الملك ورقعة الشطرنج: المعالم الأربع للخطة التي تحرك دبلوماسية المغرب

الملك محمد السادس

تظل ذكرى “عيد العرش” التي تُصادق اليوم السبت 30 يوليوز الجاري، مناسبة يحتفل بها المغاربة، وفرصة للتوقف عند أهم المحطات التي شهدتها المملكة تحت قيادة الملك على مدار أزيد من عشرين سنة؛ وذلك بالرغم من إعلان وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة قرار تأجيل جميع الأنشطة والاحتفالات والمراسم، التي تقام بمناسبة “الذكرى الثالثة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس العرش”، وتأجيل حفل الاستقبال الذي يترأسه الملك، بهذه المناسبة المجيدة، وحفل أداء القسم للضباط المتخرجين الجدد، هذه السنة.

 

ويرى أحمد نور الدين ، خبير في القضايا الدولية بالرباط متخصص في ملف الصحراء المغربية، أن “الحديث عن حصيلة 23 عاما من المنجزات في مجال الدبلوماسية الملكية، يستلزم دون مبالغة أكثر من مجلد، لأننا أمام مرحلة تميزت بدينامكية خلاقة، خلخلت الكثير من المسلمات، وكسرت العديد من الطابوهات، وأرست خطوة خطوة، بحكمة واتزان ودون بهرجة أو استعجال، دعائم سياسة خارجية قوية أعادت للمملكة مكانتها المرموقة بين الأمم”.

 

إرساء سياسة إفريقية

وأضاف نور الدين، في حديثه لـ”الأيام 24″ أن “أبرز معالم السياسة الخارجية هي أولا إرساء سياسة إفريقية ثنائية استغرقت حوالي عقدين من الزمن، أعطى فيها المغرب النموذج لما ينبغي أن يكون عليه التعاون المثالي جنوب جنوب، من خلال أزيد من 50 زيارة رسمية قادت العاهل المغربي إلى الجهات الأربع في القارة السمراء، وقّع خلالها أزيد من ألف معاهدة واتفاقية، وتمخضت عنها مشاريع مشتركة حقيقية وذات قيمة مضافة عالية في كل القطاعات الإنتاجية، حيث أصبحت المملكة ثاني أكبر مستثمر إفريقي في القارة من خلال تواجد أزيد من 600 شركة مغربية في كل المجالات، وهو توجه ترجم ثقة المغرب في إفريقيا وبادلته إفريقيا بالثقة في المغرب”.

 

“بعد ذلك أطلق العاهل المغربي مرحلة ثانية خلال الخمس سنوات الأخيرة تميزت بالتعاون الإفريقي متعدد الأطراف من خلال قرار العودة إلى البيت الإفريقي واستعادة مكانة المغرب الطبيعية داخل المنظمة الإفريقية” يسترسل نور الدين حديثه مشيرا أن هذه المرحلة “قد تميزت هي الأخرى بإنجازات كبيرة في فترة وجيزة كان من أبرزها منح المغرب في شخص العاهل المغربي درع الريادة الإفريقية في الهجرة، واستضافة المغرب العديد من المؤسسات الإفريقية المرموقة مثل المرصد الإفريقي للهجرة أو المكتب الإقليمي للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب على صعيد القارة، أو صندوق إفريقيا 50 للاستثمارات، وغيرها من المؤسسات المرموقة في مختلف الميادين”.

 

وفي سياق متصل، أكّد الخبير في القضايا الدولية، أن “السياسة الإفريقية، بدأت تُقدّم ثمارها من خلال افتتاح حوالي 20 دولة افريقية قنصليات لها في الصحراء المغربية، ومن خلال كسر محور الشر المعادي للوحدة الترابية للمملكة، حيث أصبحت نيجيريا شريكا استراتيجيا للرباط، بعد أن كانت “أبوجا” تشكل ثالث ضلع في مثلث معادي مع جنوب إفريقيا والجزائر، وكذلك الشأن بالنسبة لأثيوبيا التي أغلقت سفارتها في الجزائر وأبقت على سفارتها في الرباط؛ بالإضافة إلى خروج الجزائر من مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي ظلت تحتكر رئاسته منذ إنشائه، وانتخاب المغرب لفترتين متتاليتين عضوا داخل نفس المجلس، دون أن ننسى سحب العديد من الدول اعترافاتها بالكيان الوهمي في تندوف، وأصبح الأغلبية الساحقة، 43 دولة من أصل 54 دولة داخل الاتحاد الإفريقي لا تعترف بالكيان الذي اصطنعته الجزائر”.

 

“لعبة الشطرنج”

 

“المعلم الثاني الأبرز في السياسة الخارجية، يتمثل في النقلة الإستراتيجية، إذ استعملنا لغة “لعبة الشطرنج”، والمتمثلة في الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وسيادة المغرب على كل أقاليمه الجنوبية التي تسمى بالصحراء الغربية، وقد صدر القرار في الجريدة الرسمية الأمريكية، أو ما يطلق عليه السجل الفدرالي، ووزع كوثيقة رسمية على أعضاء مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة” يؤكد نور الدين، في حديثه لـ”الأيام 24″ مشيرا أن “اللوبيات المضادة للمغرب التي يمولها بسخاء البترو دولار الجزائري، لم تفلح في تغيير موقف الإدارة الديمقراطية للبيت الأبيض، وهو نجاح ثاني للمغرب وصفعة لمن كان يتوسم تغيير الموقف الأمريكي بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض رغم حجم الضغوطات الرهيبة”.

 

إلى ذلك، يواصل الخبير في القضايا الدولية، مبرزا أن “المعلم الثالث، هو التغير الاستراتيجي في الموقف الاسباني، الذي أعقب أزمة بين البلدين، حولها الطرفان إلى فرصة لمراجعة المواقف الثنائية من العلاقات بين المملكتين، وقد أدت المفاوضات المعمقة تحت إشراف مباشر للملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، أدت إلى دعم إسباني واضح لموقف المغرب في الصحراء، بل أن الرسالة التي بعث بها رئيس الحكومة الإسبانية تحدثت عن دعم سيادة المغرب وهو اعتراف بسيادة المغرب على صحرائه بشكل لا يقبل التأويل” موضحا أن ذلك ما “أدى إلى سحب السفير الجزائري من إسبانيا وإلى تدهور في العلاقات التجارية بين الجزائر ومدريد، وإغلاق أنبوب الغاز وتهديد بمراجعة اسعار الغاز، وتوقيف للمعاملات البنكية، وغيرها من الإجراءات المتشنجة للنظام الجزائري”.

 

“بذلك يكون المغرب قد ضرب عدة عصافير بحجر واحد كسب موقفا اسبانيا يصحح الخطأ التاريخي لهذا البلد الذي كان وراء خلق مشكلة الصحراء، وحطم تحالف الشر بين الجزائر ومدريد ضد المغرب، وفضح النظام الجزائري أنه هو خصم المغرب الوحيد المعادي لوحدته الترابية وان الجبهة الانفصالية مجرد ورقة بيد جنرالات الجزائر، وكلها انتصارات للدبلوماسية الملكية” يؤكد نور الدين، موضحا أن “إسبانيا، لم تكن هي الوحيدة في هذا النهج بل كانت هناك مواقف أوربية مساندة لموقف المغرب ولمقترحه بإنهاء النزاع في الصحراء، ومنها ألمانيا وهولندا وغيرهما بالإضافة إلى دعم الاتحاد الاوربي للموقف الاسباني في مواجهة التصعيد الجزائري”.

 

ويختم نور الدين، حديثه لـ”الأيام 24″ مشيرا أن “المعلم الرابع، هو نجاح المغرب في كسب التعاطف الدولي مع قضيته الوطنية وتوسيع دائرة الأصدقاء والمؤيدين، وقد تبين ذلك بجلاء في عدة مناسبات نذكر منها نجاح المغرب في تطهير معبر الكركرات يوم 13 نونبر 2020 في عملية استغرقت بضع ساعات فقط، أبانت فيها القوات المسلحة الملكية عن علو كعبها وتفوقها عسكريا واستخباراتيا، ولم تسجل أي دولة عبر العالم اعتراضها أو إدانتها باستثناء الجزائر” مؤكدا أن “هذه مجرد معالم على طريق الحصيلة الغنية في دبلوماسية جلالة الملك محمد السادس خلال العقدين الماضيين، وإلا فهناك ما يملأ مجلدا كاملا”.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق

category_idcategory_idcategory_id>1