هل فعلا الحكومة ستحسن من القدرة الشرائية للأجراء؟

عبد العزيز الطاشي (قيادي نقابي)

 

 

سؤال قد تبادر إلى الذهن والذي يرمي إلى التشكيك في مخرجات الاتفاق خاصة ان الأخير وقعته بشكل مسؤول مركزيات نقابية ورئاسة الحكومة بالإضافة إلى أصحاب الشأن بالقطاع الخاص وهم ممثلوا أرباب العمل.

 

قبل ذلك، أشير إلى أن الاتفاق نص بالبنط العريض على ” تحسين القدرة الشرائية” وهو عنوان شاهد على البنود التي تأتي بعده والمؤجرئة له . تحسب العنوان المذكور سيعالج الغلاء الفاحش والقاهر لجيوب الأجراء والموظفين التي تضررت (الجيوب) بالزيادات الصاروخية لأثمنة المحروقات بجميع أنواعها والتي تأخذ نسبة قد تصل إلى أكثر من 20% من مجموع الأجرة الشهرية التي يتقاضنوها. فبسبب ذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعرف مجموعة من الأجراء فضلوا تعب المشي لكيلوميترات والاستيقاظ بساعات قبلية على أن يمتطوا دراجاتهم النارية للذهاب إلى مقر عملهم، وذلك ببسب عدم مسايرة محفظة نقودهم لثمن البنزين الخاص بالدراجات essence mélange) ( الذي ارتفع من 9 دراهم إلى أكثر من 20 درهما لللتر الواحد. فالزيادات المروعة أضحت سعر كل سلعة قد تخطر أو لا تخطر على البال وتضاعف ثمنها إلى أكثر من ثلاث مرات مما كانت عليه السنة أوالسنوات الفارطة…

 

فبالرجوع إلى البنط العريض، والذي روجته الحكومة بجميع وسائلها الإعلامية، رغم أن الموظفين غير معنيين بهذا البنط بدعوى أنها أرجأت الزيادة في أجورهم إلى الحوار الاجتماعي المقبل الذي سينعقد، حسب قولهم، خلال شتنبر المقبل، ولنا أن ننتظر ما ذا سيلد الجبل بعد تمخضه.

 

وبالقطاع الخاص، جعلت الحكومة البنط المذكور “مكتسبا كبيرا” سيحسن من القدرة الشرائية لأصحاب الحد الأدنى للأجر. هذا الأخير المعروف ب”السميك SMIG وهو اختصار ل Salaire Minimale Interprofessionnel Garanti ” عرفته المادة 358 من مدونة الشغل ب “القيمة الدنيا المستحقة للأجير والتي تضمن للأجراء ذوي الدخل الضعيف قدرة شرائية مناسبة لمسايرة تطور مستوى الأسعار والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية… وهو الأجر الذي لا يمكن أن يتقاضى الأجير أقل منه…” لكن عندما ننظر إلى الواقع نستغرب كثيرا حيث نجد مجموعة من الأجراء لا يتوفرون حتى على هذا الحد الأدنى من الأجر، فمن بين المصرح بهم (وأسطر على كلمة المصرح بهم) لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نجد أكثر من 37 بالمائة من أجراء قطاع الصناعة والتجارة والمهن الحرة يتقاضون أجرا أقل من الحد الأدنى أي أقل من 2500درهم كصافي شهري، أما بالقطاع الفلاحي فأكثر من 60بالمائة من الأجراء المصرح بهم ب ص و ض ج يتقاضون أجرى على أقل من الحد الأدنى ” سماك SMAG وهو مختصر ل Salaire Minimum Agricole Garanti” أي يتقاضون أقل 1850 درهم كحد أدنى بالقطاع الفلاحي. إذن هناك إشكال لفئة مصرح بها ولا تتقاضى السميك أما الفئة الغير مصرح بها لدى ص و ض ج فهم غير معروف عددهم ولن نعرف هل ستتقاضى أم لا الزيادة التي جاء بها الاتفاق.

 

لن أقف عند هذه الإشكالات الفظيعة التي يعاني منها أجراء القطاع الفلاحي والقطاع الصناعي والتجاري والمهن الحرة المسكوت عنها والتي سيظل أجراؤها في معاناتهم وفقرهم يسبحون بل يغرقون دون أن تنتشلهم جملة ” تحسين القدرة الشرائية” المذكورة في الاتفاق. وسأعرج هنا على ما جاء به هذا الأخير بخاصة النقطة الأولى من البنط المذكور . فهذه النقطة تفيد أنها الزيادة لا تعني إلا أصحاب الحد الأدنى للأجر دون غيرهم سواء الذين دونهم أو أكثر منهم في الأجر، وكأن الغلاء الفاحش لم يصب أصحاب الأجور التي تفوق الحد الأدنى للأجر ولو بدرهم واحد.

 

فبذلك،أجراء الحد الأدنى للأجر التابعين لقطاع الصناعة والتجارة والمهن الحرة سيحصلون على نسبة 10 بالمائة كزيادة في السميك مقسمة على دفعتين ، 5 بالمائة أي حوالي 130 درهم ابتداء من فاتح شتنبر 2022 وسينتظرون سنة بكاملها من أجل الحصول على الدفعة الثانية بنسبة 5 بالمائة خلال شتنبر 2023 (لم يحدد الاتفاق هل ستحتسب الزيادة منذ بداية الشهر أم عند نهايته؟). المشكل يتفاقم عندما نسمع أن الزيادة الثانية المقررة مشروطة بالتوافق حول مشروع قانونين كبيرين وضخمين: مشروع القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب، ومشروع قانون يقتضي تعديل القانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل !!!

 

فالمشروع الأول،( مشروع القانون التنظيمي لممارسة حق الإضراب المعروف بمشروع قانون رقم 97.15 ) الذي لا يزال في حوزة قبة البرلمان منذ سنة 2016 بعد أن ألزم الفصل 86 من الدستور حكومة بنكيران وضعه للمناقشة بالغرفة الأولى، قد رفضت صيغته جميع المركزيات النقابية بل كانت من بين النضالات التي خاضتها من أجل سحبه وإرجاعه إلى طاولة الحوار وهو ما تم التوافق عليه خلال اتفاق 25 أبريل 2019 الذي نص بأن مشروع 97.15 ستتم المشاورات حوله مع الفرقاء الاجتماعيين قبل مناقشته بالبرلمان.
أما المشروع الثاني فيتعلق بتعديل مدونة الشغل، وهذا “الشرط” سيكون التوافق حوله من سابع المستحيلات وذلك لتباعد وجهات النظر في مسألة تعديل المدونة بين ما تتصوره المركزيات النقابية وما سيقدمه الاتحاد العام لمقاولات المغرب بصفتهما الطريفين اللذين سيتفاوضان حول مواد مدونة الشغل المراد تعديلها.

 

لذلك فخمسة في المائة الثانية التي، رغم أنها زيادة هزيلة مقارنة مع ما إكراهات الواقع المعاش، فسينتظرها الأجراء لمدة 12 أو 13 شهرا، وقد تصبح في مهب الريح خاصة إذا ما صح اشتراطها بمشروع قانونين نسبة نجاح التوافق حولهما ضعيفة جدا إن لم نقل منعدمة.

 

فعن أي قدرة شرائية تتبجح الحكومة بستحسينها؟؟؟

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق