السينما والدراما المغربية بين واقع المجتمع ومتطلبات الإبداع والقيم

عزيز مومني

تُعد السينما والدراما من أهم الوسائط القادرة على تشكيل الوعي، وصناعة الصور الذهنية، والتأثير في الذوق العام، ولذلك فإن مسؤولية المبدع لا ينبغي أن تنحصر في تحقيق الفرجة واستقطاب الجمهور، بل تمتد إلى تقديم أعمال فنية ذات جودة عالية، تعكس تعقيدات المجتمع بموضوعية، وتحترم قيمه الإيجابية، وتفتح أمام أفراده آفاقاً أوسع للتفكير والإبداع والارتقاء.
ومن هذا المنطلق، تبرز ملاحظة أساسية بشأن عدد من الأفلام والمسلسلات المغربية، تتمثل في ضعف حضور قيم العفة والحياء والاستقامة والصلاح والتقوى ومراقبة الله والجد والاجتهاد والتفوق والإبداع في بناء الشخصيات والقصص والأحداث. فبدلاً من توجيه الكاميرا بصورة متوازنة نحو المكتبات والمدارس والجامعات والمساجد والمؤسسات الثقافية ومختبرات البحث ومواقع العمل والإنتاج، نجد بعض الأعمال تكرر تصوير أماكن الانحراف، مثل فضاءات بيع المخدرات والعلب الليلية والبارات، وكأن هذه البيئات تمثل المجال الأكثر تعبيراً عن المجتمع المغربي.
ولا يعني النقد هنا الدعوة إلى تجاهل الظواهر السلبية أو إخفائها؛ فالعمل الفني الجاد يستطيع أن يتناول الجريمة والانحراف والفساد، لكن الفارق يكمن في طريقة المعالجة والرسالة النهائية. فالفن الراقي لا يكتفي بعرض المشكلة، وإنما يساعد على فهم أسبابها وآثارها، ويُبرز كذلك نماذج المقاومة والإصلاح والنجاح والاستقامة.
وتظهر المشكلة أيضاً في التكرار الملحوظ لبعض الموضوعات والمشاهد. فالخطوبات والأعراس أصبحت حاضرة باستمرار في عدد من المسلسلات والأفلام، في حين أن الواقع الاجتماعي المغربي عرف، منذ سنوات، مظاهر واضحة من العزوف عن الزواج وتأخره لدى فئات واسعة. كما تتكرر مشاهد المآتم والعزاء والوفاة والدفن وتوزيع التركة، إلى جانب أنماط أخرى من الأحداث التي أصبحت مألوفة للمشاهد، بما يجعل بعض الأعمال تبدو وكأنها تعيد إنتاج قوالب درامية سابقة أكثر مما تقدم رؤية فنية جديدة.
وهنا يطرح سؤال الإبداع نفسه بقوة: أين الأفكار الجديدة؟ وأين الشخصيات الاستثنائية؟ وأين القصص التي تفتح نوافذ جديدة على المغرب؟ فالمغرب ليس فقط أعراساً ومآتم وخلافات أسرية وخيانات ومشاجرات؛ إنه أيضاً بلد العلماء والباحثين والمهندسين والأطباء والأساتذة والمبدعين والحرفيين والطلبة المتفوقين ورجال الأعمال والمبادرات الاجتماعية والثقافية والطاقات الشبابية. وهذه كلها عوالم درامية غنية يمكن أن تنتج أعمالاً أكثر عمقاً وتميزاً.
ومن الملاحظ كذلك إصرار بعض الأعمال على معالجة موضوعات مثل الخيانة الزوجية والفساد الأخلاقي والحمل خارج إطار الزواج، وهي موضوعات يمكن من حيث المبدأ تناولها فنياً، لكن الإشكال يظهر عندما تتحول إلى ثيمات متكررة أو تُقدم بطريقة تجعل الإثارة والصدمة غايتين أساسيتين على حساب البناء الفني والتحليل الاجتماعي الرصين. فمعالجة الظواهر الحساسة تحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والوعي، حتى لا يتحول العمل من أداة لفهم المجتمع إلى وسيلة لتطبيع بعض السلوكيات أو جعلها مادة متكررة للفرجة.
ومن جهة أخرى، يلاحظ أحياناً تقديم بعض الشخصيات، مثل الشيخة والنكافة والشمكار، في صور إيجابية أو جذابة بصورة لا تنسجم دائماً مع الواقع الاجتماعي الذي يُفترض أن يعكسه العمل. والمشكلة ليست في وجود هذه الشخصيات داخل القصة، وإنما في طريقة بنائها ودلالتها: هل يقدمها العمل بوصفها شخصيات واقعية متعددة الأبعاد، أم يمنحها أحياناً بطولة رمزية ورسائل قد تكون بعيدة عن حقيقة الأدوار الاجتماعية والسلوكات المرتبطة بها؟
كما أن بعض الأعمال تقع في التعميم النمطي داخل الأسرة المغربية؛ فيُصور الأب أو الزوج باستمرار باعتباره شخصاً غير مسؤول، ضعيف الشخصية، عنيفاً أو عديم القيمة، بينما تُقدم الأم أو الزوجة دائماً باعتبارها صابرة ولطيفة وضحية. ومثل هذه الثنائية، عندما تتكرر بصورة آلية، لا تعكس بالضرورة حقيقة المجتمع بكل تنوعه، لأن الأسرة المغربية أكثر تعقيداً من هذه الصور المبسطة؛ ففيها آباء مسؤولون وأمهات مسؤولات، وأزواج صالحون وزوجات صالحات، كما توجد حالات عنف أو تقصير من أي طرف، ولا يصح تحويل حالات اجتماعية معينة إلى قاعدة عامة.
وتضاف إلى ذلك ظاهرة تضخيم الانفعالات والغضب والصراخ حول قضايا دنيوية بسيطة، بحيث تتحول أحداث عادية إلى صراعات كبيرة، ويصبح رفع الصوت والانفعال جزءاً أساسياً من صناعة المشهد. كما تركز بعض الأعمال على المظاهر والأمور السطحية، فتُعطي تفاصيل صغيرة حجماً درامياً أكبر من حجمها الحقيقي، بينما تغيب في المقابل الأسئلة العميقة المتعلقة بالعلم والعمل والمسؤولية والقيم والطموح والإبداع وبناء الإنسان.
إن الفرجة وحدها لا تكفي لصناعة دراما مغربية متقدمة. فالعمل الفني الناجح يحتاج إلى سيناريو محكم، وشخصيات مقنعة، وحوار ذكي، وإخراج متطور، وتمثيل رفيع، وموضوع جديد، ورؤية فكرية واضحة. أما تكرار المشاهد والأفكار والقوالب نفسها، فإنه يؤدي تدريجياً إلى إضعاف ثقة الجمهور في قدرة الإنتاج المحلي على التجديد.
والرهان الحقيقي ينبغي أن يكون على سينما ودراما مغربيتين أكثر نضجاً وجرأة وإبداعاً: أعمال تصور المكتبة كما تصور العرس، والجامعة كما تصور الحي الشعبي، والباحث كما تصور الشخصية المثيرة للجدل، والمبدع كما تصور المنحرف، والأسرة الناجحة كما تصور الأسرة التي تعاني من المشكلات، وتعرض مظاهر الخلل إلى جانب نماذج الإصلاح والنجاح.
وبذلك يمكن للسينما والدراما أن تنتقلا من مجرد إنتاج الفرجة إلى صناعة المعنى؛ أي أن تقدم المتعة الفنية، وفي الوقت نفسه تعكس المجتمع بصدق، وتحترم ذكاء المشاهد، وتمنحه نماذج إنسانية متنوعة، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة في التفكير والطموح والعمل والإبداع، دون تزوير للواقع أو اختزال المجتمع في مظاهر الانحراف والصراع والمظاهر السطحية.
فالسينما المغربية التي تستحق المستقبل ليست التي تكرر ما شاهده الجمهور من قبل، وإنما التي تكتشف الإنسان المغربي في عمقه، وتقرأ المجتمع في تعقيده، وتحول الواقع إلى فن رفيع، وتجمع بين جودة الصناعة، وصدق التمثيل، وعمق الفكرة، وجمال الإبداع.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق