رشيل يكتب: شبح البلاستيك وكوكب الأرض

 

 

حميد رشيل

خبير في مجال البيئة والمناخ

 

 

عدّ التلوث البلاستيكي أحد أكثر القضايا البيئية إلحاحًا في عصرنا الحالي، حيثُ تتراكم المواد البلاستيكية في البيئة مُسببةً أضرارًا جسيمة بالحياة البرية والنظم البيئية وصحة الإنسان.

 

وتجدر الإشارة إلى أن:

 

– المنتظم الدولي خلد يوم 5 يونيو2023 اليوم العالمي للبيئة، وهذا اليوم صادف الذكرى الخمسين (1973). وتعد هذه المناسبة محطة عالمية للتوعية البيئية العامة، ولقد تم التركيز في تخليد هذه المناسبة تحت شعار: “دحر التلوث البلاستيكي”.

 

– المنتظم الدولي خلد يوم 22 أبريل 2024 اليوم العالمي للأرض وهذا اليوم لهذه السنة صادف الذكرى الرابعة والخمسون(1970). وتعد هذه المناسبة محطة عالمية لحملة توعوية لحماية كوكبنا الأرض، ولقد تم التركيز في تخليد هذه المناسبة خلال هذه السنة تحت شعار: “الكوكب مقابل البلاستيك”.

 

هذا ما يؤكد بشكل جلي انشغال الدوائر الدولية في هذه الأيام الأخيرة بظاهرة تنامي النفايات البلاستيكية التي أصبحت تشكل أخطر تهديد للحياة على الأرض. بل هناك من أصبح يتحدث عن “تسونامي النفايات البلاستيكية” الذي زحف بشكل واسع على البر والبحر.

 

1 – على المستوى الوطني

 

في سنة 2014 قدمت أول استراتيجية وطنية لتقليص وتثمين النفايات في إطار تنفيذ مقتضيات القانون الإطار بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، وكان الهدف من هذه الاستراتيجية، جعلها آلية لاتخاذ التدابير اللازمة من أجل تدبير مستدام للنفايات بمختلف أنواعها وأشكالها والترويج للاقتصاد الدائري.

 

أصدر الصندوق العالمي للطبيعة سنة 2019 تقريرا، أشار فيه إلى أن المغرب ينتج أكثر من 570 ألف طن من النفايات البلاستيكية سنويا ،570 طن منها يلقى بها في البحر الأبيض المتوسط.

 

أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره، أن المغرب أنتج ما يفوق 7 ملايين طن من النفايات المنزلية سنة 2020، منها 5,5 ملايين طن في الوسط الحضري بمعدل 800 غرام للفرد يوميا. 1,5 مليون طن بالوسط القروي بمعدل 300 غرام للفرد الواحد يوميا. ولقد دعى المجلس أنداك إلى إضفاء الطابع الإلزامي على تثمين وتدوير بعض أنواع النفايات من خلال تحيين القانون 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها.

 

القانون 15-77 القاضي بمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها، وتصديرها، وتسويقها، واستعمالها. بعد سنتين من اعتماده تم التخلص نهائيا من استعمال الأكياس البلاستيكية على مستوى الأسواق الكبرى والمتوسطة وتجارة القرب المهيكلة التي أصبحت تلجأ إلى بدائل عملية مصممة بشكل يسمح بتلبية كافة احتياجاتها الخاصة وتطورت معها مقاولات إنتاج الأكياس البديلة. لكن في الآونة الأخيرة تم تسجيل تحايل على هذا القانون مما أدى الى عودة الأكياس البلاستيكية الى الشارع المغربي.

 

2 – معنى البلاستيك

 

البلاستيك أو ما يعرف باللدائن مادة سهلة التشكل بأشكال مختلفة انطلاقا من البترول والغاز الطبيعي والفحم. هذه المادة تتكون أساسا من سلاسل كيميائية تدعى البوليميرات (عضوية أو صناعية أو شبه صناعية)، عناصرها الكيميائية الأساسية هي كل من الكربون والهيدروجين.

 

3 – معطيات تاريخية عن البلاستيك

 

إن البلاستيك الذي توصل اليه الإنسان في ظل الثورة الصناعية منذ حوالي قرن من الزمن، أدى الى ظهور الصناعة البلاستيكية التي ازدهرت واعتبرت منتجاتها كحل بديل في عدة مجالات كالصناعة والفلاحة والسيارات والمباني والمعمار، لأنها تدخل في تركيب الأشياء و الأدوات المحيطة بنا ، بحيث أنه منذ أواسط القرن الماضي حتى سنة 2017 أنتج العالم أزيد من 9 مليار طن من البلاستيك وتضاعفت هذه الكمية بسبب الحاجة المتزايدة اليه في السنوات الأخيرة ، نظرا للتطورات التنموية الكبيرة التي عرفتها البشرية، بل الأكثر من ذلك أصبح البلاستيك الحاضر الذي لا يغيب في جل مناحي الحياة، في محلات التسوق وعلى المواد الغذائية وفوق موائد طعامنا، وان إحصائيات تتحدث عن اقتناء مليون قنينة بلاستيكية كل دقيقة.

 

4 – تحول البلاستيك إلى إشكالية

 

مع توالي الأيام تحول هذا البلاستيك إلى مشكلة وجودية، بحيث باتت البشرية تعيش عصر البلاستيك الذي يحاصر الكوكب الأزرق من كل الجهات. سيما وأن اتساع رقعة استعمال البلاستيك أدت إلى تزايد أحجام النفايات البلاستيكية، الى أن بلغ إنتاج العالم أزيد من 430 مليون طن من النفايات البلاستيكية في السنة، وفي حال أن ضل النسق على ما هو، فان كمية النفايات البلاستيكية ستصل إلى أزيد من مليار و100 مليون طن في أفق سنة 2050، واللافت للأمر هو أن:

 

نصف هذه الكمية تقريبا مصممة للاستعمال الأحادي (تستعمل مرة واحدة).

 

لم نتمكن من تدوير سوى %10 منها.

 

لذا يتم طرح هذه الأحجام الكبيرة من النفايات البلاستيكية بالمطارح وفي البحار، والمحيطات، والأنهار، والبحيرات (من 19 إلى 23 مليون طن سنويا تصل الى البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات) أي (ما يناهز 2200 مرة وزن برج إيفل) ، ولقد أصبح البلاستيك في أيامنا هذه الملوث الأكبر للأرض بلا منازع.

 

5 – الآثار السلبية للبلاستيك على البحار والمحيطات

 

يعد البلاستيك الملوث الأكبر للبيئة البحرية والأشد ضررا عليها، حيث يشكل %85 من النفايات البحرية. إن هذه الكميات الكبيرة من النفايات البلاستيكية التي تصل إلى البحار والمحيطات شكلت قارات بلاستيكية، أهمها الجزيرة البلاستيكية العائمة بالمحيط الهادي بين جزيرة هاواي وكاليفورنيا، مساحتها بلغت 3 أضعاف مساحة فرنسا وأحصي بها ما يناهز 1,8 مليار قطعة من البلاستيك العائم.

 

كما أن هذه النفايات تهدد حياة 800 نوع بحري وساحلي من خلال ابتلاعها والتشابك بها، بحيث أن هناك مجموعة من الصور الصادمة والتي تظهر مخلوقات بحرية ماتت مختنقة بشباك أو أكياس بلاستيكية، لا ننسى كذلك صور الطيور الميتة بالمناطق الساحلية بسبب ابتلاعها للسدادات البلاستيكية.

 

6 – الآثار السلبية للبلاستيك على اليابسة

 

اليابسة بدورها كذلك كان لها نصيب من النفايات البلاستيكية التي على الرغم من أن جزء منها يصل إلى المطارح، لكن في غياب فرز وتدوير جيدين تتناثر وتنقل هذه النفايات البلاستيكية عبر الهواء لتلوث أتربة الضيعات الفلاحية والغابات المجاورة أو تستقر بالأنهار والوديان والبحيرات.

 

غالبا ما يتم اللجوء إلى حرق نفايات المطارح ومن بينها النفايات البلاستيكية، مما يتسبب في انبعاث غازات الاحتباس الحراري التي تزيد من شدة الاحترار وتزيد كذلك من تلوث الهواء بالمركبات الكيميائية التالية:

 

الفورمالدييد Formaldéhyde CH2O
البنزالدييد Benzaldéhyde C6H5CHO
سيانيد الهيدروجينCyanure d’hydrogène HCN
الأمونياAmmoniac NH3
أول أكسيد الكربون Oxyde de carbone CO
أكاسيد النيتروجين Oxydes de nitrogène N2O ;NO2 ;N2O4 ;N2O3
المركبات الهيدروكربونية الطيارة Composés hydrocarbures volatils COV

 

مما يزيد من عرضة صحة الإنسان لأخطار الأمراض التنفسية والأمراض الجلدية، والتسممات وأمراض الضغط والشرايين، وأمراض القلب والكبد والكلي وأمراض الجهاز العصبي والجهاز الهضمي.

 

كما أن عملية غسل المواد والأدوات البلاستيكية على مجمل المستويات تعمل على تحرير الألياف الدقيقة من الأكريليك والنايلون والألياف والبوليستر التي تصل الى مياه الصرف الصحي لتتسبب في خنق المجاري المائية ما ينتج عنه مشاكل كبيرة لتصريفها، هذا ما يدفع بالمجالس الجماعية الى الإسراع لتنقية قنوات الصرف الصحي عند اقتراب الفترات المطرة من السنة لتجنب المشاكل التي قد تنتج عن اختناقها. وعلى الرغم من ذلك فان مياه الصرف الصحي تعد عاملا هاما في نقل وتوزيع الجزيئات البلاستيكية (80% الى 90% ) لتوصلها الى المجاري المائية السطحية والفرشات المائية ، والتي تستغل مياهها للري والشرب مما سينقل هذه الجزيئات الى كل من التربة وأجسام الآدميين.

 

في المجال الفلاحي أصبح البلاستيك مستعمل في مستويات متعددة وخير مثال على ذلك البيوت البلاستيكية والأشرطة البلاستيكية التي تفرش لمجموعة من المزروعات والقنوات البلاستيكية المستعملة لري هذه المنتجات والأكياس والعبوات والبراميل التي تحتوي على مواد كيميائية كالمبيدات والأسمدة والأعلاف. كل هذا يظهر حجم النفايات البلاستيكية الذي يساهم به المجال الفلاحي.

 

فمثلا وحسب معطيات رسمية فان حجم النفايات البلاستيكية المخلفة بجهة سوس ماسة بلغ 30 ألف طن سنويا، والذي ارتفع إلى 55 ألف طن في السنوات الأخيرة ( ما يشكل 52% من النفايات البلاستيكية الفلاحية بالمغرب).

 

7 – خطورة البلاستيك

 

إن خطورة النفايات البلاستيكية تتمثل في:

 

طول فترة تحللها والتي تفوق 350 سنة، مما يزيد من صعوبة التخلص من الأحجام الهائلة لهذه النفايات. والمثير للجدل هو أن تحلل البلاستيك ليس كليا، ليخلف جزيئات دقيقة ذات قطر دقيق جدا (نتحدث عن ميكرو بلاستيك ونانو بلاستيك). هذه الجزئيات تتميز بقابلية النقل والانتشار في مختلف الأوساط التربوية والمائية والهوائية، بل تتمكن من ولوج أجزاء النباتات من خلال ظاهرة الامتصاص وأجسام الحيوانات والإنسان، وبفضل السلاسل الغذائية التي يعد الإنسان آخر حلقاتها، فان تركيز هذه الجزيئات يزداد بشكل كبير عند الإنسان مما سيؤدي إلى ظهور التهابات في مجموعة من أعضائه، قد تتطور إلى سرطانات. فحسب التقرير الأممي فان الفرد الواحد يستهلك 500 ألف جزيئة بلاستيكية سنويا.

 

الجزيئات البلاستيكية تعد ناقلا للكائنات الحية المسببة للأمراض.

 

تحلل البلاستيك ينتج عنه تحرير الإضافات الكيميائية مثل الفثالات (Phtalate) والبسفينول (Bisphénol) ، مواد مسرطنة تعرقل النشاط الهرموني لمجموعة مهمة من الكائنات الحية.

 

إن البلاستيك المعالج عند تحلله يطلق مواد كيميائية ضارة في التربة وبفضل نفاذية التربة قد تصل هذه المواد الكيميائية الى مختلف مصادر الماء المحيطة مما سيؤثر حتما على جودة مياه الشرب.

 

تتميز الجزيئات البلاستيكية بقدرتها على اكتساب خاصيات فيزيائية وكيميائية جديدة مما يزيد من خطر أن يكون لها أثر سام على الكائنات الحية.

 

بفضل تفاقمها أصبحت النفايات البلاستيكية تشكل قاتلا صامتا احتل الأتربة والأنهار والوديان والبحيرات والبحار والمحيطات، وفتك بمحتواها الإحيائي، بل الأكثر من ذلك طارد كل أثر الحياة فيها. مما سيهدد التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية لمختلف هذه الأوساط البيئية.

 

8 – مواجهة إشكالية البلاستيك

 

في بداية شهر يونيو2023 انعقد بمقر اليونسكو بباريس مؤتمرا من أجل الدفع في اتجاه اتفاقية ملزمة قانونا لإنهاء هذا التلوث البلاستيكي.

 

إن دراسات لخبراء الأمم المتحدة خلصت إلى انه بإمكان العالم أن يقلل نسبة %80 من النفايات البلاستيكية بحلول سنة 2040 شريطة:

 

– التزام دولي جماعي بإعادة تدوير النفايات البلاستيكية.

 

– توجيه مجموع الاستخدامات التي نحتاجها من البلاستيك
وتعويضها بمواد أخرى.

 

أمثلة في تدوير النفايات البلاستيكية:

 

– تتوفر ألمانيا على مصانع رائدة تعمل على فرز النفايات البلاستيكية حسب أشكالها وأحجامها وألوانها وسمكها، ليستخرج منها حبيبات صافية بيضاء تعد المادة الأولية التي يعاد استعمالها في صناعة منتجات التعليب الغذائي.

 

– بعد هرس النفايات البلاستيكية وغسلها، تستغل كمادة أولية في صناعة قنوات بلاستيكية جديدة تستغل في عدة مجالات كالفلاحة مثلا.

 

– البحوث العلمية حول تدوير النفايات البلاستيكية

 

– تجارب مخبرية بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لا يركز فيها التوصل إلى بدائل قابلة للتحلل الحيوي للبلاستيك، ولكن البحث قصد التوصل إلى تقنية تمكن من التخلص من البلاستيك بشكل نهائي من خلال تقليص المدة الزمنية اللازمة لتحلل البلاستيك إلى أقل من 3 أسابيع، إن تحقق هذا الأمر فسيعد ذلك قفزة نوعية.

 

– تجارب علمية أمريكية أكثر طموحا بعد التوصل إلى تواجد نوع بكتيري يلتهم البلاستيك بشكل كبير.

 

– التوصل إلى يرقات ديدان تحلل البلاستيك.

 

– عمل مختبرات للدفاع الأمريكي على تحويل البلاستيك إلى بروتين عضوي من أجل دعم الغذاء.

 

إن هذه النتائج المخبرية تحتاج الى حيز زمني مهم حتى يتمكن النزول بها إلى أرض الواقع، لذا فان الحل الأمثل لمواجهة هذه الطامة هو:

 

التوفر على أنظمة علمية مدروسة للفرز والتحلل لأنه لا يمكن أن نترك كمية النفايات البلاستيكية تتضاعف وتتفاقم لتتدفق إلى النظم البيئية البرية والمائية سيما وأن هذه الكمية ينتظر أن تتضاعف3 مرات بحلول سنة 2040 مع استمرار انبعاث الغازات الدفيئة التي تنمي ظاهرة الاحتباس الحراري عبر دورتي التصنيع والإنتاج الكاملة لتصل إلى نسبة %19 من إجمالي الانبعاثات المسموح بها في اتفاق باريس للحد من ارتفاع درجة الحرارة دون 1 ,5 درجة مئوية.

 

التفكير بشكل استعجالي في إيجاد مواد بديلة ومستدامة للبلاستيك تأخد بشكل تدريجي مكانه في كل مناحي الحياة.

إعطاء أهمية وأولوية للبحث العلمي لتطوير وتوسيع دائرة استغلال ما تم الوصول اليه من نتائج طموحة تخص سواء التحلل أو المواد البديلة للبلاستيك.

 

العمل على تسطير برنامج علمي مجتمعي تحسيسي وتوعوي من أجل الحد وعقلنة استعمال البلاستيك، شريطة أن يكون هذا البرنامج قابل للقياس والتقييم وذو أهداف واضحة وقابلة للتحقق.

 

 

 

 

 

المراجع

تقرير الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للبيئة (2023).
تقرير الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للأرض(2024).
الاستراتيجية الوطنية لتقليص وتثمين النفايات (2014).
تقرير الصندوق العالمي للطبيعة (2019).
تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (2020).
تحيين القانون 00-28 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها .
القانون 15-77 الذي يمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها، وتصديرها وتسويقها واستعمالها.
مؤتمر الدفع اتجاه اتفاقية ملزمة لإنهاء التلوث البلاستيكي (مقر اليونسكو – باريس 2023).
تجربة ألمانيا لتدوير النفايات البلاستيكية.
نتائج التجارب لمختبرات أمريكية وبريطانية حول تدوير النفايات البلاستيكية

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق