•   تابعونا على :

الساعة.. خلفيات صرخة التلاميذ في وجه الحكومة

* خالد فتحي2018/11/13 22:00
الساعة.. خلفيات صرخة التلاميذ في وجه الحكومة

لا ينبغي أن نستهين بالمعاني الكامنة في ثورة التلاميذ الصغيرة في شوارع المدن المغربية على مدى عدة أيام احتجاجا على ما أصبح يدعى توافقا بالساعة الجديدة. إنها مؤشر على كثير من الأمور الجدية والخطيرة، وعلى العديد من التحولات العميقة التي أخذت تموج داخل المجتمع، مؤشرات توشك أن تعلن عن نفسها في أشكال تعبيرية اكثر تطورا ووضوحا وصدامية.


خروج التلاميذ دليل قاطع على أن هناك امتعاضا واحتقانا قد بلغا مداهما في المغرب، وفي قطاع التعليم تحديدا، و برهان ساطع على أن هناك قناعات قد تبلورت، وأزف وقت طفوها على السطح، وأن أجيالا جديدة ستفصح عن وجودها داخل المجتمع، و إننا لا ندري هل ستكون هذه الأجيال نذير شؤم سيرهق البلاد احتجاجا وتنطعا أم بشير خير سيرفع من حيويتها ومناعتها، وعموما يمكن أوليا استخلاص ما يلي:


- الساعة الجديدة أو التوقيت الصيفي الدائم ليس سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، أو القطرة التي أفاضت الكأس، فقد كنا دائما نعاني من الساعة، و مع ذلك لم يحدث أن فكر أحد أن يجعلها مما يجب أن يحتج عليه بالمسيرات والشعارات كما هو الحال بالنسبة لما يجري بالقطاعات الاجتماعية كالصحة والشغل وظروف العملية التعليمية، إلى أن فعل التلاميذ هذا الشكل الجديد من الاحتجاج ربما لأنهم الفئة الأكثر تضررا بهذا الإجراء أو الاكثر تحولا نحو الهشاشة بسببه، بعد أن تمكن من جعلهم مغتربين عن أسرهم طول اليوم، بحيث عوض أن يكون التعليم متعة يقبلون عليها بنهم ورغبة ترسخ مع تراكم المشاكل و بعد قدوم الساعة إلى شقاء ونكد ووجبة ينفرون منها فرار الكافر من الموت. إنه إعلان عن هروبهم من تعليم لم يعد يستهويهم ولا يجدون أنفسهم فيه بل و أصبحوا لا ينتظرون أو يتوقعون منه شيئا. 


- إن هناك توترا كبيرا في المدرسة المغربية وقلقا يقض مضاجع الأسر من المستقبل. هذا القلق لم يبق مقتصرا على رجال ونساء التعليم بل امتد إلى التلاميذ مما يدل أن التعليم يعيش أزمته الكبري. ولربما يكون الخرق قد اتسع عن الرتق. فالواضح أن هناك كفرا بالنظام التعليمي خصوصا بعد النقاش المبتذل الذي احتدم مع بداية الدخول المدرسي حول العامية والبغرير والبريوات مما أعطى الانطباع أن لغة الشارع يمكنها أيضا أن تلج قاعات الدرس مما لم يعد معه حرج بعد ذلك أن تخرج قاعات الدرس أو التلاميذ بدورها إلى الشارع نفسه للتماهي معه. لم يعد التلاميذ بسبب البغرير يفرقون بين الشارع والمدرسة.. لقد تم تبخيس العملية التعليمية والنزول بها من علوها بذاك النقاش البذيء بشكل أفقدها رونقها وبهاءها وعجل بثورة التلاميذ الذين لم يعودوا يحسون أنهم يقبضون بأيديهم على شيء نفيس. لقد صدم التلاميذ بالدراجة وهي تقتحم عليهم مقرراتهم و قاعات درسهم، وما هذه الاحتجاجات ضد الساعة الآن إلا اضطراب ما بعد صدمة البغرير. 


- تأثر الأطفال وإصابتهم بعدوى الاحتجاجات التي لا تنقطع في المغرب والتي إن لم يعاينوها مباشرة جاءتهم عبر وسائل الإعلام أو نفذت إليهم من مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الاحتجاجات التي لا يبدو أن للحكومة دواء شافيا لها غير بعض المسكنات قد أصابت من فرط تكرارها الأطفال ونحولها لطقس يومي بتوتر وقلق بالغين وربما بالاكتئاب مما سبب خروجهم العارم. إنه اضطراب ناجم أيضا عن تأثر الأطفال والتلاميذ بحالة الأسى التي تخيم على الفئة الجديدة المغبونة لرجال التعليم من الأساتذة المتعاقدين الذين لا يشعرون بالأمان و يخافون المستقبل، فكان أن نقلوا هذا الشعور المتوتر دون قصد بالطبع لتلاميذهم.


- اقتصار الاحتجاجات على أبناء المدرسة العمومية دون المنتسبين للمدارس الخصوصية والبعثات الأجنبية يدل أن ليس لنا فقط مساران مزدوجين في التعليم فقط، بل لنا نفسيتان للمتعلمين تتجليان في هذين السلوكين المتباينين. و لربما سيكون لنا قريبا هويتان متصارعتان في المستقبل إن لم نتدارك الأمر ونوحد و نوفر نفس مستوى التعليم لكل أبناء الوطن في القطاعين.


- خروج التلاميذ الذين هم نظريا قاصرون و لا زالوا قانونيا تحت ولاية الأبوين، لدليل على انهيار نمط آخر من الوساطة بعد انهيار وساطة الأحزاب التي تسببت لنا في الكثير من المشاكل في السنتين الأخيرتين، وهي وساطة الآباء والأسر الذين تواروا إلى الخلف تاركين الوزارات الوصية تواجه الجماهير الغضة اليافعة.


هذا الاضمحلال في دور جمعيات الآباء يدل على تفشي اللامبالاة والعجز إلى الكثير من مؤسساتنا التنظيمية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية التي نعول على أدائها في الأزمات فتخذلنا في الوقت الميت، ولذلك صارت الدولة مع انهيار الأسرة في تماس مباشر مع الأجيال الصاعدة مما يفرض إصلاحا عميقا وواقعيا للأسرة بعيدا عن الانسياق وراء السائد من الوصفات اللامعة فليس كل ما يلمع ذهبا. التشرد والوقوع في حب الشارع يبدأ الآن من الأسرة المفككة.


- انتقال حلم الهجرة الذي اكتسح مؤخرا مخيلات البالغين ولغم احلامهم الى الأطفال. و اذا كان أولئك يرومون الهجرة للغرب الذي يتلألأ لهم براقا وراء البحار فالتلاميذ نفذوا هجرتم إلى الشارع لأنها الهجرة التي يقدرون عليها بإمكانياتهم الصغيرة. إننا نخلق أجيالا لا تعيش بعقولها في المغرب بل بأحسامها فقط، اجيالا قد ضمر ولاؤها للوطن وضعف انتماؤها النفسي إليه لأنها لا ترى انه سيضمن لها مستقبلها.


- الأطفال ينقلون أيضا الامتعاض الذي يحسونه داخل البيوت على أفواه آبائهم من سياسات الحكومة ويصدرون حالة اليأس المعششة داخل الأسر ويفضحون عجزها الكبير بأن تولوا زمام المبادرة وقرروا الاحتجاج بأنفسهم. إنه الانهيار الأخير للسلطة الأبوية الممثلة خصوصا في الأب، وإنه الانقسام أو الانفجار الأخير في الأسرة النووية التي تتبعثر الآن و تتشظى أفرادا، وعما قريبا سنسمع عن الأبناء الذين يغادرون الأسرة مبكرا كما في الغرب بمجرد بلوغهم سن الرشد. هذه تحولات قادمة لا ريب فيها، و لها تكاليف اقتصادية، وترتيبات مجتمعية يجب توضيبها فماذا أعددنا لها؟؟ بالطبع لا شيء ... تصلنا التحولات الجديدة وما فرغنا أو استوعبنا القديمة.


ومع ذلك لن نقول في الحكومة مثل ما قال مالك في الخمر، هناك أيضا مؤشرات من نوع آخر يبقى ممكنا ومشروعا استنتاجها:


أولها أن التلاميذ والأطفال أبانوا عن نضج مبكر وعن وعي متزايد بحقوقهم وهذا يحدث في المجتمعات التي تعيش أزمات اقتصادية واجتماعية من النوع التي يقولون عنها أنها تشيب لهولها الولدان قبل الأوان. وها هم أطفالنا قد شابوا قبل الموعد. ولذلك علينا أن نفكر في تخفيض سن التصويت سنة أو سنتين بعدما تبين أن الطفل المغربي مع هذه الحكومة لم يعد طفلا وربما سيكون عليه اذا استمرت الحكومة في جمودها أن يولد رجلا من بطن أمه لعله يقاوم ما سيواجهه من مثبطات ومن ديون الآن تترتب عليه منذ صرخته الاولى في الحياة. فعسى ربنا يحفظنا في المستقبل من احتجاجات الرضع والرضيعات. 


أن هذا الاحتجاج التلاميذي في وجه الحكومة يكفي لوحده. لتقييم أدائها. حكومة تقتل الأمل في النفوس. متخصصة في التشخيص ووصف الداء دون تقديم العلاج. عاجزة عن إنصاف الشعب، فبالأحرى إسعاده، لا ترسم أفاقا، ولا تتبنى استراتيجيات، تدبر اليومي، و تشغل الناس فوق هذا بمشاكل تافهة تضيع فيها طاقتها وطاقة المجتمع .


ومع ذلك ينبغي أن نقول إن جزءا من انتفاضة التلاميذ ضد هذه الساعة الملعونة ناجم أيضا عن عدم قدرة الأسر في التحكم في الهواتف الذكية لأبنائها وولوجهم إلى الفايسبوك وتويتر وانستغرام إلى وقت متأخر من الليل. فكيف يستيقظون صباحا أو عفوا في الهزيع الأخير من الليل وهم يدمنون مثل هذه المنبهات العصرية التي افرزها ( آخر الزمان ) ؟؟ إنه المستحيل بنفسه أن يستفيقوا. و لذلك نحن بحاجة إلى توعية كبرى للأسر والى استبدال هذه العادات المحدثة باستعجال، والى استعادة صرامة الأب داخل البيت اليوم قبل الغد لنحررهم من الاستعمال السيء لوسائل التواصل الاجتماعي التي لا نراقب ما تحشو به أدمغتهم.


لقد ساعدتهم هذه الوسائط الاجتماعية من إنفاذ نقد لاذع وسخرية سوداء وصلت احيانا حد التهجم على الحكومة التي امطروها بوابل من الدعاء الطالح وتنابزوا مع عدد من وزرائها.. سخرية امتدت احيانا إلى جلد قاس للذات مما يستشف منه أن هناك تحورا حقيقيا في نفسية الشعب المغربي الذي لم يعد يشعر بالأنفة والثقة بالنفس بقدر ما أصبح يجلد نفسه ويبخسها. 


إن ثورة التلاميذ الحقيقية في رأيي يجب أن تكون ضد الهدر المدرسي و ضد البيداغوجيا البليدة غير الفارزة للأجيال التي يعول عليها. علينا أن نفكر وباستعجال وبكل وطنية وذكاء وبعيدا عن الديماغوجية في إحداث انقلاب عميق في التعليم لأنه السبيل الوحيد لإنقاذ المستقبل وتحصينه. علينا أن نحبب المدرسة للتلاميذ، أن نجعلها عشيقتهم التي لا يبغون عنها بدلا بأن ندفعهم الى أن يجدوا فيها ذاتهم... أن يعثروا فيها على هويتهم... ويتشربوا فيها قيمهم الاصيلة ويحبوا فيها وطنهم حتى النخاع.... لا أن يهربوا منها ويكرهوها ويفروا منها وذلك أولا بأن نلغي الامتحانات حتى نهاية الابتدائي وان لا تكون هناك واجبات مدرسية في المنزل ثانيا. فالمنزل للأسرة واللعب حتى لا يشعر التلميذ بأن المدرسة عبئ عليه ولا ترتبط لديه بمفهوم الجزاء والعقاب، ويحس أن الدراسة ليست لأجل لقمة العيش والتدافع، بل هي هبة من الوطن لبراعمه التي ستشكل الغد. وهذا يحتم الاهتمام بالمعلم الذي يجب أن يكون له نفس أجر وتقدير الأطر العليا، لأنه هو من يضع الأساسات الصلبة، إنه من يصنع الأطباء والمهندسين والوزراء. سنين الابتدائي هي سنين الحسم. 


لقد خرج التلاميذ إلى الشوارع، وحتما سيعودون لمدارسهم، بعدما ينفسون عن إحباطاتهم، وبعدما يعبرون عن احتياجاتهم التي تتعدى بكثير مسألة الساعة .. ولكن هل التقطت الحكومة الرسائل البليغة للأطفال، أم ستظل حليمة مواظبة على عادتها القديمة ؟ 


*بروفيسور بكلية الطب بالرباط باحث في العلوم السياسية.

 

تعليقات الزوار ()