•   تابعونا على :

خواطر رمضانية (1): مقاطعون ... والله اعلم

شادية وقاش2018/05/20 18:17
خواطر رمضانية (1): مقاطعون ... والله اعلم
صورة تعبيرية

المقاطعة بلا شك  سلاح ناجع وفعال  لكنها قبل كل شيء فلسفة حياة .


المقاطعة انتصار على سجن العادة ... انتصار على ذلك الهوس الطفولي الذي رافقنا طيلة العمر وجعلنا اسرى لملذاتنا ومتعنا ورغباتنا التي لا تنتهي.


المقاطعة مساحة بيننا وبين الاشياء  نعيد ترتيبها بمنطق الربح والخسارة ... نمسح الغبار عن مشاعر كادت تموت وقد انهكها النسيان ...غرقت في مستنقع التفاهة ... في تلك البقعة السوداء التي يكثر حولها سماسرة على ابواب جهنم.


فجأة يأتي رمضان .. لم نعد نشعر بالأيام وهي تمر سريعا على سكة الزمن تقود قطارنا الى محطته الاخيرة. نتبادل التهاني كما اعتدنا كل عام .. تنهال علينا التبريكات كحبات المطر ونحن على أرصفة الانتظار الطويل ... نعيش على أمل كبير أن تنقشع سحب كثيفة تحجب عنا رؤية المستقبل لنستمتع فعلا برمضان سعيد.


نستعد لرمضان ببطون جائعة تلهم خيالنا بما لد وطاب، نعسكر أمام محطات فضائية تنهال علينا ركلا بالأقدام ... عذرا بالأفلام ... وما بين قصص الحب والخيبة والأوهام ... تسقط هيبة الشهر، فلا يبقى إلا ضجيج الموائد و شغب الإفطار وقهقهات النساء والرجال والأطفال وهم يودعون يوما من أيام رمضان سائلين الرحمان ان يتقبل منهم الصيام، ويغفر لهم بعضا من ذنوب السمع والبصر وهفوات اللسان.


بشوق كبير ننتظر رمضان ... نعشق سحر رمضان ... فرمضان شهر موائد الرحمان ... شهر الصدقات وصلة الارحام ... شهر قراءة القران وتلاوة الادكار ... شهر الارزاق التي تفتح أبوابها لكل البسطاء والفقراء... شهر يصبح فيه أغلب الناس أغنياء ... تقل فيه شقاوة الاشقياء، وتتنزل فيه السكينة والضياء من السماء.


كل شيء يتغير في رمضان ... الصائمون في يقظتهم نيام، والنيام عند يقظتهم أشبه بالسبع العجاف.. يشكون أوقات العمل والدوام، وكوابيس الليل وندرة الاحلام .


كل شيء يتغير في رمضان ... دوي المدافع في السحور و الافطار، وأصوات المآذن تبهج الاسماع ... لليل عشاق يقطعون سكونه بالصلاة والدعاء، وبيوت تضيء كنجوم متلئلة في قبة السماء.


كل شيء يتغير في رمضان ... لكن شيئا واحدا يظل كما هو ... إنه الانسان ... أنا ...وأنت ....نتعلق بحبل الاوهام ...نظن أن العطش والجوع هو الصيام، وأن الصمود لساعات طوال تذكرتنا إلى العتق من النار، بعد أن يكون الواحد المنان، قد بسط لنا يده الكريمة بالرحمة والغفران.


أعمار بكاملها تمضي دون أن نتعلم او نفهم معنى الصيام ... دون أن ننفذ الى عمق الصيام ... دون أن نتساءل لما كان للصائم باب في الجنة ينفد من خلاله الى ظل الرحمان ... ولما كان للصوم جزاء لا يعدل غيره من الاعمال.


المقاطعة هي لب الصيام ... هي من يعلو بالإنسان الى مقام الاحسان .


عندما ندرك أن الطريق إلى الجنة يمر عبر مقاطعة الكذب والنفاق، والغيبة والشقاق والرشوة والتفاهة والفساد، وكل صور الرذيلة والانحطاط حينذاك يمكن أن نتحدث عن الصيام، وفضائل شهر رمضان، وسنن العبادة والقيام ... وإلى داك الحين لكم مني أزكى السلام.
                         

 

تعليقات الزوار ()