سبتة.. حين يصبح البحر أقصر من الحلم وأطول من حياة أم

 

 

عادل الحامدي

كاتب ومحلل سياسي تونسي

 

تريثت في الكتابة عن سبتة. لم أشأ أن أكتب بينما كانت البيانات تتوالى، والأرقام تتضخم، والصور تتدافع، والحدود تضج، وكل طرف يسارع إلى تثبيت روايته لما جرى. فضّلت أن أنتظر قليلا، حتى تهدأ البيانات، ويستفيق الجميع من هول ما حدث، وحتى يصبح ممكنا أن ننظر إلى المأساة بعين الإنسان لا بعين الخبر العاجل. فبعض الأحداث أكبر من أن تُكتب على عجل، وبعض المآسي تحتاج إلى أن يهدأ ضجيجها الخارجي حتى نسمع صوتها الحقيقي في الداخل؛ صوت أم تنتظر، وأب لا يعرف ماذا يقول، وبيت تغير فيه شيء إلى الأبد.

ليس كل من ذهب إلى سبتة كان يريد الهجرة، بالمعنى البارد الذي تختصره البيانات الرسمية في خانة “الهجرة غير النظامية”. بعض الذين ابتلعهم البحر لم يكونوا يبحثون عن جواز أوروبي بقدر ما كانوا يبحثون عن فرصة للحياة؛ عن عمل لا يذل، وعن أفق لا يبدو مغلقا، وعن صباح يستحق أن يستيقظوا من أجله.

وفي الأيام الأخيرة من تموز/يوليو، حين اندفع عشرات الآلاف نحو سبتة، بدا المشهد أكبر من موجة هجرة، وأقرب إلى انفجار جماعي لحلم مؤجل؛ حلم كان البحر، في لحظة يأس جماعية، يبدو فيه أقرب من المستقبل.

لكنني لا أريد أن أكتب هذه السطور عن الأرقام. الأرقام ضرورية للخبر، لكنها عاجزة عن حمل الحزن. الرقم لا يخبرنا عن أم قضت الليل واقفة قرب الباب، ولا عن هاتف ظل صامتا، ولا عن أم سألت جارتها: “هل عاد ولدك؟”، وهي تعرف أن السؤال في الحقيقة ليس عن ابن الجارة، وإنما عن فلذة كبدها هي.

أريد أن أكتب عن تلك الأم التي تشبه أمي وهي تنتظر ابنها.

أريد أن أتخيلها في بيت مغربي عادي، لا تختلف كثيرا عن بيوتنا؛ ربما وضعت براد الشاي حتى برد، وربما بقي طبق الطعام كما هو، وربما كانت ترفض أن تصدق أن ابنها ذهب فعلا إلى البحر.

كانت تعرف، في مكان عميق من قلبها، أن الطريق خطير، لكنها ربما لم تكن تملك الكلمات التي تستطيع بها أن تقول له: “لا تذهب”. وربما قالتها، فقال لها: “سأعود”. وربما لم يقل شيئا أصلا.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. فالموت في البحر لا يترك جثمانا دائما يمكن أن تحتضنه الأم للمرة الأخيرة. يترك سؤالا. يترك احتمالا. يترك بابا لا يغلق تماما، وهاتفا يُراقَب، ووجها يبحث في الصور، وأما لا تعرف هل تبكي أم تنتظر.

وأنا لا أكتب عن المغرب من موقع العابر، ولا أنظر إليه من وراء زجاج الأخبار البارد. أحب المغرب الأقصى.. أحب أرضه وأهله، وأحب في المغاربة ذلك المزيج الفريد من الكرامة والطيبة والكبرياء والقدرة على احتمال الصعب دون أن يفقدوا روحهم. وأشاركهم الحلم بأن يكون هذا الوطن أوسع من اليأس، وأقرب إلى أبنائه، وأكثر قدرة على أن يمنحهم سببا للبقاء كما يمنحهم سببا للفخر.

ولهذا بالذات يوجعني ما حدث. فمحبة المغرب لا تعني أن نصفق لكل شيء، ولا أن نغض الطرف عن الأسئلة الصعبة حين تصبح حياة أبنائه على المحك.

محبة المغرب، في نظري، أن نريده بلدا لا يضطر فيه شاب إلى النظر طويلا نحو البحر بحثا عن مستقبل، ولا تضطر فيه أم إلى النوم وقلبها معلق بهاتف قد يأتي منه خبر لا تريد سماعه.

