•   تابعونا على :

الإعلامي الصديق معنينو لـ "الأيام" (3): عندما صادفت الحسن الثاني بلباس النوم في نيويورك

نجاة أبو الحبيب2017/05/29 11:25
الإعلامي الصديق معنينو لـ "الأيام" (3): عندما صادفت الحسن الثاني بلباس النوم في نيويورك
صورة تعبيرية

جيل مضى يعرف الصديق معنينو كنجم تلفزيوني في زمن ولادة التلفزيون المغربي، ولما كان هذا الجهاز يدخل كل بيوت المغاربة في سنوات الصراع السياسي، فإن الصحافي فيه تحول إلى شاهد قريب جدا من قلب صنع القرار في البلاد، وهكذا كان معنينو قريبا من الحسن الثاني في محطات مفصلية من تاريخ المغرب، وكان الملك يعتبر التلفزة سلاحه الخاص للانتصار لسياساته ضد المعارضة اليسارية التي كان سلاحها هو الصحافة المكتوبة.
 
في هذا الحوار المطول، الذي ننشره عبر حلقات، يقربنا الصديق معنينو، الذي وصل إلى منصب مدير الإعلام والكاتب العام لوزارة الإعلام على عهد ادريس البصري، من أجواء الماضي التي ماتزال ترخي بظلالها على الحاضر، ويطوف بنا على الأجزاء الأربعة من مذكراته "أيام زمان".


أشرت في مذكراتك الى حادثة طريفة، تصور لحظة توقف فيها الملك عن مواصلة قراءة خطابه، وأبدى عدم رضاه عن مستوى مقدمة الخطاب، هل معنى ذلك أن الملك لم يكن يطلع مسبقا على فحوى خطابه المكتوب؟

 

> خطاب الملك المكتوب هو خطاب حصيلة فقط، وقد كان الملك يطلع فقط على الحصيلة ملخصة، فالخطاب مثلا إذا كانت فيه أربعون صفحة، فهو يكون قبل ذلك قد اطلع على عشرين صفحة منه ملخصة تهم مختلف القطاعات، وعندما يوافق الملك على ذلك، تلي ذلك عملية التحرير، فيما مقدمة الخطاب وخاتمته لا يتم تحريرها في الديوان الملكي، بل يتم تحريرها عند السيد الحاج امحمد باحنيني، وهذا الرجل كان من القلائل وأظن أنه لم يعد له مثيل الآن، حيث كان يكتب بعربية قديمة أندلسية لا علاقة لها بالخطاب، لدرجة أننا عندما كنا نبدأ في ترجمة خطاب الملك كنا نقف عاجزين عن ترجمة ما يكتبه باحنيني، فكنا لا نترجمها، لأنها لغة فضفاضة لا تقول شيئا، يبحث فيها دائماً عن التوازن بين الجمل، وعن كلمات من الأعماق كأنها من المعلقات. إذن، الملك كان يعرف ما يوجد داخل الخطاب طبعا باستثناء المقدمة العادية والخاتمة كالعادة، لكنه في إحدى خطبه ما إن بدأ في قراءة مقدمة الخطاب حتى نهض، وسأل: «من كتب هذه المقدمة؟»، ونحن نعرف حينما كان يطرح الحسن الثاني سؤاله بهذه الطريقة، فالكل كان يلجأ للتملص من إعطائه جوابا، فأعاد سؤاله مرة ثانية بنفس النبرة، فأجابه السيد أحمد بنسودة في الأخير بأن الحاج امحمد باحنيني هو الذي كتب ذلك، وطبعا الملك كان يعلم أن باحنيني هو صاحب هذه المقدمة، حينها قال له الحسن الثاني: إذا لم أفهم أنا ما جاء في هذه المقدمة، فكيف يمكن للناس فهمها؟ ينبغي الكتابة ببساطة «، ورغم ذلك استمر الحاج با حنيني في الكتابة، وإن خفف شيئا ما في طريقته لكتابة مقدمة خطب الملك الراحل.

 

وقد كان طبعا في استطاعة الملك أن يتوقف خلال قراءته للخطاب، وحدث ذلك عدة مرات، وهذا ما يميز الخطاب المسجل، بحيث كان الملك أحيانا يقرأ خطابه، وما إن تمر خمس عشرة دقيقة أو نصف ساعة حتى يتعب، فيأمرنا بتوقيف التصوير، وبعد أن يدخن سيجارته ويشرب قهوته ويتحدث قليلا مع الحضور، يعود مجددا لمواصلة قراءة الخطاب، وطبعا المشاهد لم يكن يشعر بما كان يحدث.

 

 وقد عشت موقفا لا أنساه خلال خطاب فاس الشهير في سنة 1973، الذي كان أول خطاب نقلناه بالألوان، من دار صغيرة توجد داخل القصر الملكي تسمى «دار الفاسية»، بحيث شاهدت خلال التهييء لنقل الخطاب لأول مرة الملك ب»البيجاما» عندما أطل علينا غاضبا من الطابق العلوي، وذلك حينما سمع ضجيج الضربات التي كانت توجه لنافورة تاريخية في الباحة، رأى فريق فرنسي ضرورة إزالتها من أجل تسهيل تصوير الخطاب. والحقيقة أنني عندما أتذكر ذلك المشهد، الذي كان الملك يصرخ فيه من شدة الغضب من «الدربوز»، يقشعر جسدي. فالحسن الثاني كانت له رهبة كبيرة جدا، كان يشعر بها القريبون منه والبعيدون أيضا، كانت شخصيته قوية جدا. فبمجرد مروره ولو ساكتا كان يخيم الصمت على المكان، فما بالك حين تشاهده يصيح غاضبا. أذكر أن الجميع تجمد، ومن حسن حظي أني كنت أتواجد بجانب سارية، فاختبأت خلفها وأنا أدعو أن تمر الأمور بسلام، ومن حسن حظي أيضا أن السارية كان خلفها بهو، فما إن اختفى الملك حتى دخلت إليه حتى أهرب من أي مشكل محتمل الحدوث. والحقيقة أنه لم تكن هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها الملك بـ»البيجاما»، فقد سبق لي رؤيته لكن في ظروف أخرى، وكان ذلك في نيويورك.

هل يمكن معرفة هذه الظروف التي كنت قد صادفت فيها الملك وهو بلباس النوم في نيويورك؟

 

> هذه القصة أرويها لأول مرة، وسأحاول تلخيصها، فقد ذهبت لتغطية أنشطة الملك عدة مرات في نيويورك، وكان الحسن الثاني قد سافر إليها عدة مرات كملك للمغرب في خطب الأمم المتحدة، ومرات أخرى بوصفه رئيس اللجنة العربية السباعية التي تأسست في مؤتمر القمة في فاس، وسافر كذلك إليها بصفته رئيساً للجنة القدس، وفي إحدى المرات خلال تواجدي معه في نيويورك، أعطاني أحد الضباط غلافا وكان يهم بالمغادرة في حالة استعجال، وقال لي: «من فضلك، اصعد بهذا الظرف إلى الطابق الخامس والثلاثين، وأنا لم أصعد في حياتي من قبل إلى طابق بهذا المستوى من العلو، فأنا نفسيا يخيفني ذلك، دخلت المصعد، وضغطت على الزر المطلوب، ولم يكن المصعد مسرعا في صعوده، وحين وصلت إلى الطابق الخامس والثلاثين لم أجد أحدا في انتظاري، كانت الأرضية مغطاة بزرابي، فأخذت أسير داخل أحد الممرات بحثا عن أحد أسلمه الظرف، فإذا بباب يفتح، خرج منه الحسن الثاني وهو يرتدي «البيجاما»، لم أعرف كيف أتصرف بفعل الصدمة، هل سأعطي الملك الظرف، أم أعطيه إلى الضابط المكلف، فوجدت نفسي أردد إمامه:» الله يبارك في عمر سيدي، الله يبارك في عمر سيدي». ابتسم الملك، ثم فتح بابا آخر ودخل إليه، وأذكر أنه كان يدخن سيجارة. والملك كان يدخن كثيرا. والحقيقة أن هذه اللحظة التي دامت أقل من دقيقة، بقدر ما شعرت فيها بفرح بلقاء الملك، بقدر ما خشيت أن أسأل في ما بعد كيف عرفت أن الملك يقطن في الطابق الخامس والثلاثين، وكيف وصلت إلى مكانه دون أن يلاحظ ذلك أحد، ولماذا غياب رجال الأمن، لأجدني وجها لوجه أمام الملك، وهو طبعا أمر من المستبعدات. لقد لاحظ الملك ارتباكي وخوفي، لذلك ابتسم، وهو يدخن سيجارته.

 

أثارني تصويرك في مذكراتك لمشهد نقل علماء من حفظة القرآن والأمداح النبوية داخل مقصورة طائرة مفروشة بزرابي دون أحزمة سلامة كان الملك قد استقدمهم لإحياء ليلة المولد النبوي بالسعودية، كيف حدث ذلك؟ 

 

> حدث ذلك داخل طائرة أمريكية من نوع س 130، وهي طائرة عملاقة توجد في ملكية القوات المسلحة الملكية، وتستعمل لنقل الجنود وكذلك لنقل العتاد، وعندما تنقل الجنود، ولأنها لا تتوفر على مقاعد، يحل محلها نوع من الشباك يجلسون فوقها ويربطون أنفسهم بها، لكن هذه الطائرات استعملت لعدة مرات كطائرات فاخرة، بحيث توضع فيها كراسي كبيرة، وأرائك وثلاجات إلى غير ذلك، لكن حينما انتهينا من ليلة إحياء عيد المولد النبوي بالسعودية، لم يكن بالإمكان وضع تلك الشباك لكي يربط بها الفقهاء أنفسهم، وقد استقدمهم الحسن الثاني لإحياء هذه المناسبة، فتم وضع زرابي على أرضية مقصورة الطائرة، جلس عليها الفقهاء بطريقتهم جلوسهم المعتادة وهم يقرأون القرآن، وكانوا لازالوا تحت نشوة فرحهم أولا بزيارتهم لقبر الرسول ليلة إحيائهم لمولده، وثانيا لكون هذه الطائرة ستحملهم إلى جدة، كي يتوجهوا لمكة لأداء مناسك العمرة، قبل العودة للمغرب، هذا بالإضافة إلى الإكراميات التي توصلوا بها من طرف الحسن الثاني، بحيث عاش الفقهاء كل ذلك في ظرف يومين فقط.

 

لم ينتبهوا طبعا للعطب الذي أصاب محرك الطائرة وكاد يؤدي بنا إلى كارثة، لولا حنكة الربان، وقد قلت مع نفسي لعل الله قد كتب لنا النجاة بفضل صلواتنا الخاشعة خلال إحياء الحسن الثاني لليلة المولد بجانب قبر الرسول.

 

كان للأميرة الراحلة للا نزهة، شقيقة الحسن الثاني، حضور في مذكراتك، وخاصة منها الرحلة المثيرة التي رافقتها فيها خلال زيارتها لإيران رفقة الوزير الأول زوجها أحمد عصمان، كيف ترسم بورتريها لللا نزهة كما عرفتها عن قرب؟

 

> كانت الأميرة للا نزهة سيدة فاضلة، وامرأة أنيقة، وجميلة، ورغم أنها كانت نحيفة إلا أن صوتها كان جهوريا، وحين سافرت معها في نفس الطائرة في رحلة إلى ايران، رحبت بي في الطائرة، وكان معي الصحفي لسان الدين داوود، من وكالة المغرب العربي للأنباء، كان شاه ايران في أوج قوته، وكذلك زوجته التي كانت ذات جمال وأناقة، ويمكن أن أقول إنهم كانوا يعيشون حقاً في أجواء ألف ليلة وليلة، ويكفي أن أذكر زيارتنا لقصر طهران، ورغم ذلك كانت الأميرة حريصة على الاهتمام والترحيب بنا. وهنا سأحكي قصة لم أروها من قبل، ولم أتحدث عنها في مذكراتي السابقة حينما توقفت عند هذه الرحلة. فقد كنت ولسان الدين نتعشى داخل الفندق الذي نقيم فيه، فإذا بالهاتف يرن، ليكلمني حفيظ برادة، الكاتب الخاص لديوان الوزير الأول أحمد عصمان، وسألني: أينك، آسي معنينو؟ فأجبته أنني أتناول عشائي، فقال لي : الشريفة تسأل عنك، فقلت له إنه لا علم لي بذلك، فطلب مني أن أصعد إلى غرفتي وأهيء نفسي، لأنه سيبعث من سيأخذنا عند الأميرة للا نزهة. لم يكن متاحا لأي شخص أن يدخل قصر طهران الشهير الذي لا يستقبل إلا علية القوم، دون الحديث عن الجانب الأمني الذي يتم الخضوع له قبل ولوجه، ورغم ذلك دخلناه، عندما جاء رجلان إيرانيان ببنية قوية، واصطحبانا داخل سيارة فاخرة، دخلنا القصر، سلمنا على الأميرة، وكانت هناك سهرة هادئة، فقالت لنا للا نزهة : أنتم يتم تذكركم فقط في وقت العمل، في حين لا أحد يتذكركم في وقت الراحة، وأضافت: «أنت أسي معنينو عضو في الوفد، ويجب أن تحضر معنا في كل شيء»، فقلت لها: الله يبارك في عمر للا. وقد شاهدت في هذه السهرة عازف الناي بنبراهيم، وعازف القانون صالح الشرقاوي، وفنانا مغربيا آخر يضرب الدف، وهم يعزفون تقاسيم موسيقية جميلة.

 

ونحن نزور رفقة الأميرة للا نزهة وأحمد عصمان والوفد المرافق لهما طابقا تحت أرضي للبنك المركزي بإيران حيث توجد نفائس العالم. التي تحظى بحراسة مشددة، وصلنا خبر وفاة علال الفاسي برومانيا.

 

وحين غادرنا طهران، دعتنا الأميرة أنا وزميلي للبقاء في باريس لمتابعة الإنتخابات الفرنسية التي عرفت منافسة  شرسة بين جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران، وقضينا ليلتين في ضيافة للا نزهة  في واحد من أفخم فنادق باريس، وشاهدنا الإحتفالات بفوز  جيسكار ديستان. 

تعليقات الزوار ()