في ذروة الحرب الباردة، حين انقسم العالم إلى معسكرين متناحرين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة بينما يتبع الآخر الاتحاد السوفياتي، اختار الملك الحسن الثاني أن يلعب ورقته الخاصة بهدوء ودهاء. حول الملك الراحل ورقة القواعد العسكرية التي ورثها المغرب المستقل إلى ورقة تفاوض، وجعل منها ورقة ضغط مرنة على أكثر من جبهة، إلى حد أن تقريرا استخباراتيا أمريكيا، اعتبر حينها أن الملك الحسن الثاني استفاد من القواعد العسكرية الأمريكية بالمغرب، أكثر مما استفاد منها الأمريكيون أنفسهم.
وخلال التحولات الجيوسياسية التي شهدها العالم منتصف السبعينات، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لإعادة تقييم وجودها العسكري في شمال إفريقيا، وتحديدا في المغرب. فبعد عقود من استغلال قواعد استراتيجية مثل القنيطرة وسيدي يحيى، اتخذت وزارة الدفاع الأمريكية سنة 1976 قرارا بإغلاق تلك المنشآت. لكن هذا القرار لم يكن مجرد انسحاب لوجستي، بل مثل لحظة كشفت عن توازنات دقيقة بين المصالح العسكرية، وتطلعات المغرب السيادية، وخلفيات التوتر الإقليمي مع الجزائر، والتحديات المرتبطة بالصحراء.
في تقرير داخلي أعد بتاريخ 26 غشت 1976، أشارت وزارة الدفاع الأمريكية إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية لقواعدها البحرية بالمغرب، وعلى رأسها قاعدة القنيطرة، التي بلغت تكاليف إدارتها 12.5 مليون دولار زيادة على مصاريف أخرى مرتبطة بها، من بينها إدارة مدرسة الاتصالات التابعة للقوات المسلحة الملكية، والتي تصل إلى 256 ألف دولار موزعة بين مصاريف الصيانة (56 ألف دولار)، وأجور 18 عسكريا أمريكيا (198 ألف دولار)، لذلك قررت إغلاقها بحلول شتنبر 1978.
رغم القرار، أوصت سفارة الولايات المتحدة بالرباط بضرورة “إغلاق القاعدة بطريقة عقلانية”، لتجنب أي انطباع مغربي بتراجع الاهتمام الأمريكي، كما اقترحت مرافقة الإغلاق بحزمة مشاريع بديلة، تتضمن إنشاء محطات جديدة وطلب امتيازات عسكرية من المغرب، لضمان استمرار التعاون الثنائي.
في مقدمة المشاريع المطروحة، برز مشروع إنشاء محطة لمراقبة الفضاء، اعتبره الأمريكيون ذا طابع “غير عسكري رمزي”، واقترحوا أن يقام في منطقة داخلية مغربية بدل القنيطرة. كما تم عرض فكرة استخدام الموانئ والشواطئ المغربية في تدريبات الإنزال البحري لقوات المارينز، التي تفتقر لمناطق تدريب مناسبة في البحر المتوسط.
بموازاة ذلك، قدمت هيئة الأركان الأمريكية اقتراحين لإنشاء مركز تدريب تكتيكي للقوات الجوية وقاعدة أمامية للقيادة الجوية الاستراتيجية، غير أن السفارة حذرت من أثرهما على صورة المغرب بين دول العالم الثالث، خصوصا في ظل معارضة داخلية مغربية محتملة.
بحسب وثائق الخارجية الأمريكية، كان الملك الحسن الثاني مستعدا لقبول مقترحات عسكرية أمريكية، بشرط أن يقابل ذلك بدعم مالي وعسكري واضح، خاصة في ظل اشتداد النزاع حول الصحراء، لكن السفير الأمريكي كان له رأي آخر. “إن كثرة الانتقادات قد تضعف مصداقية المغرب وفائدته بالنسبة إلى الولايات المتحدة في العالم الثالث. مثل هذه الانتقادات في هذا الوقت قد تضر أيضا بآمال المغرب في الحصول على دعم دول العالم الثالث لمطالبه بالسيادة على الصحراء. لهذه الأسباب، فإن التوسع الكبير في دورنا العسكري في المغرب لن يكون دون تكلفة، وإذا وافق الحسن الثاني على واحد أو أكثر من مقترحات وزارة الدفاع، فقد يكون الثمن الذي يطلبه من حيث المساعدة المالية، ومبيعات الأسلحة، والدعم لسياسة المغرب في الصحراء، أكبر مما نحن مستعدون لدفعه.
علاوة على ذلك، هناك احتمال، يقول السفير الأمريكي، من أن تؤدي المنشآت التدريبية العسكرية الأمريكية الموسعة والواضحة الصلة بالقتال في المغرب إلى استفزاز الجزائر أو ليبيا لتقديم منشآت مماثلة للاتحاد السوفييتي. “وقد أفادت سفارة الجزائر أن القادة الجزائريين قلقون بشدة من دورنا كمورد رئيسي للأسلحة للمغرب، وقد حذروا مرارا من أن هذا سيؤثر سلبًا على مصالحنا الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد في الجزائر”.
