•   تابعونا على :

نعم سيِّدي أعزّك الله‎

يوم بيوم
بقلم نور الدين مفتاح
في الخميس 08 فبراير 2018

نفس الطقوس المهيبة الباذخة، قاعة فسيحة ممتلئة بحاملي البذلات الداكنة وربطات العنق المشدودة إلى الياقات البيضاء يشطرها ممر طويل إلى جناحين ، وفي لحظة يرتفع صوت الحاجب الملكي الجهوري: "سيدنا الله ينصرو"، فيقف الجميع وتبدأ التصفيقات، والملك يرد التحية من يده على صدره إلى أن يصل إلى كرسيه بشكله الذي يرمز إلى الوضع الدستوري للجالس على العرش، ويصطف أركان الدولة على اليمين وعلى اليسار من المستشارين الملكيين إلى أعضاء الحكومة إلى المسؤولين من مختلف المراتب والاختصاصات. وما إن يجلس الملك حتى يطلق فيديو يكون عادة من مستوى جيد على المستوى التقني.

 

وبعدها، ينطلق المسؤول المعني بالمشروع الذي سيقدم أمام جلالته إلى المنصة ويفتح أوراقه مع ارتعاشة يد خفيفة: "نعم سيدي أعزّك الله…"، ويبدأ العرض.

 

هكذا جرت الأمور خلال 19 سنة في كل مشروع حكم محمد السادس. آلاف المشاريع بذات الطقوس في كل مناطق المغرب، حيث قطع الملك 85 ألف كلم خلال 10 سنوات وهو يمسح جهات المملكة الأربع، وهذا ما جرى أيضا يوم الإثنين الماضي بمدينة أكادير خلال حفل إطلاق التنزيل الجهوي لمخطط التسريع الصناعي 2014-2020 بجهة سوس ماسة.

 

وقد شدت العبد الضعيف لله ملاحظتان هما سبب نزول هذا الرجوع للمشاريع الملكية وطقوسها، واحدة شكلية مهمة ومؤلمة، والثانية عميقة مقلقة ومخيفة.

 

وأما عن الأولى، فقد اعتاد كل مسؤول بعد: "نعم سيدي أعزّك الله" على الحديث باللغة العربية، وبعضهم يفضل الحديث باللغة الفرنسية لأسباب متعددة. وإذا كان الواقع لا يرتفع، وكانت الازدواجية اللغوية في المغرب جزءا راسخاً في الحياة اليومية للنخبة، وكانت ظروف البعض ممن درسوا في البعثات الجنبية لم تسمح لهم بالاحتكاك باللغة العربية، فإن كل هذه الأعذار لا يمكن أن تصمد أمام شرط المقام. فكل الحاضرين في القاعة المهيبة مغاربة ويتقدمهم أمير المؤمنين، ودستور المملكة لم ينقل واقع الازدواجية اللغوية إلى مادة من مواده ولكنه نص بالحصر على اللغات الرسمية للبلاد، وليس بينها الفرنسية، وعلى الذي يريد أن يتحمل مسؤولية إدارة شؤون 35 مليون مغربي أن يبذل مجهوداً ليقترب من لغة الشعب ويتحدث ليس بلغة المتنبي ولكن بلغة وسطى ميسّرة، فكيف يكون هناك وزير مغربي لا يستطيع أن يقرأ خطابا مكتوبا بحروف كبيرة ومشكولا بالعربية؟! ورغم كل هذا يمكن أن نعتبر هذا النقاش متجاوزا ما دام ليس السيد وزير الصناعة والتجارة مولاي احفيظ العلمي هو أول من قدّم أمام الملك مشروعا بلغة موليير، وغير المتجاوز والسوريالي هو أنه لأول مرّة تقدم التلفزة الرسمية في النقل الكامل لوقائع الحفل كلمة السيد الوزير مع ترجمتها الفورية إلى العربية، بشكل شبيه نسبيا بالطريقة التي تقدم بها "الجزيرة" مثلا تصريحات بعض ضيوفها الأمريكان مع ترجمة فورية بالعربية. وبلا مبالغة بدأت أفرك عيني وأتأكد من خلال جهاز التحكم عن بعد هل أنا مازلت في القناة الرسمية المغربية أم تحولت خطأ إلى قناة "الحرة" أو "روسيا اليوم"! وبالفعل كان الجميع هناك وجلالة الملك ينصت ووزير في حكومة جلالة الملك يخطب أمام جلالة الملك، وجمهرة من الوزراء والمدراء والرؤساء والعمداء، وهناك مترجم هو صلة الوصل بين المغاربة والخطيب! هل يقع مثل هذا في أي بلد في العالم من الصين إلى الولايات المتحدة إلى أصغر بلد في العالم كناورو أو توفالو أو سان مارينو؟ هل أصبح المغاربة جالية مقيمة في المغرب؟؟ إن هذه إهانة للشعب المغربي، مع العلم أن ملك البلاد يلقي خطبه الموجهة للمغاربة كلها باللغة العربية، في الوقت الذي تتفتق عبقرية مجتهدي آخر الزمان عن أن يكون بين وزير مغربي والمغاربة مترجم فوري. إنها باختصار علامة من علامات الساعة.

 

وأما النقطة الثانية، فإن الذاكرة عادت بالعبد لله بسرعة إلى نفس الديكور الملكي الباذخ ذات مساء بالحسيمة من خريف سنة 2015. وانتصب المآل الكارثي لما وقع أمام ملك البلاد بتعثر خطير لمشروع "الحسيمة منارة المتوسط"، أطلق واحداً من أخطر الاحتجاجات في تاريخ العهد الجديد وأعقبه زلزال سياسي لم تهدأ تردداته إلى الآن.

 

وهذا القلق المشروع الذي انتابني في هذه النشرة الإخبارية المنحوسة تحول إلى هلع وأنا أطلع على ما قاله رئيس التجمع الوطني للأحرار لمريديه في جهة واد نون، تزامنا مع حفل الوزير العلمي للترجمة الفورية، وهو يتحدث عن تعثر مشروع ملكي آخر، ميزته أنه ليس كباقي المشاريع، إنه الأضخم، بحيث إذا كانت الكلفة الإجمالية لمشروع "الحسيمة منارة المتوسط" الذي خلف زلزالا هي 650 مليارا، فإن مشروع الصحراء تصل كلفته إلى 7700 مليار! والأهم -من الهم- هو أنه يتعلق بالقضية الوطنية الأولى. قال أخنوش: "مجموعة من المشاريع لم تنجز ويا الله بزز باش خرجات الطريق، هاد الشي حتى واحد ما خصو يلعب معاه، واللي كيدير لعصا فالرويضة غادي يتحاسب كيفما كانت صفته".

 

نسيت المترجم والوزير وسوس وبدأت أتمتم: "اللهم إنا لا نسألك رد القدر ولكن نسألك اللطف فيه". وبدأت الأسئلة تتطاير من رأس تتزاحم فيه الهواجس. هل سيصيبنا في ما سمي بمخطط مارشال للصحراء ما أصابنا في الريف؟ هل بادرت جهة ما لافتحاص كل هذه المشاريع التي وقعت أمام الملك منذ سنين؟ ماذا يجري بالضبط عندما يخرج ملك البلاد وينفض الموقعون من عشرات الوزارات والإدارات على العهود؟ كم سنحاسب إذا حاسبنا؟ وأم الأسئلة أو أبوها، فالأمر سيان، هو ما الذي يعتمل في دواخل الناس في الأقاليم والجهات التي لا تعرف أحيانا إلا العصا أمنيا والعصا في "الرويضة" تنمويا.

 

لقد كان العبد لله في العيون قبل شهرين والناس يتساءلون أين الملايير! أين 7مليار دولار؟ لا شيء يظهر على السطح، وكأن الأمر يتعلق ببناء مدينة تحت الرمال. وقلت مع نفسي إن الأمور ليست بالبهرجة، إلا أن وزيراً في الحكومة اليوم من عيار أخنوش الثقيل يتحدث عن العصا في الرويضة بخصوص مشروع القرن في الصحراء، ووزيرا من العيار المتوسط يتحدث بالترجمة الفورية مع المغاربة عن تسريع التصنيع بسوس، وكل هذه السوريالية أسكرتني فنمت وأنا أحلم بالكوابيس، وحين استيقظت كتبت هذه الأسطر وأمنيتي أن أكون مازلت أحلم. يا.. رب!

تعليقات الزوار ()

اوقات القطار

الإنطلاق من
الوصول الى

أوقات الصلاة و حالة الطقس

اختر مدينتك
حالة الطقس
الحرارة العليا°C
الرطوبة%
سرعة الرياح mps
الصلاةالتوقيت
الفجر00
الظهر00
العصر00
المغرب00
العشاء00