من وحي العدد الألف

العدد الألف: ما أجمل الرمزية وما أحلى الرنين. ألف أسبوع، وألف «بوكلاج» وألف حكاية في عشرين سنة ونيف من العمل الدؤوب للمساهمة في البناء. والدرس الأول هو أنه في نهاية المطاف، وعندما يلتفت الإنسان إلى الوراء، لن تجدي قيمة المكاسب إلا ما كان منها يُطمئن على أن الواحد منا قد قام بالواجب أو حاول على الأقل، وأنه فعل ذلك بضمير وشرف، وأنه لا يؤدي الآن أسوأ ثمن يمكن أن يؤديه المحترف للكلمة وهو وخز الضمير.

نور الدين مفتاح [email protected]

مجرد أن نبقى على قيد الحياة ونصل إلى العدد الألف هو إنجاز! بذلك تغمرنا نشوة كسب تحدّي الاستمرارية رغم توقعات المستقبل المخيفة.
العدد الألف: ما أجمل الرمزية وما أحلى الرنين. ألف أسبوع، وألف «بوكلاج» وألف حكاية في عشرين سنة ونيف من العمل الدؤوب للمساهمة في البناء. والدرس الأول هو أنه في نهاية المطاف، وعندما يلتفت الإنسان إلى الوراء، لن تجدي قيمة المكاسب إلا ما كان منها يُطمئن على أن الواحد منا قد قام بالواجب أو حاول على الأقل، وأنه فعل ذلك بضمير وشرف، وأنه لا يؤدي الآن أسوأ ثمن يمكن أن يؤديه المحترف للكلمة وهو وخز الضمير.
الكمال لله. والإنسان خطاء. وقد أخطأنا كثيرا في هذه المسيرة، ولكنها أخطاء البشر غير المقصودة والتي تصحّح. ليس في عنقنا سمعة كسرناها لرجل أو امرأة، وليس في كوابيسنا قتل رمزي ارتكبناه مع سبق الإصرار والترصد، وليس في صحيفتنا تآمر على بلادنا ومواطنينا. ولكن، لا يسلم أي إنسان يشتغل في الفضاء العام من الأذى، وهذا ذقناه وهو مرّ، وخصوصا من يحاول أن يكون مستقلا ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يكون مهنيا، وأن يدعو إلى كلمة سواء تصان بالحدّ الأدنى من القيم، وتتفرع عنها في الحد الأقصى التعددية الحقيقية البناءة، وفي الاختلاف رحمة.
ونحن في هذا العدد الألف، ورغم كل ما مضى، بما له وما عليه، تجدنا نقف على أطلال القطاع. لقد ضربت الأزمة الجميع في مقتل، وأصبح الهاجس اليوم ليس هو الإتقان أو أصول المهنة بقدر ما أصبح الهاجس هو الحرب من أجل البقاء. في خضم هذه الأعداد الألف، توقفت صحف، وماتت أخرى، وولدت تجارب، ولكن، ومنذ مارس 2020، فتح التابوت، وسمع صوت المطرقة وهي تهوى على رأس المسمار. لقد أصبح القطاع المنكوب متعانقا مع حتفه، ولولا دعم الدولة الذي وصل إلى أكثر من 50 مليار سنتيم لحدّ الآن لما وجدنا جل الصحف إلا في لائحة الوفيات.
نعم، لقد كانت الأزمة عنيفة، والتربة مواتية لتتضاعف آثارها، إلا أن الجواب عليها كان جوابا خطأ في تدبير هذا الدعم العمومي غير المسبوق. إن الانشقاق التنظيمي الذي جرى في جسم ناشري الصحف كان خطأ. وإن الدفع إلى تقسيم هذا الجسم الصحافي إلى مقاولات كبرى يجب أن تعيش ومقاولات صغرى لا تهم كثيرا كان خطأ. وإن لعبة الاصطفافات الوهمية المبنية على من هو وطني ومن هو غير ذلك خطأ. وإن التساهل الذي ميّز هذه المرحلة العصيبة من حياة الصحافة المغربية مع القيم المهنية الفضلى وأخلاقيات المهنة كان يجعل ملايير الدعم كالماء الذي يُصبّ في الرمل.
هذا الدعم الاستثنائي كان شبيها بإسعاف لمريض انخفضت نسبة الأوكسجين في دمه بشكل كبير ويحتاج إلى الإنعاش، وكان يجب علينا أن نقول لأنفسنا أولا، ولكل الفاعلين، إننا إذ نشكر هذا الإسعاف فإن المقابل الذي يمكن أن نقدمه لهذا المال العام الذي حافظ على بقائنا هو أن نكون أكثر مصداقية، وأكثر مهنية، وأقرب إلى المعايير الدولية في مجال حرية الصحافة، حتى نستعيد تنفسنا الطبيعي برئتين سليمتين هما ثقة المجتمع وعودة الانتشار، ومعه الدورة الاقتصادية السليمة لمنشأة صحافية ضرورية للديموقراطية. وهنا أخطأنا موعدنا أيضا مع آخر الفرص التاريخية لاستمرار الصحافة الجادة على قيد الحياة بدون أنبوب أوكسجين.
لقد هرب القراء والزوار الجادون وتركوا الفضاء للصراخ والمزايدات. ويخيّل للمرء الذي لا يعرف تاريخ المغرب التعدّدي الوازن أننا انبثقنا من الإسفاف والابتذال، ويمكن أن أقول بكل اطمئنان إنه لم يسبق للمجال الصحافي خصوصا، والتواصلي عموما، في بلادنا أن كان في هذا المستوى من الهزال، اللهم إلا من رحم ربك. فهل بهكذا جواب يمكن أن نسترجع عافيتنا؟ أبدا، ولو أغدقت الملايير على القطاع، فلن تقوم له قائمة إلا بطريق واحد وهو أن يكسب ثقة القراء ويستعيد مصداقيته.
كثيرون يعتقدون أن ثورة مواقع التواصل الاجتماعي أنهت عهد الصحافة التقليدية عبر العالم، وبالتالي، ينخرطون في الحلول التخفيفية على الصحافة المغربية في انتظار إقامة صلاة الجنازة عليها، وهذا خطأ. ما وقع للصحافة في بلادنا كان استثناء من حيث حجم الدمار فيه. ليست هناك صحافة في العالم مثلنا حيث فقدنا ثلاثة أرباع من حجم انتشارها في ظرف ثلاثة أشهر ثم استمر الانخفاض!
كل الدول تعيش مشاكل المنافسة بين الأنترنيت والصحافة الاحترافية، إذاعية وتلفزية وورقية وإلكترونية، ولكن تراجعاتها السنوية تعدّ بـ 1 في المائة أو 5 أو 10 في المائة، وأما أن نكون إزاء انهيار للمنظومة برمتها، ونبني الاصطفافات حول دعم عمومي يصبح هو المورد الرئيسي للحياة، فهو الانتحار بعينه، وعلى جميع الزملاء أن يقفوا وقفة تصارح مع الذات بعيدا عن الضغائن الصغيرة، ليقرؤوا الواقع جيدا ويتخذوا القرار الصائب من أجل المغرب، لا من أجل مغنم زائل هنا، وأنانيات هامشية هناك.
والمشكل في هذا القطاع، أنه هو بالضبط تزر فيه الوازرة وزر أخرى! فعندما يتم تلطيخ سمعة الصحافة من طرف البعض فإن الجميع يؤدي الثمن. وواقعنا أننا جميعا نؤدي الثمن اليوم وقليلون منتبهون إلى أننا نطل على الهاوية لا قدر الله.
وسط هذه اللوحة القاتمة ما تزال هناك صحف تقاوم، ورقية وإلكترونية، بإمكانيات محدودة غالبا، في المركز وفي الجهات، وما زالت هناك عينة من القراء يحافظون على نواة القراءة الجادة في انتظار أيام أحسن، ومازال هناك عشرات المئات من الصحافيات والصحافيين الذين لم يرضوا أبدا أن يخرقوا شرف المهنة الذي يطوقهم، وأعرف من يقبل بأجر أقل مقابل كرامة أكبر، وهؤلاء هم الأغلبية الصامتة اليوم، وستكون لهم الكلمة غدا عندما تخفت هذه الجلبة التي تملأ الفضاء العام وتتوقف هذه الجعجعة بلا طحين.
هل سيُكتب لنا أن نستمر حتى نكتب يوما عن ذكرى عدد رمزي آخر؟ ربما، ولكن كل شيء رهين بما سنفعله جميعنا الآن. يجب أن تتطور المنافسة حول المضامين الجيدة، يجب أن نستعيد ألق الماضي القريب، يجب أن نحيي تضامنا مهنيا صادقا نسطر عليه بميثاق شرف لا يكون فقط نصا منشورا في الجريدة الرسمية، ولكن يكون التزاما صارما يصبح من يخرقه منبوذا من طرف المهنة. يجب أن نفتح حوارا واسعا مع المجتمع ممثلا في قواه الحية، يجب أن نتحاور في الجامعات مع الأساتذة والطلبة وفي رحاب قصور العدالة وفي الثانويات ومع جمعيات الأحياء والشبكات الثقافية، ومع القراء الذين هجرونا. يجب أن نقنع الناس بجدوانا، وهذا لن يتأتى إلا إذا قلبنا صورتنا المتشرذمة اليوم رأسا على عقب. هذا زمن تلاحم أرباب الصحف جميعهم مع ممثلي الصحافيين جميعهم، لخلق جبهة من أجل إعادة بناء الثقة بين الصحافة والمجتمع. وبدون هذا الورش الذي لا يكلف مليارا ولا درهما فإن أيامنا ستكون معدودة حتى بدعم الدولة وهذا سيكون خسارة فادحة للمملكة لن يحس بها الجميع إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس.
كثيرون من جيلي يقولون إن على الإنسان أن يعرف متى يخرج، ويعتقدون أن أسوأ أيام الصحافة هي ما نعيشه الآن، وأن الاستمرار في هذه الأجواء سيجعلنا من الذين ينطبق عليهم مَثل «النخالة والدجاج» المغربي الحكيم. إلا أنني أعرف من فكر ألف مرة في الانسحاب، وألف مرة تراجع. فالتشخيص في هذا الموضوع صائب ولكن، ترتيب هذه النتيجة القطعية صعب جدا. فهل هذا الانسحاب جزء من الحل للمجال العام أم هو حل شخصي للراحة بالمغادرة؟ صعب جدا أن يطوي الإنسان صفحة هذه المهنة التي لا تقاعد فيها، وخصوصا في الظروف التي شرحناها بتفصيل من قبل. خيار الاستمرار هو الأصعب، ولكن مع كل عدد جديد من الجريدة، ومع كل ملف، وكل عضو هيئة تحرير، وكل نقاش في اجتماع التحرير، وكل مساهمة بسيطة ولو بكلمة هي واجب لحد الآن. وإذا تيسر وجمعنا شملنا وكنا على كلمة رجل واحد وأعدنا لصحافتنا رونقها، وهذا أمل ضعيف ولكنه قائم، فإنني متأكد أن أحد الزملاء سيكتب يوما في هذه الزاوية: «من وحي العدد الألفين».
شكراً لكل من يحمل هذه الجريدة على أكتافه في كل الأقسام، ومختلف المهام، ومعذرة عن التقصير في حقكم، وشكراً للأوفياء من القراء. وكل ألفية وأنتم بألف خير.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق