اعتبر مصطفى المريني، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، أن الهجرة الجماعية التي شهدتها الحدود المحاذية لمدينة سبتة المحتلة لا يمكن تفسيرها بمنطق المؤامرة أو باعتبارها “فعلا مدبرا من طرف السلطات المغربية”، بل هي “نتاج لتفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية وتواصلية، عززتها ديناميات منصات التواصل الاجتماعي”.
وأوضح المريني، في تدوينة نشرها على حسابه الرسمي بموقع “فيسبوك”، أن القراءات التي ذهبت إلى حد الإيحاء بتورط السلطات المغربية في دفع الشباب إلى اقتحام المدينة “قراءات مغرضة”، معتبرا أن “التزام الحكومة المغربية الصمت إزاء الحدث، رغم ما اكتسبه من أبعاد إقليمية ودولية، ترك فراغا ملأته التأويلات والإشاعات”.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن “الظواهر الجماعية بهذا الحجم لا يمكن تفسيرها بسبب واحد أو بمنطق المؤامرة، وإنما هي حصيلة تراكمات بنيوية تنفجر عندما تتوفر ظروف موضوعية”.
وسجل المتحدث أن الحدث يكشف، على المستوى الاجتماعي، عن “أزمة أفق تعيشها فئة واسعة من الشباب”، تتمثل في “تراجع الإحساس بإمكانية الارتقاء الاجتماعي، وضعف الثقة في قدرة السياسات العمومية على تحقيق الإدماج والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص”، مبرزا أن الهجرة “لم تعد مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل تحولت لدى كثيرين إلى تعبير عن فقدان الثقة في المستقبل، وعن شعور متزايد بأن مسارات النجاح أصبحت أكثر صعوبة داخل الوطن”.
وفي هذا السياق، اعتبر المريني أن الحكومة “تتحمل جانبا من المسؤولية”، لأنها “لم تنجح بالقدر الكافي في تحويل النمو الاقتصادي والأوراش الكبرى إلى أثر اجتماعي ملموس يشعر به الشباب في حياتهم اليومية”، مضيفا أن “الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يبشر بفرص واعدة، وبين الواقع الذي يعيشه جزء من الشباب، أسهمت في تكريس الإحباط وتغذية النزعة إلى البحث عن الخلاص خارج الحدود”.
وعلى المستوى الاقتصادي، أشار الأستاذ الجامعي إلى أن “البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية”، كلها عوامل راكمت “شعورا بالهشاشة لدى شرائح واسعة من المجتمع”، داعيا إلى “سياسات أكثر نجاعة في التشغيل، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتوجيه ثمار النمو نحو الفئات الأكثر هشاشة”.
ومن زاوية التواصل، أكد المريني أن “منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في دينامية الحدث”، موضحا أن الهجرة غير النظامية “لم تعد تدار فقط عبر شبكات التهريب التقليدية، بل أصبحت أيضا رهينة ديناميات الفضاء الرقمي”، وهو ما يفرض، بحسبه، “تطوير سياسات تواصلية واستباقية أكثر فاعلية”.
وأضاف أن “غياب المعلومة الرسمية فتح الباب على مصراعيه أمام الإشاعات والتأويلات، بل واستغلت الواقعة سياسيا وإعلاميا من أطراف مناوئة لبلدنا”، معتبرا أن “الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، لا يكفي لمعالجة الظاهرة”.
وخلص المريني إلى أن ما حدث في سبتة المحتلة “يجب أن يفهم كرسالة إنذار واضحة، وليس مجرد حادث عابر”، لأنه “يعكس الفجوة المتزايدة بين تطلعات الشباب وقدرة السياسات العمومية على الاستجابة لها”، داعيا إلى “مراجعة عميقة للسياسات الموجهة لهذه الفئة”، عبر “إعادة بناء الثقة في المؤسسات، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وفتح مسارات حقيقية للمشاركة والارتقاء”.
