•   تابعونا على :

زوابع فقهية…!!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الإثنين 03 نونبر 2014

الرئيس المصري "المارشال" السيسي الذي ترك أعلى المراتب العسكرية وترك البدلة والنياشين، ودهاء وخفاء المخابرات العسكرية، ليتربع على أعلى مرتبة مدنية، وهي رئاسة مصر في ظروف واضحة حدّ الغموض.

 هذا الرئيس الحديث العهد باللباس المدني ظل ينبّه ويحذر من خطورة الإعلام على اعتبار أنه صانع للرأي العام، هذا الرأي العام الذي به تصعد وتعلو وبه تفشل وتسقط.

والمسكوت عنه في هذا الهم الرئاسي في ما يخص الإعلام هو إرادة التحكم في المسار الإعلامي، ومن ثم السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، ولم لا التلاعب به.

خطورة الإعلام وقوته ليست وليدة هذه الثورة الإعلامية الحديثة وطفرة وسائل الاتصال، ويكفي أن نذكر أن الأب الفعلي للكيان الإسرائيلي "بن غوريون" في ذاك الزمن البعيد نسبيا قال أمام أوائل التجمعات الصهيونية: "يجب ألا نتخوف من الرأي العالمي، مادمنا نملك الإعلام وصناعة السينما بـ"هوليود" بأمريكا".

 ولا غرابة، فالحكمة الثاقبة كانت في الأغلب من نصيب الماكرين، فالتحكم في الخط التحريري للإعلام المكتوب منه والمرئي والكاريكاتوري، كما التحكم في مواضيع الأفلام السينمائية وتوجيهها، يعني أن الرأي العام أصبح طوع إرادتك، خصوصا إذا تعلق الأمر بإعلام هائل الانتشار وبأفلام هوليودية عابرة للمجتمعات والقارات.

 ولعلك دارك أن الإعلام العالمي القوي التأثير في قبضة التأثير الصهيوني، كما يكفي أن نذكر أن الملياردير الأمريكي والمنتج السينمائي "آرنون ميلتشين" الحامل للجنسية الإسرائيلية صرح للصحيفة الإسرائيلية "يدعوت أحرونوت" "تخيل أنك في العشرين من عمرك ودولتك من خلال الموساد قررت أن تصنع منك جمس بوند، إنه لأمر رائع أن تكون في ذروة الحدث، وإني لأشعر بالفخر لما فعلته لإسرائيل"…!!

كان من باب التوطئة أن نمر على الطريقة الصهيونية للتحكم في آلية الإعلام لنعود إلى الطريقة العربية التي لخصها البيان الختامي الذي جمع الرئيس "السيسي" بالرئيس السوداني "البشير"، الذي ترك العسكرية هو الآخر ليصبح رئيسا مدنيا للسودان، البيان الذي جاء فيه "في الماضي كان الناس على دين ملوكهم والآن فالناس على دين إعلامهم"..!!

ولو انتابتهم الصراحة لقالوا "الآن الناس على دين رؤسائهم، لأن المقصود ليس الإعلام بحد ذاته بل استبدال دين الملوك بدين الرؤساء، وهكذا أصبحت الصحف المصرية الواسعة الانتشار مشغولة حدّ الهوس بقضايا الفقه الإسلامي.

 حتى ليكاد يخيل لك أن هذه الصحف أصبحت مجمعا فقهيا لا مؤسسة إعلامية، ولا يكاد يخلو يوم دون أن تثير هذه الصحف عناوين رئيسية حول قضية فقهية مثيرة تصل حد الكاريكاتيرية والسخرية، وتخصص لها حيزاً ووقتا لا تستحقه، ويصبح الهدف من إثارة هذه "الأمازونيات" الفقهية، بعيدا عن النتائج المرجوة، والتي يمكن تلخيصها في تسفيه الإسلام ذي التوجه السياسي، وإشغال الناس بقضايا فقهية سخيفة تنسي الناس واقعهم المعيشي المر، وتشغلهم بالتنكيت لتلطيف الأجواء الكئيبة الحزينة من أجل طلب العيش.

 كما أن المراد هو استبدال شعار الإخوان المسلمين الذي يقول "الإسلام هو الحل"، بشعار "الرئيس هو الحل"، والديموقراطية بريئة من الشعارين، وأخيرا ملأت صحيفة "اليوم السابع" صفحاتها عن "جهاد النكاح"، جاء فيها أن "البخاري" و"مسلم" يبيحان نكاح المتعة في الجهاد، وأنهم كانوا يمارسون نكاح المتعة خلال غزواتهم بترخيص من الرسول (ص).

 وأوردت الكثير مما جاء في كتاب الباحث الفلسطيني: د. عادل عمارة "جهاد النكاح"، ويتدخل الأزهر ليقول: إن زواج المتعة الذي أباحه الرسول (ص) للصحابة في الغزوات تم نسخه وأصبح حراما…!! زوبعة فقهية يُقحم فيها الرأي العام، وبغض النظر عن إصابة الهدف من عدمها نقول الناس تريد أن تتمتع بعيشها وبوطنها وبتعليم أبنائها وسائر مناحي العيش الدنيوي، دون ذلٍّ أو انبطاح، ولتجاهد في النكاح من أرادت، كما جاهدت إحداهن نكاحا في الصف الآخر والنقيض، والناس تجاهد من أجل كسرة خبز وأبناء يضافون إلى طابور المعطلين، هنا مربط الجهاد لا في إسطبلات النكاح…!!

وقبل هذا قامت زوبعة فقهية أخرى عن طريق محمد عبد الله نصر المشهور بـ "ميزو" الذي قال: "إن صحيح البخاري مسخرة للإسلام والمسلمين" بقوله إن هذا البخاري يقول: "إن المرأة تنقض صلاة الرجل إذا مرت أمامه، مثل الكلب الأسود والحمار"، كما قال: "إن موسى خرج عاريا على بني إسرائيل لأنه كان يستحم"، وإن الله ينزل ويصعد بين السماوات كل ليلة، ليعلق "ميزو" أن هذا معناه أن السماوات أكبر منه، كما جاء أن المؤمنين لا يعرفون ربهم يوم القيامة حتى يكشف عن ساقه..!!

زوبعة فقهية شغلت الإعلام والدولة والناس، حتى إن وزير الأوقاف المصري طالب بالقبض على الشيخ "ميزو" لاستهزائه بالبخاري وصحيحه الذي يعتبر أصح كتاب بعد القرآن، وختم وزير الأوقاف "مختار جمعة" مطالبته باعتقال الشيخ "ميزو" بقوله: "الحمد لله أن وهب للوطن عبد الفتاح السيسي  الذي يفهم الدين فهما صحيحا"..!! شيء يبدو معه أن لكل عصر بخاريه. أين حاجة الناس في كل هذه الزوابع الفقهية المهترئة، فالناس تصلي في المساجد بعيدا عن المرأة والحمار والكلاب بجميع ألوانها، وما الفائدة أن يخرج النبي موسى عاريا أو ملتحفا، الناس تريد عيشا كريما تتمتع به الكلاب في الغرب ولا حسد..!! كما أن الناس تطالب بالإنصاف في الحياة والعيش حتى وإن خرجت مطالبة به عارية بعدما تمت تعريتها من كل كرامة وكل عيش منصف، هذا هو صحيح الحياة، ولصحيح البخاري رجالاته وأمكنته..!!

ومن مستملحات هذه الزوابع الفقهية، الضجة التي قامت حول مقرر دراسي ديني، يحلل بعض الكذب عبر حديث رواه "الترمذي" و"أبوداوود" عن أسماء بنت زيد قال قال رسول الله (ص): "لا يحلُّ الكذب إلا في ثلاث، يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس".

 وقامت حول هذا ضجة رأت أن هذا قد يحرض الناشئة على الكذب، وأجاب الفقهاء بأنه فقط رُخَص في اليسير من الفساد لما يؤمل فيه من الصلاح، ولعل أول من سيستفيد من هذه الرخصة هم الرؤساء الذين سيكذبون ما داموا سيصلحون أمور الناس إن شاء الله، وما دام أن اليسير من الفساد قد يصلحهم، ومن هنا فهمت لماذا كل من يسيرون الشأن العام في هذه البلدان وبدون استثناء لا يحاربون الفساد بعدما أوصلهم ناخبوهم من أجل هذه المهمة، وإن كانت الرخصة تعني اليسير والقليل من الفساد لا الكثير منه..!!

يبقى فقط أن أقول: إذا تحول الإعلام إلى جوقة نحاسية فقهية، تضيع الأهداف الماكرة اللئيمة كما الأهداف النبيلة التي تروم تصويب وتنقيح الفكر الديني..!!

وكل زوبعة وأنتم…………………!!

تعليقات الزوار ()