وقد تحدثت أصوات مغربية جادة عن مسؤولية الدولة في صناعة الأمل، وعن ضرورة أن يشعر الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى هنا، لا أن يكون دائما شيئا يقع في الضفة الأخرى.

وهذا نقاش سياسي واقتصادي واجتماعي لا يمكن الهروب منه. لكنني، في هذه اللحظة، أريد أن أذهب إلى ما هو أبعد من السياسة وأقرب إلى الإنسان. لأن السياسة تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.

حين يذهب شاب إلى البحر، لا ينبغي أن نسأل فقط: من حرّكه؟ ومن نشر الدعوة؟ ومن فتح الطريق؟ ومن أخطأ في ضبط الحدود؟ كل هذه الأسئلة مهمة، وستأتي لحظتها. لكن السؤال الأول يجب أن يكون: لماذا وصل هذا الإنسان إلى اللحظة التي صار فيها مستعدا للمجازفة بحياته من أجل احتمال؟ لماذا يصبح البحر، بكل ما فيه من موت، أقل رعبا من البقاء؟

هذا السؤال لا ينتقص من المغرب، ولا ينتقص من منجزاته؛ بل ينطلق من الحرص عليه، ومن الرغبة في أن يكون وطنا أكثر قدرة على إقناع أبنائه بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى فيه، وأن أحلامهم لا تحتاج بالضرورة إلى عبور البحر.

لا أحد يطلب من الدولة أن تمنح كل شاب وظيفة فورا، ولا أحد يملك عصا سحرية لتحويل الاقتصاد إلى جنة. لكن الدول لا تُقاس فقط بعدد الطرق والموانئ والملاعب والمشاريع؛ تقاس أيضا بقدرتها على صناعة الثقة. الثقة بأن الاجتهاد يمكن أن يقود إلى مكان، الثقة بأن الفقر ليس حكما أبديا، الثقة بأن ابن القرية أو الحي الشعبي يستطيع أن يحلم دون أن يكون حلمه مشروطا بمغادرة وطنه، والثقة، قبل كل شيء، بأن المستقبل ليس حكرا على آخرين.

ما حدث في سبتة يجب ألا يُختزل في عبارة “أزمة هجرة”..

فالذين وصلوا، أو حاولوا الوصول، لم يكونوا كتلة بشرية مجهولة. كانوا أبناء وبنات لأسر مغربية، وإخوة وأصدقاء، وطلابا وعمالا وعاطلين، وأشخاصا ربما أخطأوا في تقدير الخطر، لكنهم لم يخطئوا في شيء واحد: الرغبة في حياة أفضل..

لقد عاد معظم الذين عبروا إلى المغرب. عادوا، كما تقول التقارير، لكنهم لم يعودوا بالضرورة كما ذهبوا. عادوا يحملون الخيبة، وربما الخوف، وربما جراحا لا تظهر في الصور.

وتحدثت تقارير عن الجوع والعطش والعيش في ظروف قاسية خلال الأزمة. أما الذين لم يعودوا، فقد تركوا وراءهم شيئا أثقل من الجثامين، تركوا أما، وتركوا أبا، وتركوا إخوة، وتركوا كرسيا فارغا إلى مائدة الطعام، وتركوا برادا لم يعد له جليس إلا الذكرى الحزينة.. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل المأساة إنسانية.

البراد الذي كان يُفتح عشرات المرات في اليوم، وصوت الابن وهو يسأل عن الطعام، وحذاؤه عند الباب، وسريره الذي لم يعد يختل من نومه، وصورته على الهاتف التي تتحول فجأة من صورة عادية إلى أثر.

هناك، في تلك البيوت، لا توجد “أزمة حدود”.. هناك فقط أم تنتظر. ولا أعتقد أن من حقنا أن نحاكمها لأنها لم تستطع إقناع ابنها بالبقاء، كما لا يحق لنا أن نحاكم الشاب الذي حلم. فالإنسان عندما تضيق أمامه الخيارات قد يختار طريقا لا يختاره لو كان الأمل وفيرا.

من هنا، فإن مأساة سبتة يجب أن تكون مناسبة لمراجعة أعمق من الإجراءات الأمنية، الأمن ضروري، وضبط الحدود مسؤولية الدول، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر واجب لا جدال فيه، لكن الأمن وحده لا يصنع وطنا آمنا في وجدان شبابه. الأمن يحرس الحدود، أما الأمل فيحرس الإنسان من أن يريد عبورها بأي ثمن.. وهذه، في تقديري، هي المسألة الاستراتيجية الأهم.

إن المغرب الذي نريده قويا، مستقرا، واثقا من مستقبله، يحتاج إلى أن يجعل أبناءه يرون قوتهم ومستقبلهم داخل وطنهم. لا يكفي أن نقول للشاب: “لا تذهب إلى البحر”.. يجب أن نمنحه أسبابا تجعله يقول بنفسه: لماذا أذهب؟

وهنا لا يتعلق الأمر بالاقتصاد وحده. إنها مسألة علاقة بين المواطن والدولة، وبين الشاب والمستقبل، وبين الإنسان والمكان الذي ولد فيه. حين يفقد الشاب الإحساس بأن وطنه قادر على منحه فرصة، يصبح البحر أكثر من بحر. يصبح وعدا، حتى لو كان وعدا كاذبا، وهذا هو أخطر ما في المأساة. أن يتحول الموت إلى احتمال مقبول عندما يصبح المستقبل مجهولا.

لقد أنفقت دول كثيرة مليارات على بناء المدن والطرق والبنى التحتية، لكنها اكتشفت أن بناء الإنسان أكثر تعقيدا من بناء الإسمنت. فالطريق السريع يمكن أن يختصر المسافة بين مدينتين، لكن لا شيء يختصر المسافة بين شاب فقد ثقته بالمستقبل ووطن يريد منه أن يبقى.

تلك المسافة لا تُردم إلا بالعدالة والفرص والتعليم والعمل والكرامة، وتلك، في جوهرها، ليست فقط سياسات اجتماعية، إنها استراتيجية وطنية لصناعة الاستقرار. ولهذا فإن الحديث عن سبتة يجب ألا يبقى محصورا في لغة الحدود والأمن والهجرة.

ينبغي أن نفتح، بهدوء ومسؤولية، سؤالا أكبر: أي مغرب نريد لأبنائنا بعد عشر سنوات؟ مغربا ينجح في منعهم من الوصول إلى البحر؟ أم مغربا يجعلهم لا يريدون الوصول إليه أصلا؟

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين إدارة الأزمة وصناعة المستقبل. وأنا، حين أكتب عن المغرب، لا أبحث عن عيوبه لأشهر بها، ولا عن أخطائه لأدين أهله. أكتب لأنني أتمنى له ما يتمناه المرء لبيت يحبه: أن يظل عامرا بأبنائه، وأن يجد شبابه فيه مكانا لأحلامهم، وأن لا يصبح الطريق إلى المستقبل طريقا إلى البحر.

أشارك المغاربة حلمهم بمغرب أكبر من الخوف، وأوسع من البطالة، وأقوى من اليأس؛ مغرب يستطيع أن يجمع بين طموح الدولة وكرامة الإنسان، وبين المشاريع الكبرى والحياة اليومية البسيطة التي يريد فيها شاب أن يعمل، وأن يتزوج، وأن يبني بيتا، وأن يفتح ثلاجته في آخر الليل دون أن يخطر له أن البحر قد يكون أرحم من الغد.

وأعرف أن الكلام عن الأمل أسهل كثيرا من صناعته. لكن الأوطان العظيمة هي التي تعرف أن الأمل ليس ترفا، الأمل سياسة، والأمل اقتصاد، والأمل أمن قومي، والأمل، قبل كل شيء، حق إنساني.

وفي النهاية، قد تهدأ أمواج سبتة، وقد تعود الحدود إلى صمتها، وقد تنتهي عمليات العودة، وقد تتبادل مدريد والرباط البيانات، وقد تنشغل أوروبا بأمن حدودها. وقد تحدث كل الأشياء التي تحدث عادة بعد الأزمات. لكن هناك أمهات لن تنتهي أزمتهن. هناك باب سيظل مفتوحا في انتظار شخص لن يدخل. وهناك هاتف ستبقى عين ما معلقة به. وهناك سرير سيظل محتفظا بذاكرة صاحبه. وهناك براد سيظل شاهدا على أن شابا كان هنا ذات يوم.

رحم الله من رحلوا، وربط على قلوب أمهاتهم، وحفظ المغرب وأهله من كل وجع.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق