الانتخابات التشريعية بالمغرب بين سطوة “الأعيان” وتطلعات التغيير: إقليم قلعة السراغنة نموذجا

 نصر الدين تابت
باحث في القانون العام والعلوم السياسية

 

تتجدد مع كل استحقاق انتخابي تشريعي بالمغرب النقاشات السوسيولوجية والأكاديمية حول آليات إنتاج النخب السياسية وتجديد القواعد الانتخابية بالدوائر المحلية، بغية حقن دماء جديدة في تمثيلية الأمة لترافع أكثر نجاعة وجلباَ للمكاسب التنموية. وفي هذا السياق، تطرح التجربة الانتخابية بإقليم قلعة السراغنة نمطاً نموذجياً لتفاعل البنيات السوسيولوجية المحافظة والشبكات الزبونية مع الأطر التنظيمية للأحزاب السياسية؛ حيث تظهر الممارسة الميدانية وجود تباين صارخ بين الخطاب السياسي المركزي المُنادي بتشبيب النخب وتزكية الكفاءات والتكنوقراط، وبين واقع ترابي تفرض فيه “الأوليغارشية الترابية” منطقها عبر احتكار التزكيات وتوظيف النفوذ المالي والسلالي. يقدم الإقليم المدروس نفسه كـ “عينة سوسيولوجية مصغرة” تتجلى فيه بشكل واضح الاستمرارية البنيوية لـ “سلطة الأعيان والعصبية القبلية” في مواجهة المطالب المتزايدة بإعطاء الفرصة للكفاءة والتشبيب.
ولتحليل هذه الدينامية، يستند هذا المقال أو محاولة التحليل هذه، إلى الإطار النظري للكلاسيكيات السوسيولوجية؛ بدءاً من “قانون الأوليغارشية الحديدي” لروبرت ميشيلز (Robert Michels)، مروراً بمقاربات جيرينت باري (Geraint Parry) في دراسة النخب، وصولاً إلى الأطروحة الانقسامية ومفهوم الزبونية السياسية لدى جون واتربوري (John Waterbury)، محاولين تفكيك واقع صناعة القرار الحزبي والانتخابي بالإقليم.
وتتأطر إشكالية المقال حول الفكرة التالية: «إلى أي حد تسهم البنيات السوسيولوجية التقليدية والزبونية الانتخابية بإقليم قلعة السراغنة في تكريس “قانون الأوليغارشية الحديدي” وتفريغ التزكيات الحزبية من مضمونها التنافسي، بما يعوق ارتقاء السلوك الانتخابي نحو الاختيار البرنامج التنموي ويحول دون تجديد النخب المحلية؟»
سنحاول الجابة عن هذه الإشكالية من خلال فقرتين اثنتين.

الفقرة الأولى: ديناميات السلوك الانتخابي وإعادة إنتاج الأوليغارشية الترابية
تشكل محطات الاقتراع والتحضير للانتخابات التشريعية بالمغرب محجاً تحليلياً خصباً لاختبار المناهج الأكاديمية المقارنة في علم الاجتماع السياسي؛ إذ تُبرز كيفية ارتهان الحقل الانتخابي المحلي للبنيات السوسيولوجية التقليدية وتوازن القوى الفئوي.
أولا: قانون الأوليغارشية وتزكيات الأحزاب: عندما تبتلع المصلحةُ الديمقراطيةَ
تذهب أطروحة روبرت ميشيلز إلى أن التنظيمات الحزبية – مهما بلغت درجة ادعائها المبدئي للديمقراطية – تنتهي حتماً إلى الانزلاق نحو الهيمنة الأوليغارشية، حيث تحتكر نخبة ضيقة مراكز القرار وتحرص على إعادة إنتاج ذاتها . وفي الممارسة السياسية الحزبية بالمغرب، وتحديداً أثناء توزيع “التزكيات الانتخابية”، يتجسد هذا المنطق من خلال اتجاهين أساسيين، أولا من خلال احتكار الخريطة الانتخابية حيث تتحول اللجان التنفيذية والمكاتب السياسية إلى هيئات مغلقة تعطي الأولوية لـ “المرشح الجاهز” – أي الممول وصاحب النفوذ الشبكي – على حساب المناضل الفكري أو الشاب الكفء. يسود هنا المنطق البراغماتي الذي رصده جاتانو موسكا، أو ما أسماه ب “حتمية الأقلية” حيث تتكتل القيادة المنظمة لحماية مصالحها واستمراريتها في المؤسسات التشريعية .
وثانيا نرصد ظاهرة “الكائن الانتخابي” والترحال السياسي، وقد أفرزت هذه الدينامية فئة من الأعيان المحليين المستقلين بفعل “خزانهم الانتخابي”. يتعامل هؤلاء مع الأحزاب كـ “يافطات إدارية” أو أغطية قانونية، مما يمنحهم قدرة فائقة على “الترحال السياسي” والتفاوض من موقع قوة مع قيادات العاصمة، وهو ما يذكرنا بمناورات النخب للحفاظ على التوازن السيكولوجي والسياسي كما شرحها فلفريدو باريتو .
وارتباطًا ببروز ظاهرة الأعيان باعتبارها محركًا أساسيًّا للحقل الانتخابي المغربي؛ تبرز ظاهرة الترحال السياسي كإستراتيجية دائمة في العملية الانتخابية بالمغرب، ومحركها الرئيسي أيضًا هو العين الانتخابي الذي تظل رهاناته السياسية والحزبية قائمة على ما يمكن للحزب تحقيقه له من أهدافه وأغراضه، والاستجابة لطلباته وتدخلاته، وإذا لم يعد الحزب يؤدي تلك الوظائف، تخلى عنه، وتبعه في ذلك زبائنه وأنصاره وأتباعه. لهذا نلاحظ أنه يكفي في بعض الأحيان أن يغير العين انتماءه السياسي، ليحدث تحول مهم في الخريطة السياسية المحلية، ولتنقلب موازين القوى بين التيارات والتنظيمات السياسية الموجودة محليًّا. فالانتماء السياسي لا يتحدد هنا، كما خلصنا سابقًا، على المرجعيات والأيديولوجيات والخلفيات التاريخية للحزب، وإنما على الإمكانات التي سيوفرها الحزب للعين بعد الحصول على المقعد الانتخابي”.

ثانيا: إقليم قلعة السراغنة: صراع “العصبية” وتهميش الشباب والتكنوقراط
يتميز إقليم قلعة السراغنة بتركيبة مجالية يغلب عليها الطابع الرعوي والقروي وتجذر الروابط العائلية، حيث يتسم الإقليم بهيمنة الطابع القروي في تركيبته المجالية؛ حيث يبلغ مجموع سكانه القانونيين 560,273 نسمة حسب إحصاء 2024 يقيم الغالبية العظمى منهم بالوسط القروي بتعداد 382,577 نسمة (بنسبة تقارب 68.3%)، بينما يقطن الوسط الحضري 177,696 نسمة. ورغم ذلك، يشهد الإقليم توسعًا حضريًا تدريجيًا حيث ارتفعت نسبة التمدن من 28.5% سنة 2014 إلى 31.7% سنة 2024.
وبالنسبة للتقسيم الإداري، ينقسم الإقليم إلى عدة بلديات ودوائر تضم جماعات متعددة؛ مثل جماعة قلعة السراغنة، وجماعة العطاوية، وجماعة سيدي رحال، وتملالت، بجانب دوائر العطاوية، والقلعة (بني عامر وأهل الغابة)، والصهريج وصنهاجة، وتملالت …
مما يجعل إقليم قلعة السراغنة مجالاً خصباً لتطبيق أدوات جيرينت باري (المنهج الموقعي، منهج السمعة، والمنهج القراري السلوكي) لفهم كيفية تشكل النخبة المحلية.
وبحكم أنها تشكل الأغلبية العددية بالإقليم أي المناطق القروية والشبه قروية، يلاحظ أنها مراكز صياغة السلوكيات الانتخابية بناءً على الانتماء السلالي والعشائري والمصالح العقارية (ملاك الأراضي الكبيرة).
