المغاربة المطبّعون

إن الصمت الرسمي إضافة إلى أنه قاتل فهو مهين، وإذا كان مطلب الاستقرار في الظروف العالمية المخيفة أهم من سواه اليوم، فإن الذين لا يبحثون عن إبداع الحلول التخفيفية ولا يتواصلون هم الخطر على هذا الاستقرار وهو ثروتنا اليوم وضمانة بقائنا مهما تعمقت جراحات المعاناة

نور الدين مفتاح [email protected]

ثلاثة أسماء وازنة بعثرت اطمئناني الفكري وزعزعت مسلمات اعتقدت إلى حين كتابة هذه السطور أنها ثوابت وليست أبدا متغيرات. وأما الموضوع فهو مثير إثارة ناجمة عن أسئلة حارقة وآنية، وملخصه هو أنه في ظل هذه المتغيرات الرهيبة التي تحيط بنا، والقرارات الحساسة التي تضطر الدول لاتخاذها، والأوضاع العصيبة التي نعيشها، كيف يمكن تفسير هذا السكون المغربي غير المعتاد؟ لماذا طبع المغاربة مع قضايا كانوا يخرجون إلى الشارع بمئات الآلاف للاحتجاج عليها؟ كيف مرّ التطبيع مع إسرائيل بسلاسة شعبيا؟ لماذا وصلت الأسعار في بلادنا إلى أرقام خيالية ومنها أسعار المحروقات دون أن يخرج الناس للاحتجاج ولو من باب التنفيس؟

 

يغوص الدكتور موليم العروسي في تحليل ردة فعل المغاربة ويعتبر أن الاستقرار في المغرب اليوم يعلو على ما عداه، لأنه مصلحة مشتركة بين النظام والطبقة المتوسطة، لذا «فهذه الطبقة المتضررة لن تثور ولكن ستكون مضطرة للكف عن الاستهلاك وهنا يكمن الخطر». وأما الكاتب والديبلوماسي والإعلامي عبد القادر الشاوي فإنه يرى أن «منطق الاحتجاج الشعبي يتطلب الوعي والتنظيم والرؤية ولا يقوده الشعب بنفسه» ليستطرد بأن «الوعي الشعبي في المغرب محكوم في الكثير من جوانبه وردود فعله بالتفكير الديني ذي الطبيعة التبريرية القدرية». وأما المفكر أستاذ الفلسفة محمد الهاشمي فيفاجئنا بصراحته: «نحن لا نحتاج حاليا لأي عاصفة اجتماعية، لأن هناك إعصارا اقتصاديا يدوي في الأفق، ومن اللازم أن نتحلى بأقصى درجات الواقعية، سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى الحكومة لتجنب الأسوأ». والأكثر مفاجأة في تحليل الهاشمي هو اعتباره الجيل الجديد من المغاربة مختلفا وأن لا مشكل في ثقافته السطحية فـ»هل من الضرورة أن يكون هؤلاء أشباه لنا في هوسنا بالمُطولات على مستوى القراءات والقضايا والعلاقات؟ هل نريد أن نقدم أنفسنا كسلف صالح ينبغي أن يعيد الشباب إنتاجنا اجتماعيا وثقافيا إلى ما لا نهاية؟».

 

الملف الذي أعدته الزميلة زينب مركز ضمن هذا العدد يستحق القراءة والإنصات لتحاليل براغماتية مستفزة للنقاش. والأساتذة لو كانوا أمام الجماهير لسخنت القاعة وارتفعت الأصوات، وإذا قلت للناس، وبأي لغة، إن ما يجري اليوم من وقائع، كان جزءا يسيرا منها يقلب المملكة، مسألة مبررة بالمصلحة العامة أو بعيب في المجتمع نفسه أو بسنة التطور، فإن هذا لن يستساغ. ولكن للنخبة ميزانا مختلفا عمن يوجدون في قلب المعاناة. والمشكل في المغرب هو أن النقاش العمومي الوازن غائب، وإذا حضر، فإنه يكون في وسائط لا تستقطب غالبية الناس. هذا الكلام الذي نقلبه الآن كان من المفروض أن يكون مسموعا في وسائل الإعلام التي تمول من ضرائب المواطنين، وكان يجب أن يكون وجبة يومية في التلفزيون، ولكن ها نحن نرى أن العمق في المغرب محكوم عليه بالحامل الورقي فيما السطحي والاستهلاكي في الغالب الأعم يملأ السمعي البصري والإلكتروني مع الاحتراس اللازم من التعميم.

 

إن الأزمة التي تعيشها بلادنا اقتصاديا واجتماعيا هي جزء مما يجري في العالم منذ مارس 2020. الجائحة أفقدت العالم توازنه. وعهد الاستشراف انتهى. واليقين كلمة سقطت من القاموس. وإذا كانت البشرية قد صمدت، فإنها ماتزال تحمل الندوب الاقتصادية والاجتماعية، وهذا الخطر القائم لزمن الجوائح لم يمنع من نشوب أكبر حرب بعد الحربين العالميتين، شنتها روسيا على أوكرانيا. وهذا لم يمنع الغرب من الاندفاع للحفاظ على ريادته بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وكل هذا نحن في خضمه، وبالتالي، فإن لهيب الأسعار والضغط على الطبقات المسحوقة كان جزءا من هذا التحول العالمي الرهيب، إلا أن الأمور لا يمكن بتاتا أن تقبل هكذا ! الأنظمة والحكومات وجدت لتواجه التحديات، والحاجة للحكم تكون أكبر كلما كبرت القضايا، والحكم إذا كان هو فن الممكن، فإنه أيضا فن إبداع الحلول. وللأسف، وحتى وإن قال الأساتذة بأن المشكل بنيوي وغير مرتبط بحكومة زائلة، فإن للحكومة نصيبا، هذه الحكومة التي ترى ما يجري في بلدان قريبة من إجراءات تخفيفية استكانت للصمت، ويد الميت موضوعة على الملفات الحارقة.

 

وإن كان هؤلاء المغاربة قدريون أو سطحيون أو مستسلمون، لا يهم، فالأجدر بمن تولوا شؤونهم أن يخاطبوهم، ويشرحوا لهم، ويثقفوا ما يوجب التثقيف ويبسطوا ويعمموا ما يجب أن يفهمه من نطلب منهم الصبر الجميل على أشياء داهمت المملكة وهي فوق طاقتها. إن الصمت الرسمي إضافة إلى أنه قاتل فهو مهين، وإذا كان مطلب الاستقرار في الظروف العالمية المخيفة أهم من سواه اليوم، فإن الذين لا يبحثون عن إبداع الحلول التخفيفية ولا يتواصلون هم الخطر على هذا الاستقرار وهو ثروتنا اليوم وضمانة بقائنا مهما تعمقت جراحات المعاناة.

 

إن الذي استفز قلمي أكثر في هذا الموضوع هو التشخيص الرائع للدكتور محمد الهاشمي لصورة هذا الجيل الجديد في المغرب الذي يجب أن ننصت لتطلعاته المختلفة في الاستهلاك والترفيه وأسلوب الحياة، ولكن بعد التشخيص وجدت نفسي مشدوها من النتيجة التي تدعونا إلى قبول الثقافة السطحية لهذا الجيل على أساس أنها هوية جديدة مقابلة لثقافة عميقة أصبحت بمثابة سلفية ماضوية. صحيح لا يجب أن نقدم أنفسنا كسلف صالح، ولكن المفهوم في حد ذاته مقتطع تعسفا من حقل آخر ومن منطق الطهرانية المناقض أساسا للتنوير. إن ما تتم الدعوة له في هذه الأطروحة هو بالضبط التطبيع مع استعداء الثقافة، والثقافة لا يمكن أن تختزل بقياس الطول والقصر في القراءات، بل إنها أزلية باقية ممتدة تتوارثها الأجيال لمضمونها المتطور وليس للأسماء التي وراءها، والمثقفون لا يدعون الصلاح المطلق وليست لهم رسالة سماوية، بل هم الضمانة الوحيدة لاستمرار الوعي بالذات في زمن التحولات الرهيبة، وهم منتجو الخصوصية المبدعة كوسيلة وحيدة للبقاء في ظل عولمة كاسحة، وهم روح المجتمع الاستهلاكي. قد يتحول جيلنا الجديد إلى جيل استهلاكي، ولكن، هل سيتفوق على المستهلك الفرنسي أو الأمريكي أو الياباني؟ ولكن، هل هناك سطحية ثقافية عامة في الغرب؟ أليس هناك تلازم ضروري بين المزيد من الرفاه والسعادة وبين القيم التي يجب أن تحملها الثقافة لتبرير الحريات والتصرفات بدل هذه السكيزوفرينيا التي يعيشها شبابنا بين منظومة الحلال والحرام المجتمعي الدفينة ومنظومة الحريات الفردية المتأرجحة؟

 

إن هذا الموضوع الجديد لابد أن يتعمق فيه النقاش العمومي بجرأة الأساتذة الكرام الذين كان لهم شرف التخلي عن خصلة من خصال «تامغربيت» وهي ألا أقول في العموم إلا ما يرضي وأحتفظ بآرائي الحقيقية للمجالس الحميمية. فالأسئلة المنتصبة هي أسئلة الجميع ونحن في نفق لا نرى نهايته، أسئلة عن الذات وعن القيم وعن الانتماء وعن المصير وفي الشدائد لا ينفع قبل الفعل إلا التفكير.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق