في خطوة عسكرية غير مسبوقة، قررت الجزائر إرسال أربع مقاتلات حربية من طراز «سوخوي سو-30» وطائرة للتزود بالوقود جوا إلى النيجر، في تحرك يثير تساؤلات بشأن خلفياته السياسية والعسكرية، خاصة أنه يأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية، يتسم بتنامي النفوذ الروسي في منطقة الساحل وتراجع حضور الجزائر في عدد من عواصم المنطقة.
وأعلنت وزارة الدفاع الجزائرية، في بيان صدر الأحد 30 غشت، إرسال طائرات عسكرية إلى العاصمة نيامي، استجابة لما قالت إنه طلب من السلطات النيجرية، وذلك على خلفية محاولة انقلاب عسكري أعلنت السلطات المحلية إحباطها يوم السبت 29 غشت.
وأوضح البيان أن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، أمر بإرسال دوريتين من الطائرات المقاتلة من نوع «سوخوي سو-30»، تضم أربع طائرات، في مهمة لدعم الجيش النيجري ومواجهة ما وصفته الوزارة بمحاولة لزعزعة استقرار البلاد، مشيراً إلى أن القرار جاء بتوجيهات من الرئيس عبد المجيد تبون.
ولم يتوقف التحرك الجزائري عند الجانب العسكري، إذ أعلنت الرئاسة الجزائرية، الإثنين 31 غشت، أن تبون أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر، عبد الرحمن تياني، أكد خلاله دعم الجزائر له في مختلف المجالات.
ويأتي هذا التطور في وقت كانت فيه القوات الروسية قد تدخلت بدورها في أعقاب محاولة التمرد، وفق ما أعلنته موسكو، حيث ساهمت عناصر «فيلق إفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية في إعادة الهدوء إلى العاصمة النيجرية.
وتكتسي الخطوة الجزائرية أهمية خاصة بالنظر إلى أن علاقتها بالسلطات الحالية في النيجر لم تكن دائماً على هذا النحو. فقد كانت الجزائر من أبرز المنتقدين لإطاحة الرئيس المنتخب محمد بازوم في يوليوز 2023، ورفضت حينها الاعتراف بشرعية الانقلاب، قبل أن تجد نفسها اليوم في موقع الداعم للسلطة نفسها التي سبق أن وصفتها بغير الشرعية.
وكانت الأزمة بين الجزائر ونيامي قد بلغت مستويات متقدمة عقب الانقلاب، بعدما اتهمت السلطات النيجرية الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية، في وقت عارضت فيه الجزائر أي تدخل عسكري محتمل من طرف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» لإعادة الرئيس بازوم إلى السلطة.
كما طرحت الجزائر نفسها آنذاك وسيطاً بين نيامي و«إيكواس»، غير أن السلطات النيجرية نفت بشكل صريح أن تكون قد كلفت الدبلوماسية الجزائرية بهذه المهمة، ما زاد من حدة التوتر بين البلدين.
وتطرح المشاركة العسكرية الجزائرية الحالية سؤالاً أكبر حول التحول الذي طرأ على عقيدة الجزائر التقليدية، التي ظلت لعقود تقوم على رفض إرسال قوات عسكرية إلى الخارج وعدم التدخل العسكري في النزاعات الإقليمية.
وكان التعديل الدستوري الجزائري لسنة 2020 قد فتح الباب أمام إمكانية مشاركة القوات المسلحة خارج البلاد في حالات محددة، لاسيما ضمن عمليات حفظ السلام أو مكافحة الإرهاب في دول الجوار، مع اشتراط موافقة البرلمان وفق الضوابط الدستورية.
غير أن إرسال مقاتلات إلى النيجر، حتى وإن قُدم باعتباره مهمة دعم للجيش النيجري، يضع هذا المبدأ أمام اختبار سياسي وقانوني، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود التدخل العسكري الجزائري خارج الأراضي الوطنية.
ويأتي هذا التحول أيضاً في ظل تراجع علاقات الجزائر مع عدد من دول الساحل، خصوصاً مالي والنيجر، مقابل صعود النفوذ الروسي بشكل لافت في المنطقة، بعدما أصبحت موسكو لاعباً عسكرياً وأمنياً رئيسياً لدى حكومات الساحل الثلاث: مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد زار نيامي في يوليوز الماضي، مجدداً دعم موسكو لتحالف دول الساحل، ومؤكداً استمرار التعاون العسكري والأمني مع الدول الثلاث.
وتنظر الجزائر بعين القلق إلى التحولات الجارية في محيطها الجنوبي، خصوصاً في ظل تنامي حضور موسكو وتراجع الدور الجزائري التقليدي في إدارة أزمات الساحل، وهو ما قد يفسر جانباً من التحرك الجديد تجاه النيجر.
وتزامن هذا التحول مع استقبال الجزائر لرئيس الوزراء النيجري محمد لمين زين أواخر غشت، قبل أن تنتقل، بعد أيام قليلة، إلى خطوة أكثر وضوحاً من خلال إرسال مقاتلاتها إلى نيامي.
ويبدو أن الجزائر تسعى من خلال هذا التموضع الجديد إلى إعادة بناء حضورها في منطقة الساحل، وفتح قنوات جديدة مع الأنظمة التي دخلت معها في خلافات خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع محاولة مجاراة الحضور الروسي المتزايد في المنطقة.
كما لا يمكن فصل هذا التحرك عن التنافس الإقليمي الأوسع حول منطقة الساحل، في ظل سعي المغرب بدوره إلى تعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في هذه المنطقة، من خلال مبادرات وشراكات تستهدف ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.
وبذلك، قد لا يكون إرسال أربع مقاتلات جزائرية إلى النيجر مجرد خطوة عسكرية ظرفية مرتبطة بمحاولة الانقلاب، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، تستهدف إعادة تقديم الجزائر كفاعل أمني قادر على التحرك في محيطه الإقليمي، وفي الوقت نفسه استعادة جزء من النفوذ الذي فقدته خلال السنوات الأخيرة.