هنا تتجلى “النظرية الانقسامية” لجون واتربوري؛ حيث تتشكل التحالفات الانتخابية كآلية دفاعية لحماية المصالح الفئوية وضمان استمرارية الوصول للموارد. السلوك السياسي هنا لا يُحدد بالبرامج الانتخابية بقدر ما يُحدد بعلاقات الزبونية السياسية (Clientelism)، حيث يُقايض الناخب صوته بالشرعية العائلية أو الخدمات الدائرية المباشرة وفي بعض الأحيان بالمساعدات المادية وذلك عن طريق وسطاء، ففي ظل هذه الممارسات الانتخابية المبنية على ممارسات زبونية يحتاج المرشحين إلى معرفة واسعة بسكان الدائرة الانتخابية، وانتماءاتهم الدموية وتفرعاتهم القبلية والعائلية، وأي نوع من المساعدات والحاجيات المادية التي يحتاجها الناخبون. علاوة على ذلك يحتاج المرشحين أيضاً إلى معرفة “من الذي من المرجح أن يشارك في الانتخابات دون الكثير من التحفيز والإقناع، ومن سيصوت لصالحهم مهما كانت الظروف، ومن لن يصوّت لهم مهما كانت الظروف، ومن سيصوّت لهم مهما كانت الظروف، ومن هو متأرجح ومن هو على الحياد .وفي هذا السياق، تكرس الزبونية السياسية (Clientelism) كنموذج إرشادي (Paradigm) ناظم للعلاقة بين الناخب والمرشح، عبر وسائط تقليدية تحول العملية الانتخابية إلى سلعنة ومقايضة رمزية ومادية مباشرة. وهو ما يفرض على الفاعل السياسي الاقتناع بضرورة امتلاك معرف سوسيولوجية دقيقة بالخريطة العائلية وروافد الدم وتوازنات النفوذ بالدائرة، للتمييز الدقيق بين الكتلة الحرجة الناخبة، والكتلة المتأرجحة، والقواعد الصلبة المضمونة.
وبناءً عليه، يخلص التحليل إلى أن أزمة الانتقال الديمقراطي محلياً لا تكمن فقط في نص القوانين، بل في صمود البنيات السوسيولوجية التقليدية التي تعيد إنتاج نفسها عبر الاستحقاقات الانتخابية، مجسدةً الامتداد الميداني للأوليغارشية الترابية التي تحول دون بروز نخب تكنوقراطية أو شبابية قائمة على مشروع تنموي بديل.
وفي مقابل هذا الجدار العشائري، تجد النخب الشابة والأطر الأكاديمية صعوبة بالغة في الاختراق الميداني. وتكتفي الأحزاب السياسية بالتعامل مع هذه الفئات كـ “واجهة تجميلية” يُستعان بها في أسفل القوائم أو في الخطابات الوطنية لتلميع صورة الحزب، دون منحهم التزكيات القوية في الدوائر المباشرة الذاتية الرهان.
وبناءَ على ما سبق، تظهر الممارسة السياسية والسلوك الانتخابي في إقليم قلعة السراغنة تعارضاً بنيوياً بين الخطاب الحزبي المركزي الداعي لتشبيب النخب وتزكية الكفاءات والتكنوقراط، وبين الواقع الترابي الذي تحكمه قواعد الأوليغارشية الحديدية وشبكات الزبونية العشائرية. فبفعل هيمنة الطابع القروي والروابط السلالية، يتحول الحزب السياسي إلى مجرد أداة إدارية تستغرقها موازنات الربح الانتخابي المضمون، مما يحرم الكفاءات الشابة والنساء من التزكيات المؤثرة، ويعيد إنتاج الأعيان المحليين كشركاء دائمين في إدارة الموارد والنفوذ الترابي عبر آليات الترحال والمقايضة النفعية.

الفقرة الثانية: بين عقلانية الناخب وبراغماتية التزكيات: سوسيولوجيا الاقتراع وإعادة إنتاج النخب الترابية.
ثالثاً: محددات السلوك الانتخابي: كيف يصوت الناخب السرغيني؟
تتداخل ثلاث مقاربات كلاسيكية لتفسير القرار الانتخابي للناخب في الإقليم عبر تحليل علمي متدرج:
ينطلق التحليل من الأطروحة التأسيسية لـ بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld) وفريقه في مدرسة كولومبيا، والتي صيغت في مؤلفهم المرجعي “اختيار الشعب” (The People’s Choice) . تفترض هذه المقاربة الحتمية السوسيولوجية وتُختزل في مقولتهم الشهيرة: “الشخص يفكر سياسياً، كما هو اجتماعياً”. فالخاصيات الاجتماعية كالانتماء الطبقي، والدين، والمجال الجغرافي (قروي/حضري)، والروابط العائلية هي التي تُحدد الانتماء والقرار الانتخابي بشكل قبلي ومستقر، مما يجعل الحملات الانتخابية مجرد أداة لتنشيط وتثبيت ولاءات موجودة أصلاً وليست لتغييرها.
وفي بيئة إقليم قلعة السراغنة، حيث تسود التركيبة الرعوية والعشائرية، تتجلى هذه المقاربة بوضوح؛ إذ يمثل التصويت شكلاً من أشكال “التضامن الانقسامي” والواجب القبلي. فالناخب لا يختار بناءً على مفاضلة فكرية أو مواقف شخصية مستقيلة، بل يعبر عن انضباط لـ “جماعة الانتماء” (الدوار، العشيرة، أو العائلة الممتدة)، حيث يصبح الاقتراع وسيلة لإثبات النفوذ المجالي والرمزي للقبيلة في مواجهة العصبيات المنافسة، بتوجيه حاسم من كبار العائلات والوجهاء المحليين.
بينما يكشف المنهج السيكولوجي (مدرسة ميشيغان – كامبل) عن مفارقة بارزة، هذه المقاربة التي تطورت رداً على الحتمية السوسيولوجية لمدرسة كولومبيا، حيث ركز أنغوس كامبل (Angus Campbell) وزملائه في جامعة ميشيغان، عبر كتابهم المرجعي “الناخب الأمريكي” (The American Voter) ، على المحددات النفسية والسلوكية الفردية. وطوروا مفهوم “الهوية الحزبية” (Party Identification) باعتبارها ارتباطاً وجدانياً ونفسياً يكتسبه الفرد منذ التنشئة السياسية الأولى ويمتد معه لفترات طويلة، ويُشكل المصفاة المعرفية التي يرى من خلالها المرشحين والقضايا المطروحة.
عند تنزيل النموذج النفسي لمشيغان على مشهد قلعة السراغنة، نكتشف مفارقة بنيوية سالبة؛ فالتعلق الوجداني الحزبي والإيديولوجي يكاد يكون منعدماً تماماً لدى الناخب المحلي، ليحل محله “تعلق سيكولوجي وشخصاني بالمرشح” (Candidate Identification). يُحوّل الناخب ارتباطه المعنوي والنفسي نحو شخص الأعيان ووجهاء المنطقة بناءً على خصال الكرم، الجاه، السمعة الاجتماعية، والقدرة الدائمة على إنجاز الخدمات المباشرة وقضاء الحوائج الشخصية. وبذلك، تتهاوى “الهوية الحزبية” أمام قوة “الهوية الشخصانية”، مما يفسر السهولة التي يتقبل بها الناخب انتقال مرشحه المفضل بين الأحزاب (الترحال السياسي) دون أن يفقد قاعدته الانتخابية.
ويقدم أنتوني داونز (Anthony Downs) في كتابه التأسيسي “نظريات اقتصادية للديمقراطية” (An Economic Theory of Democracy) حلاً تفسيرياً ينقل العملية الانتخابية من الحتمية الاجتماعية والوجدان النفسي إلى معادلات السوق السياسي والتكلفة والمكسب. يتعامل داونز مع الناخب كفاعل عقلاني (Rational Actor) يسعى لمنافعه الذاتية وتخفيض تكاليف الحصول على المعلومة، ويتعامل مع الأحزاب والسياسيين كمؤسسات تقدم خدمات وسلعاً سياسية مقابل الحصول على الأصوات.
في الأوساط شبه القروية والهامشية لإقليم قلعة السراغنة، يتجلى هذا النموذج العقلاني بأسلوب عملي ومباشر؛ إذ يُقيم الناخب حسابات التكلفة والعائد بشكل لحظي ومادي. فالوعود التنموية الكبرى والبرامج المجردة طويلة المدى التي يقدمها الشباب والتكنوقراط تُعتبر في نظر الناخب مخرجات غير مضمونة وعالية التكلفة، وأن هؤلاء الشباب غير قادرين على تقديم ما يقدمه الأعيان، كما أن هنالك قناعة أصبحت متداولة تفيد بأن المنتخب لا دور له في مسار السياسات العمومية بالمغرب وأنه مجرد صفر على اليمين في حسابات اللعبة الديموقراطية. في حين أن الارتكان لأعيان الأوليغارشية يوفر منافع ملموسة وفورية وقابلة للتحقق (خدمات، وساطات إدارية، دعم اجتماعي ومادي مباشر). وهكذا يتصرف الناخب السرغيني بـ “عقلانية نفعية” تعطي الأولوية للمكاسب المباشرة والأنية على حساب الشعارات التنموية المؤجلة.
رابعاً: التزكية الانتخابية: بين المبادئ الحزبية والواقعية البرغماتية
تطرح المحطة التشريعية لشتنبر 2026 سؤالاً جوهرياً حول قدرة الأحزاب السياسية بالمغرب على كسر هيمنة “قانون الأوليغارشية الحديدي” وتجاوز منطق الأعيان لصالح تزكية الكفاءات والشبيبة والتكنوقراط. غير أن رصد عملية إعداد الخرائط الانتخابية يظهر بوضوح وجود اتساع في الفجوة بين الخطاب المركزي والممارسة الترابية الميدانية؛ ففي الوقت الذي تصدر فيه القيادات الحزبية بالرباط أدبيات سياسية تؤكد على ضرورة تشبيب اللوائح والانفتاح على الأطر والنساء لمواكبة الرهانات التنموية والتشريعية للمملكة، يتحطم هذا التوجه عند الاصطدام بالواقع الانتخابي الشرس لإقليم قلعة السراغنة. فالخوف الهيكلي من فقدان المقاعد النيابية يدفع الهيئات المركزية والإقليمية إلى تقديم منطق “العتبة والأصوات المضمونة” على حساب “الكفاءة التشريعية والنموذج التنموي”.
يتجلى هذا التحول في تحول “التزكية الحزبية” إلى مادة للتفاوض والمساومة التجارية والسياسية؛ حيث يفرز الواقع الميداني بإقليم قلعة السراغنة وضعاً يتدحرج فيه دور الحزب من مؤسسة للتأطير والتنشئة إلى مجرد “دكان انتخابي” يمنح التزكية لأصحاب الجاه المالي والعصبي.
وفي هذا السياق، يحلل الباحث حسن طارق تحول الوظيفة الانتقائية للأحزاب السياسية بالمغرب وتراجع دورها في التأطير، موضحاً كيف أصبحت التزكية أداة برغماتية تابعة للجاهزية الانتخابية لا بالكفاءة البرلمانية، إذ يقول “إن اختيار الترشيحات داخل الأحزاب السياسية المغربية يخضع غالباً لمنطق الفوز المحتمل المقترن برأس المال المالي والرمزي للمرشح، أكثر مما يخضع لمنطق التدرج التنظيمي أو الانتماء الإيديولوجي؛ وهو ما أدى إلى تفريغ الوظيفة الانتقائية للحزب من مضمونها الديمقراطي وتحويل التزكية إلى عملية نفعية تستهدف اقتناص المقاعد بالدرجة الأولى”
وعن ظاهرة إعادة إنتاج ذات النخب والاعتماد المستمر على الأعيان، فتظل النخب التقليدية والأعيان العنصر الأكثر جاذبية للتنظيمات الحزبية خلال المحطات الانتخابية، بالنظر إلى قدرتها على تعبئة الخزانات الانتخابية المحلية بفضل شبكات العلاقات الزبونية والوجاهة الاجتماعية. هذا الوضع يكرس استمرارية نفس الوجوه في المؤسسة التشريعية ويحول دون وصول الكفاءات الشابة والنساء إلى مراكز القرار السياسي .
ويقدم الاستدلال الميداني بخريطة الترشيحات بإقليم قلعة السراغنة دليلاً ساطعاً على هذا التوجه؛ حيث يُلاحظ أن أغلب التزكيات التشريعية الممنوحة تعاد دحرجتها لصالح أعيان محترفين للانتخابات البرلمانية، ممن استداموا في المقاعد البرلمانية لولايات سابقة، أو تداولوا عليها عبر تقنية “الترحال السياسي” بين الألوان الحزبية المختلفة. إن استمرار الأحزاب في المراهنة على ذات النخب البرلمانية التقليدية يكرس الاعتقاد بأن هاجس الحسم العددي واقتناص الأصوات المضمونة لا يزال يوجه العقل السياسي الحزبي، مما يجعل من شعار “تجديد النخب” مجرد إعلان نيات يصعب تنزيله على أرض الواقع.
تنعكس المحدودية التنظيمية للأحزاب السياسية وسطوة البنية السوسيولوجية المحافظة بالإقليم في التهميش الشبه التام للعنصر النسوي عن صدارة التزكيات بالدوائر المحلية المباشرة؛ حيث تختزل التنظيمات الحزبية حضور المرأة السياسية في القوائم الجهوية والإقليمية التكميلية. ويأتي هذا التعاطي كاستجابة شكلية لصرامة المساطر القانونية وشروط المناصفة، لا كإيمان مبدئي بالتمكين السياسي والفاعلية النسوية في تدبير الشأن الترابي.
ويعكس هذا التغييب الميداني الحاد للمرأة وللأطر التكنوقراطية الشابة كيف تتضافر القواعد المضمرة للأوليغارشية السياسية مع العوائق الثقافية، لإبقاء المشهد السياسي بإقليم قلعة السراغنة محتكراً من قِبل نخبة ذكورية وفئوية تتوارث المواقع والموارد وتديم نفوذها الترابي. وفي النهاية، تحول هذه الديناميات دون ارتقاء الاستحقاقات الانتخابية إلى آلية حقيقية للتداول الديمقراطي وصناعة نخب جديدة قادرة على إحداث الفارق التنموي المنشود.
تُظهر السلوكيات الانتخابية في إقليم قلعة السراغنة تداخل المقاربات السوسيولوجية، والنفسية-الشخصانية، والعقلانية-النفعية لإنتاج مشهد سياسي محلي محكوم بالانضباط العشائري والزبونية المباشرة. وفي المقابل، تؤكد ممارسات التزكية الحزبية غلبة الهواجس الرقمية واقتناص الأصوات عبر إعادة إنتاج ذات الأعيان والنخب التقليدية والترحال السياسي، مما يُفرغ شعارات تجديد النخب وتأنيثها وتطعيمها بالكفاءات التكنوقراطية من مضمونها، ليُكرّس وهيمنة الأوليغارشية الترابية على حساب التحول الديمقراطي والتنموي المنشود.

 

استنتاج وخلاصة
تأسيساً على ما سبق تحليله عبر المحاور المتعاقبة للمقال، يتضح أن المشهد السياسي والانتخابي بإقليم قلعة السراغنة يمثل تجسيداً ميدانياً لعجز المساطر التنظيمية والتشريعية عن إحداث قطع إبستمولوجية مع بنية النفوذ التقليدية.
فعلى مستوى السلوك الانتخابي للناخب، أظهرت المقاربات السوسيولوجية والنفسية والعقلانية أن القرار الانتخابي في المجال السرغيني محكوم إما بـ “التضامن الانقسامي” والولاء للعشيرة، وإما بالتعلق النفسي والشخصاني بـ “الأعيان” بفضل خدمات القرب والجاه، وإما بعقلانية نفعية مبنية على المقايضة المباشرة والزبونية والمنافع الآنية؛ وهو ما يُفرغ العملية الانتخابية من أبعادها التنافسية البرامجية، ويجعل من الوعود التنموية طويلة المدى التي يطرحها الشباب والتكنوقراط خياراً غير جاذب للكتلة الناخبة الحسم.
وعلى مستوى الأحزاب السياسية والتمثيلية، أبان رصد التزكيات عن ارتهان الأحزاب السياسية المركزية لـ “قانون الأوليغارشية الحديدي” وهواجس الربح العددي المضمون؛ حيث يتحول الحزب من مؤسسة للتنشئة والانتقاء الكفء إلى “دكان انتخابي” يمنح التزكية لأعيان محترفين يضمنون المقعد عبر نفوذهم الذاتي وشبكاتهم الزبونية، مع استخدام تقنية “الترحال السياسي” للتفاوض من موقع قوة. وفي ظل هذا المشهد، يتكرس إقصاء الفئات الشابة والأطر، ويُختزل الحضور السياسي للمرأة في مشاركة شكلية تمليها النصوص القانونية للمناصفة لا التمكين الفعلي.
وفي النهاية، يخلص التحليل إلى أن أزمة الانتقال والتداول الديمقراطي ترابياً لا تقف عند حدود النصوص المؤطرة للعملية الانتخابية، بل تعود بالأساس إلى صمود البنيات السوسيولوجية التقليدية واستدامتها، والتي تعيد إنتاج الأوليغارشية المحلية وتحجب الفرصة أمام بروز نخب جديدة قادرة على قيادة التحول التنموي بالمنطقة.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق