مادية وإلكترونية، واستمرار مستويات كبيرة من التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية في مداخل المضيق وخليج عمان وجنوب الخليج العربي، إلى جانب تسجيل انحرافات في بيانات المواقع وشذوذ في إشارات AIS.
لكن الجانب الأكثر إثارة في قراءة مكاوي هو ما يصفه بعدم التماثل في حرب الخوارزميات.
فالولايات المتحدة تعتمد، وفق تحليله، على منظومة متقدمة لحماية الملاحة العسكرية، تجمع بين إشارات GPS العسكرية المشفرة، ولا سيما M-code، وأنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، بما يقلل من الاعتماد على مصدر واحد للمعلومات الملاحية.
في المقابل، تستطيع دولة مثل إيران استخدام وسائل أقل كلفة بكثير لتعطيل أو تضليل أنظمة تعتمد عليها سفن ومنشآت ذات قيمة اقتصادية هائلة.
ويختصر مكاوي هذه المفارقة في معادلة استراتيجية: وسيلة إلكترونية زهيدة الكلفة يمكن أن تفرض خسائر أو مخاطر على هدف تبلغ قيمته مئات ملايين الدولارات.
وبهذا المعنى، لا تصبح القوة مرتبطة فقط بحجم الترسانة العسكرية، وإنما بقدرة طرف على إجبار خصمه على إنفاق أضعاف ما ينفقه هو للدفاع عن أنظمته الرقمية والملاحية.
ويستدل مكاوي على تنامي الأهمية الاستراتيجية لهذه الحرب بالإشارة إلى عقد بقيمة 500 مليون دولار أُسند في يوليوز 2026 إلى شركة Vantage Analytical LLC لصالح مختبر أبحاث القوات الجوية الأمريكية في قاعدة كيرتلاند، في إطار أعمال مرتبطة بتكامل الأجهزة واختبارات الأنظمة الفضائية.
ويرى الخبير أن مثل هذه الاستثمارات تؤكد أن حماية أنظمة الملاحة والاتصالات والقدرات الفضائية أصبحت جزءا أساسيا من الاستعداد للحروب المقبلة، وليس مجرد ملف تقني ثانوي.
فالمواجهة الحديثة، وفق هذا المنظور، لم تعد تدور فقط حول امتلاك الصاروخ الأكثر دقة أو الطائرة الأكثر تطوراً، بل حول القدرة على ضمان أن البيانات التي تصل إلى الصاروخ والطائرة والسفينة والجندي هي بيانات صحيحة.
ويخلص مكاوي إلى أن ما يجري في مضيق هرمز يقدم نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته “حرب الخوارزميات”.
فالهدف لم يعد بالضرورة تدمير السفينة أو المنشأة، وإنما إرباك النظام الذي تعتمد عليه لاتخاذ القرار.
إذا أمكن جعل السفينة تعتقد أنها في موقع مختلف، أو جعل نظام القيادة يقرأ بيانات غير صحيحة، أو قطع الاتصالات والملاحة في لحظة حرجة، فإن الخصم يستطيع تحقيق جزء من أهدافه من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
وهنا تكمن، بحسب مكاوي، خصوصية هذا النوع من الحروب: صاروخ واحد يمكن أن يدمر هدفاً، لكن خوارزمية مزيفة يمكن أن تربك شبكة كاملة من الأهداف.
ومن ثم، فإن الصراع الأمريكي ـ الإيراني، في تقديره، يقدم نموذجا مبكرا لحرب قد تصبح فيها الأقمار الصناعية، وأنظمة الملاحة، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والطيف الكهرومغناطيسي، ساحات قتال لا تقل أهمية عن البر والبحر والجو.
والأخطر أن هذا النوع من الحرب لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي أو مشهد عسكري واضح؛ فقد تبدأ آثاره على شاشة ملاحية، عندما تظهر سفينة في المكان الخطأ، ثم يتحول الخطأ الرقمي إلى قرار بشري خاطئ، قبل أن يتطور في النهاية إلى أزمة أمنية أو اقتصادية واسعة.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق