•   تابعونا على :

الإعلامي الصديق معنينو لـ "الأيام" (2): عندما اشترى الحسن الثاني 10 آلاف تلفزيون ووزعها على المقاهي

نجاة أبو الحبيب2017/05/28 12:08
الإعلامي الصديق معنينو لـ "الأيام" (2): عندما اشترى الحسن الثاني 10 آلاف تلفزيون ووزعها على المقاهي
الراحل الحسن الثاني

جيل مضى يعرف الصديق معنينو كنجم تلفزيوني في زمن ولادة التلفزيون المغربي، ولما كان هذا الجهاز يدخل كل بيوت المغاربة في سنوات الصراع السياسي، فإن الصحافي فيه تحول إلى شاهد قريب جدا من قلب صنع القرار في البلاد، وهكذا كان معنينو قريبا من الحسن الثاني في محطات مفصلية من تاريخ المغرب، وكان الملك يعتبر التلفزة سلاحه الخاص للانتصار لسياساته ضد المعارضة اليسارية التي كان سلاحها هو الصحافة المكتوبة.
 
في هذا الحوار المطول، الذي ننشره عبر حلقات، يقربنا الصديق معنينو، الذي وصل إلى منصب مدير الإعلام والكاتب العام لوزارة الإعلام على عهد ادريس البصري، من أجواء الماضي التي ماتزال ترخي بظلالها على الحاضر، ويطوف بنا على الأجزاء الأربعة من مذكراته "أيام زمان".

 

عشت فترة انضمام الإعلام إلى الداخلية الذي أثار جدلا كبيرا، ماهي الدوافع الكامنة وراء لجوء الحسن الثاني إلى قرار كهذا؟ 


> انضمام الإعلام إلى الداخلية، أحدث مشكلا دام عشر سنوات حينما أصبح ادريس البصري وزيرا للإعلام والداخلية، ومرة سألت البصري: أنت وزير للداخلية وفي نفس الوقت وزير للإعلام، والمعروف أن الداخلية هي العصا، والإعلام هو الكلام»، حينها أجابني: أنا نصفي الأيمن مع الداخلية ومع العصا، أما نصفي الأيسر، وفيه قلبي، فهو مع الإعلام»، وكان جوابه ذكيا. والجمع بين الداخلية والإعلام عرف صراعا لم يظهر في البداية، بحيث تقبل الصحافيون والسياسيون هذا الأمر بطريقة عادية، ولكن حين تطورت الأمور ودامت أدى ذلك إلى نقاش حاد. وهذه بعض من القضايا التي عالجتها في الجزء الرابع.


وكيف تم تعيين ادريس البصري وزيرا للإعلام في الوقت الذي كان فيه أيضا وزيرا للداخلية؟ 


> أولا، كان التلفزيون يبث مجموعة من البرامج والنشرات الإخبارية كذلك، وكانت عين الداخلية على التلفزيون، بحيث كانت تحرر تقارير تبدو بريئة، ولكن تراكمها جعل الحسن الثاني يشعر بأن شيئا ما سيفلت من بين يديه، فالتلفزيون لم يكن في يوم من الأيام تابعا لوزير الإعلام، وهذه حقيقة ينبغي أن نقبلها، كان هناك وزير للاتصال، لكن التلفزيون كان له نوع من الخصوصية، فقد أنشئ في سنة 1962، وعندما لم تكن عند الناس أجهزة تلفزيون، اشترى الملك عشرة آلاف جهاز تلفزة ووزعها على المقاهي، أي أن الحسن الثاني كان يعتبر أن التلفزيون يخصه، وكان يأخذ الحيطة منه، لأنه كانت تصله تقارير بما يمر داخله، إذن يمكن القول إن الحسن الثاني كان من الناحية النفسية على استعداد لهذا الأمر، وفي المقابل كان عبد اللطيف الفيلالي وزيرا للإعلام، وهو رجل متفتح، يمكن القول إنه كان ليبراليا، ولكنه كان غائبا، فقد كان وزيرا للخارجية، فمثلا كان يذهب إلى الأمم المتحدة فيمكث هناك ويقوم بجولة قد تدوم أكثر من شهر، في الوقت الذي كان لا يوجد في وزارة الإعلام أي مخاطب للملك، حينها عين الحسن الثاني ادريس البصري نائبا لوزير الاتصال، فكانت هذه إشارة أولى لهذا الاختيار قبل ذلك بستة أشهر.


وفي الليلة التي سيتخذ فيها القرار كانت التلفزة قد بثت برنامجا اسمه" وثيقة"، وهذا البرنامج كان يدوم حوالي ساعة ونصف إلى ساعتين، وكان يستضيف شخصيات، كان اختيارها يثير نوعا من الجفاء في مصالح وزارة الداخلية، فمثلا سبق للبرنامج أن استضاف المهدي المنجرة لمدة ساعة ونصف، واستضاف شهودا، وكان المنجرة يقول إن الدولة ستنهار، وإن الاقتصاد سيء، وإنه ليست هناك ديمقراطية، ولاحقوق الإنسان، وفي ذلك الزمان كان صعبا أن يمر شيء كهذا.


قلت في تلك الليلة كان قد استضاف برنامج "وثيقة" المهدي بنعبود، وهو طبيب أولا ووطني، ومن رجالات المقاومة، ومن الشخصيات التي كانت نافذة عند محمد الخامس، كان يتكلم الإنجليزية، وقد عينه محمد الخامس سفيرا للمغرب في أمريكا، وعند الإضراب الذي وقع في بداية الستينيات في وزارة الخارجية تضامن السفير بنعبود مع المضربين، فنودي عليه للعودة للمغرب، ليوضع في خانة المغضوب عليهم. وفي حلقة برنامج "وثيقة" تحدث عن شبابه، إلى أن وصل إلى أنه كان طالبا في باريس، وكان أغلب الطلبة يساريين، وكانوا لا ينوون خيرا في الملكية، كان التيار آنذاك لينينيا ماركسيا، وهو يحكي، توقف بنعبود لحظة ثم قال:عند عودة محمد الخامس إلى باريس انقسم الطلبة، منهم من قال لنذهب عند الملك للسلام عليه، ومنهم من قال لا علاقة لنا بمحمد الخامس، فهو ملكي رجعي ولا نتفق معه، في تلك اللحظة كان الحسن الثاني يتابع هذه الحلقة، ثار الملك، والكل يعلم حدة وسرعة غضباته التي أصبحت شهيرة، فنادى حينها على البصري لأن وزير الاتصال الفيلالي كان غائبا، وأمره بتوقيف برنامج "وثيقة" فورا، فاتصل البصري هاتفيا بمدير التلفزيون وأبلغه بالأمر. بعد توقيف البرنامج، نادى الملك على مدير القصور وأفتى له بلاغا صغيرا يقول: "تعلن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن جلالة الملك عين ادريس البصري وزيراللإعلام إلى جانب وزارة الداخلية، ويحتفظ السيد الفيلالي بوزارة الخارجية"، وهكذا دخلنا في متاهة دامت أكثر من عشر سنوات.


كيف تعامل ادريس البصري مع تحمله مسؤولية وزارة الإعلام في وقت كان يبدو فيه أنه لم يكن يفقه كثيرا في هذا المجال؟ 


> كان البصري قد أسر إلي مرة وقال: "أنا ضيف عندكم لمدة ثلاثة أشهر فقط"، ولا أدري هل كان صادقا في كلامه أم لا، ولكن خلال الستة أشهر الأولى لم يتخذ أي قرار، ولم يتدخل بصفة نهائية، وإن كان يطلب دائماً الاجتماع مع أطر التلفزة ويسألها عن طريقة التنظيم وطريقة الإخراج. كان خلالها يكتشف التلفزيون من جوانبه التنظيمية والفنية والإعلامية، فأخذ وقتا واستقبل النقابة الوطنية للصحافة وتحادث معها، وأنصت إلى مطالبها، وكانت المطالب إذ ذاك كلها إما حقوقية، نظرا لحضور الرقابة، وإما مالية، لأن المجال الصحافي كان دائماً يعيش أزمة مالية. وهذا ما سيعيشه القارئ بالتفصيل على مدى عشر سنوات في الجزء الرابع القادم من مذكراتي "أيام زمان".

تعليقات الزوار ()