حوار.. أغماني: فوجئت بهاتف يدعوني للاستوزار ولهذا غادرت الاتحاد الاشتراكي

 

في هذا الحوار، يكشف ذ. جمال أغماني، وزير التشغيل الأسبق في حكومة عباس الفاسي ما بين 2007 و2011 عن كواليس إعداد وإصدار كتابه “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس ـ مذكرات وشهادات” والذي يتناول فيه مساره داخل الشبيبة الاتحادية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حتى استقالته منه عام 2015. أغماني الذي سبق له أن شغل مسؤوليات قيادية داخل الشبيبة الاتحادية وفي قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أوضح لـ “الأيام” كيف جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب، معترفا بأن التسرع في طبعه أسقطه في أخطاء لغوية وحتى من حيث المعلومات ما سيجعله يأخذ ذلك بعين الاعتبار خلال الطبعة الثانية.

 

 

بداية، لماذا كتاب “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس” وكيف جاءت فكرة تأليفه كمذكرات لمسارك السياسي والعملي؟

مشروع هذا الكتاب كان بسيطا وغير مقرر إصداره في الأصل. كل ما في الحكاية أنني كنت يوما بالقاهرة في إطار مهمة مع منظمة العمل الدولية وصادف أن كان هناك يوم عطلة. ذهبت إلى إحدى المقاهي ومن عادتي ألا يفارقني حاسوبي. يومها كان الطقس حارا ومن الصعب التجوال في الشوارع. جلست في المقهى وفكرت وقلت لنفسي: لماذا لا أكتب عن طفولتي لكي يعرف أطفالي وأحفادي عنها. بدأت في تنفيذ الفكرة وفي الواقع كتبت أكثر من 70 صفحة ثم وجدت نفسي أنتقل إلى مرحلة الدراسة الابتدائية والثانوية التي تفتح فيها وعيي الأول مع السياسة في إطار الانخراط بالقطاع التلاميذي للشبيبة الاتحادية حيث تزامن ذلك مع حادثة اغتيال الشهيد عمر بنجلون والتي عشنا تفاصيلها، وكنت ممن حضروا الذكرى الأربعينية لاستشهاده والتي تميزت بإلقاء قصيدة للشاعر المصري أحمد معطي حجازي وهي موجودة في الكتاب.
نسيت ما كتبته، بحكم انشغالي بعملي كمستشار دولي، لكن بقي بعض الأصدقاء يلحون علي بضرورة الكتابة، خاصة كل من: حسن طارق وعبدالمقصود الراشدي وحسن نجمي، لكني كنت مقتنعا بأنني إذا كنت سأقوم بذلك، فلا بد من أن اكتب أيضا عن مرحلة تحملي للمسؤولية الحكومية. كنت في بعض الندوات واللقاءات أقدم عروضا حول تجربتي كوزير. مشاركات جعلتني أتحرر شيئا فشيئا من مقولة “المجالس أمانات” حيث وجدت نفسي أتحدث عن كواليس الحوار الاجتماعي مع النقابات وهذا شجعني على تجاوز كل التحفظات التي كانت، وبذلك استمررت في الكتابة ثم تذكرت المرحلة التي كنت فيها مرشحا للانتخابات أعوام 1993 و1997 وكيف انتخبت نائبا برلمانيا في سلا عام 1997، وكيف ألغي المقعد الذي فزت به، كما كتبت عما حدث في هذه المرحلة علما أنه كان لدي التزام أخلاقي اتجاه السي عبدالرحمان اليوسفي بخصوص هذا الأمر، منذ أن سلمته الوثائق المتعلقة بالدائرة التشريعية المزرعة التي صدر فيها قرار إلغاء انتخابي حيث اعتبرت بأن قرار المجلس الدستوري جاء معيبا وفيه أخطاء مادية. اليوم بعد مرور 27 عاما على ذلك، فإن المغرب تغير كثيرا، وقلت لا بأس من إطلاع الرأي العام على ما حدث لأنه لم تتح لي الفرصة في تلك الفترة بسبب التزامي الأخلاقي مع اليوسفي خاصة وأن هذا القرار لا يمكن أن تنازع فيه.
كان عندي طلب واحد هو أن لا أترشح مرة أخرى لكن عند إعادة الانتخابات لم يترشح المرشح الذي تقدم بالطعن ضدي في مفارقة غريبة ليتقدم السيد عبدالإله بنكيران وهو الذي لم يكن مرشحا في انتخابات 1997، وجرت الانتخابات التي فاز بها بفارق ضئيل عني لم يتجاوز 200 صوت.

 

كيف عشت مرحلة الإعادة، وكيف تفاعل معك سكان الدائرة؟

كان الناس يتساءلون حول أسباب إعادة الانتخابات في غياب التزوير الذي لم يشر إليه قرار المجلس الدستوري الذي استند على وجود خطأ في احتساب الأصوات. اضطررت طوال الحملة الثانية لشرح هذا القرار للمصوتين رغم أنه لم يكن مقنعا. لكن بعد ذلك جاءت فترة التحاقي بوزارة التشغيل التي كانت محطة هامة في مساري بحكم اهتمامي بالحوار الاجتماعي الذي وجدت نفسي، صدفة، أدبره، وشكل في مساري المهني عنصرا أساسيا حتى اليوم بعد خروجي من الوزارة وعملي مع منظمة العمل الدولية والعربية.

 

هل كان استوزارك أيضا صدفة خاصة وأنك عبرت عن استغرابك لاقتراحك أن تكون ضمن تشكيلة حكومة عباس الفاسي عندما قابلت محمد اليازغي في بيته؟

بكل صراحة لم أكن أتوقع ذلك، بدليل أنني لم تكن لدي حتى سيرة ذاتية معدة لهذا الغرض. وعندما قابلت السي اليازغي قمت بإعدادها بسرعة. كنت أعتقد أن السي اليازغي كان سيطلب مني المساهمة في إعداد البرنامج الحكومي، بحكم السرعة التي طلب مني بها مقابلته، لأفاجئ بأنني مقترح لأن أكون وزيرا للتشغيل وهي مهمة صعبة لم أكن أنتظرها، كما قلت له، لكنه أكد لي بأن لدي التجربة التي تمكنني من شغل هذا المنصب بحكم عملي السابق إلى جانب خالد عليوة في ديوانه بنفس الوزارة.

 

في 15 أكتوبر 2007 وهو اليوم الذي أديت فيه القسم كوزير ذهبت إلى منزل والدتك بحي القبيبات بالرباط قبل توجهك إلى القصر الملكي، وقالت لك والدتك أنها كانت تتمنى لو كان والدك حيا، فكيف كانت علاقتك بوالدك الذي قلت بأنه كان متعاطفا مع الاتحاد الاشتراكي؟

الوالد كان من طينة خاصة. كان سائق سيارة أجرة ارتبطنا به ارتباطا عاطفيا، ويمكن أن أقول لك أنه كان همه ليس “الطاكسي” الذي يعمل به، ولكن أولاده. نحن كنا ندرس في مدارس محمد الخامس وكان ينقلنا ذهابا وإيابا، ونفس الأمر عندما انتقلنا إلى ثانوية الحسن الثاني وكذا الجامعة.

 

هل كان والدك ناصريا خاصة وأنك قلت بأنه استمد اسمك من اسم جمال عبدالناصر؟

أبدا، لكن اسم جمال كان شائعا في تلك الفترة مع نجاح ثورة الضباط الأحرار.

 

317 عنوانا في الكتاب، وفي بعض الأحيان نقرأ مجرد انطباعات تحت عنوان ما، فضلا عن وجود فراغات في المعلومات، فهل تعمدت ذلك؟

للأسف هي فراغات حتى في الذاكرة التي لا تسعف في كل شيء. تلقيت الكثير من ردود الفعل بعد صدور الكتاب بخصوص ما سميته فراغات. أنا كنت مترددا في النشر لولا ضغط الناشر ما أدى إلى ارتكابي لأخطاء ليس في المعلومات فقط، ولكن أيضا حتى في الصياغة اللغوية. ستكون هناك طبعة ثانية لسد هذه الفراغات التي ظهرت وكذا لتصحيح أو إضافة بعض الأحداث التي لم أذكرها وتم تذكيري بها، ويجب القول أنني لم أتجاوزها بنية أنني لا أريد الحديث عنها بدليل أنني أشعر اليوم بعد صدور الكتاب أكثر تحررا في التعبير عن وجهات نظري حتى لو كانت مناقضة لـ99% من الرأي العام.

 

خصصت حيزا كبيرا للحديث عن مسارك داخل الشبيبة الاتحادية على خلاف مسارك كقيادي داخل الاتحاد الاشتراكي، فهل تعتبر نفسك قياديا شبابيا أكثر منه حزبيا أم أن التحفظ حول تناول بعض الأحداث هو ما جعلك تهتم بمسارك الشبيبي أكثر؟

نحن نعتبر الشبيبة الاتحادية مدرسة وأنا قضيت فيها جزءا كبيرا من حياتي كمناضل قاعدي وكمسؤول لثلاث ولايات بالمكتب الوطني حتى السنة التي قررنا فيها تخفيض السن إلى 35 سنة وهنا وقع التحول رغم رفض 70% من المؤتمرين لتحديد السن.

 

هل كان تحديد السن من أجل سد الطريق أمام عبدالعالي مستور حتى لا يتولى مسؤولية الكتابة العامة؟

أنا شخصيا لم أكن أعرف أن مستور يتجاوز هذا السن وكان مقررا أن يستمر في المكتب الوطني الجديد لنصدم بأنه يتجاوز ذلك، فطرح علينا سؤال الاستمرارية وهل يمكن اعتماد حالة استثناء أم ننتخب مكتبا وطنيا بدون استمرارية؟ وهنا واجهنا مشكلا حقيقا خاصة وأن مستور كان نشيطا وكنت شخصيا أرى فيه جيل الاستمرارية.

 

منذ عام 2015، قررت الاستقالة من حزب الاتحاد الاشتراكي، فكيف ترى اليوم الحزب الذي تربيت فيه وهل يمكن القول بأنه أصبح يعيش حالة من التيه الإيديولوجي؟

هناك جزء تناولته في الكتاب بخصوص التوترات التي عرفها الحزب والتي عشتها عن قرب مع مجموعة من الأصدقاء. أعتبر بأن المؤتمر السادس كان من أسوا المؤتمرات التي حضرتها ولم أكن أنتظر انسحاب الإخوان الذين شكلوا المؤتمر الوطني الاتحادي أو رفاق الساسي، وأنا أقول بأن المغرب بفضل نضالات الاتحاد الاشتراكي واستراتيجية النضال الديمقراطي التي وضعها عام 1975 استطاع تحقيق العديد من المكتسبات والتحولات الحقوقية والاجتماعية والسياسية. الاتحاد يدفع ثمن مساهماته في وحدته وكأنها لعنة تطارده من خلال الانشقاقات. كان الخروج من الاتحاد بالنسبة لي خطا أحمر ولم يكن لدي صراع مع أحد وكنت أرى أن الاختلاف في الرأي هو الذي يحفظ له هيبته.

 

لكن كان لديك استعداد للمغادرة بدليل أنك قلت في الكتاب بأن القطيعة جاءت بسبب عدم دعوتك لحضور يوم دراسي حول مشروع قانون التعاضد؟

مشروع القانون هذا تم أعداده خلال الفترة التي توليت فيها وزارة التشغيل وتمت المصادقة عليه في مجلس وزاري ومجلس حكومي. للأسف منذ عام 2011 وهو يراوح مكانه داخل البرلمان. اليوم الدراسي الذي نظمه الفريق الاشتراكي كان فقط النقطة التي أفاضت الكأس بحكم أنني كنت من أنصار الراحل أحمد الزايدي. للأسف أنا أعددت قانون التعاضد بعد صراع كبير مع النقابات لكن تمت عرقلته من طرف أحد رؤساء التعاضديات الذي يقبع اليوم في السجن وسانده في ذلك الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، أي الوزير إدريس لشكر الذي صادق على هذا القانون في مجلس حكومي ووزاري، وأنا اعتبرت ذلك خيانة للاختيارات والمبادئ وقناعات الإصلاح وأصبحت لا أجد نفسي في الحزب الذي لم أعد أعرفه.

 

كيف ترى اليوم الاتحاد الاشتراكي خاصة بعد ضجة الولاية الرابعة للكاتب الأول والتي أثارت الجدل خلال مؤتمره الأخير؟

لما غادرت الاتحاد سألتني صحفية يوما لماذا غادرت بصمت. أنا أحترم الاتحاد وما زالت لدي صداقات مع قياديين فيه لكن الانتماء العضوي لم يعد لدي. وأستطيع أن أضيف أنني لم أعد أتابعه كما كنت من قبل. ومن الطرائف أنه خلال إحدى الانتخابات اتصل بي شخص في الهرهورة بعمالة تمارة، حيث أقيم، ليقول لي أنه حصل على رقم هاتفي لكوني متعاطفا مع الحزب وأنه أصبح مسؤولا هناك بتعيين من إدريس لشكر وأنه يريد أن أدعمه. هذا يعني أن حتى الحزب أو المنتسبين الجدد لم يعودوا يعرفونني أي أصبحت غريبا علما أن الطبيعة ترفض الفراغ. لكن من يسير الحزب اليوم لديهم تفكيرهم وآراؤهم وغيرها والاستمرارية في المواقع موجودة حتى داخل كثير من الأحزاب.

 

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق