•   تابعونا على :

الديمقراطية المباشرة وإشراك المواطنين: المقاربة الجديدة للتنمية

لحسن حداد2018/06/01 14:25
الديمقراطية المباشرة وإشراك المواطنين: المقاربة الجديدة للتنمية
لحسن حداد

خلال العقدين الأخيرين شهد حقل التنمية على المستوى الدولي  تطوارت مهمة فيما يخص اعتماد مقاربة ناجعة جديدة للتنمية والإدماج الاجتماعي ومحاربة الفقر. هناك شبه إجماع على أن "إشراك المواطنين" (Citizen Engagement) وسيلة  أثبتت فعاليتها في العديد من الدول كما بين ذلك جون كافينتا وغريغوري باريت في مقالهما حول "تقييم نتائج إشراك الساكنة" (2012). 

 

ما معنى "إشراك المواطنين"؟ إنها وسيلة متطورة لوضع ميكانيزمات تجعل المواطن شريكا في التنمية من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز مرورا بالتتبع والمراقبة. وهذه الشراكة لا تتم فقط بالإخبار او استيقاء المعلومات ولكن عبر وضع آليات تضمن أخد آرائه وإدماجها والرد عليها بشكل رسمي وإشراكه فيما يخص أولويات التنمية ونوعية المشاريع وتتبع تنفيذها والتعامل الجاد مع شكاياته وإعطاء أولوية للفئات المهمشة كالمرأة والأقليات والعجزة والشباب وغيرهم. 

 

الكثير يتكلم عن إشراك المواطنين ولكن هذا ينحصر في لقاءات يتم فيها الإنصات لهم أو تقديم المشاريع لهم والسماع لآرائهم أو إشراك بعض جمعيات المجتمع المدني في لجان محلية معينة، لا غير. "إشراك المواطن" ينطلق من مفهوم "الديمقراطية المباشرة" التي يجب أن تكون مرافقة وملازمة "للديمقراطية التمثيلية". "الديمقراطية المباشرة" ليست بديلا للديمقراطية التمثيلية ولكنها مكملة لها خصوصا فيما يتعلق بالقضايا المحلية وقضايا التنمية.  في سويسرا، للمواطنين الحق في طرح سياسات معينة أو قوانين تعتمدها الحكومة المحلية أو الفديرالية عبر الاستفتاء ويتم الحسم فيها من طرف المواطنين مباشرة. في الولايات المتحدة للمواطنين على مستوى الولايات الحق في رفض قانون معين اذا حصلوا على الأغلبية في إطار استفتاء محلي ويمكن لهم كذلك أن يطرحوا قانونا معينا ويعتمدونه إن حصلوا على الأغلبية في إطار استفتاء شعبي.

 

هذه مممارسات متطورة وتحصل في بلدان قطعت أشواطا بعيدة على درب الدمقرطة. ما يهمنا على مستوى المغرب هو المرور إلى بعض آليات "الديمقراطية المباشرة" لتحقيق التنمية وتعزيز مسؤولية ومحاسبة القيمين على الشأن المحلي المنتخبين عبر آليات الديمقراطية التمثيلية. وهذه الآليات متعددة وكثيرة ولا يتسع الفضاء لسردها ووصفها كلها. ساكتفي بالبعض منها.

 

هناك "التشاور" وهذا يعني تقديم أولويات التنمية (أي المشاريع المزمع إنجازها) وأخذ آراء المواطنين بشأنها وحول أمور جديدة يعتبرها المواطنون أكثر أهمية. ويتم هذا عبر اجتماعات مفتوحة مع الساكنة تنظم من طرف المنتخبين أو المجتمع المدني أو ممثلي السكان. ولا يقتصر التشاور على أخد الآراء وتدوينها ولكن الرجوع للمواطنين بعد دراسة كيفية إدماجها وتعليل رفض البعض منها. المهم ليس فقط "التغذية الراجعة" أي ردود فعل المواطنين ولكن إدماج هذه الردود والأخذ بها والاجتماع بالمواطنين لإخبارهم بما استقر عليه القرار على ضوء ردودهم. "التشاور" هو عملية أخذ ورد ولا تكتمل إلا بعد الرجوع للمواطن لإخباره بالقرار النهائي بعد دراسة أفكاره. "التشاور" يتطلب كفايات تواصلية وقدرة على التعبئة والإنصات وهذا شيء موجود لدى الجمعيات المحلية وجمعيات المجتمع المدني ويجب على المنتخبين وممثلي السلطات الاستعانة بقدراتهم في هذا المجال.

 

"الميزانية المشتركة"

 

تقنية جديدة تضمن مشاركة أكثر للمواطنين.   وهي تعود إلى 1989 حيث اعتمدتها بلدية بورتو أليكري بالبرازيل وبعد ذلك انتقلت إلى بلدان أمريكا الجنوبية والشمالية وأوربا وإفريقيا. وهذا يعني أن جزءا من الميزانيات المحلية يقرر فيها المواطنون بشكل مباشر. وتكمن المنهجية في تحديد قواعد اللعبة أي كم من الميزانية سيكون مفتوحا وما هي المباديء التي سيتم التقيد بها؛ بعدها يتم جمع الأفكار الخاصة بالمشاريع وتحليلها تقنيا من طرف المصالح المختصة وتقديم الخلاصات للمواطنين. آنذاك يتم المرور للتصويت وبعدها المرور إلى عملية الإنجاز. "الميزانية المفتوحة" آلية متطورة على المغرب أن يعتمدها خصوصا على مستوى تدبير ميزانيات الجماعات المحلية وذلك لأنها تضمن مشاركة أكثر للمواطنين وشفافية في التخطيط والإنجاز واستدامة أكثر لمشاريع التنمية، لأن المواطنين يتبنون عملية التنمية بشكل مباشر.

 

"تتبع السكان"

 

 للإنجاز آلية متقدمة من آليات إشراك المواطنين لضمان تقدم إنجاز المشاريع والتأكد من أنها تنجز بطريقة تخدم انتظارات المواطنين. وهذه التقنية تقتضي تعيين أفراد من الساكنة يعاينون الإنجاز بشكل منتظم ويرسلون المعلومات في حينها لمن يهمهم الأمر للتدخل في حال تأخر الإنجاز أو عدم التقيد بما كان مخططا. تتدخل المصالح  المختصة وفي نفس الوقت تخبر الساكنة بالإجراءات التي اتخذتها من أجل التسريع بالإنجاز أو تقويم الاعوجاجات أو إعادة الأمور إلى نصابها على ضوء ما كان مخططا له. "تتبع السكان" وسيلة فعالة لضمان سرعة ونجاعة الإنجاز ومن شأنه أن يعطي للمواطن دورا مهما في تتبع مسلسل التنمية وتبنيه والحفاظ على المنجزات وصيانتها. 

 

"تدبير التظلمات"

 

هي آلية تعتمدها الحكومات والمنظمات للتعامل مع شكايات المتضررين من المشاريع، خصوصا أولئك الذين تسبب لهم المشاريع أضرارا مادية أو معنوية أو تنتزع منهم آراضيهم أو يتم ترحيلهم من أراض ليست في ملكيتهم ولكنهم قضوا معظم حياتهم فيها...وتدبير الشكايات يقتضي منهجية دقيقة ومسلسلا يتم ضبطه بشكل ناجع. أولا، يجب تسجيل الشكاية وإعطاء وصل فيما يخصها وتكوين لجنة محلية للبث فيها في أجل يتم تحديده سلفا بالنسبة لكل التظلمات. ويجب إخبار المتظلم بطريقة رسمية عن نتيجة تداول اللجنة المحلية. وإن لم يقتنع المواطن يمكن له أن يرفع تظلمه إلى مستوى أعلى والذي يبث في الشكاية بنفس الطريقة. ما هو مهم هو توثيق الشكايات، وتحديد آجال البث والتواصل وفتح قنوات استئناف التظلم في حال إحساس  المواطن بأن الضرر لا زال قائما.

 

هناك آليات متعددة أخرى يتم اعتمادها من طرف الحكومات المحلية والمنظمات والقطاع الخاص من أجل ضمان إشراك المواطن وإعطائه القدرة على المشاركة الفعلية في القرار في إطار تفعيل ديمقراطية تشاركية أساسية لإنجاح مسلسل التنمية. ما يهم هو أن منهجية "إشراك المواطنين" تخدم قضايا الشفافية والمسؤولية وسرعة الإنجاز وملاءمة المشاريع لانتظارات المواطنين والاستدامة وتبني مسلسل التنمية وهي كلها مباديء لا محيد عنها إن أردنا تحقيق أهداف التنمية ألا وهي خدمة المواطن ورفاهيته. يمكن للمغرب أن يخطو خطوات عملاقة إلى الأمام فيما يخص تحقيق أهداف التنمية إن اعتمد مقاربة تعتمد على تقنيات "إشراك المواطن" والتي أبانت عن نجاعتها في دول الشمال ودول الجنوب ولدى البنك الدولي وغيره من المنظمات الدولية. والمغرب له من الطاقات على مستوى الإدارة والمجتمع المدني والمنتخبين المحليين ما يمكنه من أن يمر إلى تنمية حقيقية مرتكزة على المواطن وعلى حقوق المواطن وعلى تطلعات المواطن. المواطن في صلب معادلة التنمية: هذا هو رهان المستقبل.

تعليقات الزوار ()