•   تابعونا على :

سرقات ليست كالسرقات!

أبوزيديات
بقلم ادريس ابو زيد
في الجمعة 20 فبراير 2015

بعيد ما كان يسمى بالربيع العربي، كان الناس مشدودين إلى أرقام الأموال التي هربها الرؤساء المطاح بهم، وقدرنا نحن الذين نسمع بالأموال الطائرة والطائلة، سمعنا بالمليارات التي هربها حسني مبارك خارج مصر، وسمعنا بأضعافها والتي هربها القذافي خارج ليبيا، وسمعنا بالأموال التي هربها سيء العابدين المجاور الآن قرب الكعبة، خارج تونس، وأذكر كما تذكرون اللجان التي كونوها في كل دولة من أجل ضبطها وإرجاعها إلى خزينة هذه الدول، وقدمت هذه اللجان أرقاما لهذه الأموال، كما أحصت عقارات وأسماء شركات كان يملكها هؤلاء وأنجالهم الكرام وأصهارهم البررة، واستبشر الناس بالعودة الميمونة لهذه الأموال المنهوبة، حتى إن بعض الطيبين طالب بالاكتفاء باسترداد هذه الأموال دون محاكمة الناهبين، عملا بمقولة عفا الله عما سلف، والحقيقة هي أن نقول عفا الله عما أتلفتم وأفقرتم في هذه الأوطان. ويبدو أن الرافعين لشعار "عفا الله عما سلف" قد نسوا، والأقرب للحقيقة أن هؤلاء تناسوا أن عفو الله ما قط كان في يد البشر ولن يكون، كما أن عفو الأوطان فيه أخذ ورد، فأحيانا تكون شديدة العقاب وتارة أخرى تكون شديدة العفو، وبين هذا الاجتهاد أو ذاك ضاعت أو تبخرت هذه الأموال المنهوبة، وصارت تنطبق عليها أغنية الفنان الراحل الكبير "وديع الصافي" التي تقول "على الله تعود على الله، يا ضايع في ديار الله"، وهي هنا أموال ضائعة في بنوك الله..!! ها قد تبخرت هذه اللجان كما تبخرت الأموال، واختفت الشركات، كما اختفى الأنجال والأصهار، والمنتفعون قبل الربيع العربي صاروا أكثر انتفاعا بعده، وما عاد الناس ينتظرون عودة أموالهم المنهوبة بقدر ما ينتظرون عودة أبنائهم سالمين من رصاص الدولة العميقة والعقيمة، في كل يوم يعدّون أرقام قتلاهم، وما عاد أحد يتذكر قصة الأموال المنهوبة، بل أصبح المتهم بتهريب هذه الأموال بريئا براءة الذئب من دم ابن يعقوب، والناس في هذه الدول اليوم يخافون من تقسيم وطنهم ونهب جغرافيتهم تحت هذا المسمى أو ذاك، إذ ما أهون أن تختطف أموال الوطن عوض أن تختطف جغرافيته، وهذا ما يسمى في علم خبث السياسة بتحويل انتباه الشعوب كي لا يحول أحد اتجاه الأموال، وهي أموال لم تغير وجهتها بكل الثورات والربيع  والغضب الجماعي، شيء يبدو معه أن هذه الأموال قد استعذبت وألفت واستطابت مراقدها!! وعلى الآخرين أن يعدوا فقط الأموال الموجودة والأموال المنهوبة وبأقل ضجيج، كمن يودع ميتا غاليا بحزن صامت ينتهي بانتهاء الدفن..!!
واليوم، حينما أرى تكتل بعض أثرياء المغرب لتكوين شركة صخمة للطاقة المتجددة، المتمثلة في الطاقة الشمسية والطاقة الريحية، فالشمس التي كنا نظن أنها ملكية جماعية لا يتوقع أحد أن تكون محط احتكار، ها هي الشمس قد أصبحت مدرارة لمداخيل هذه القلة من الأثرياء، الذين لا تعرف أجسادهم الشمس إلا عبر دهون ومراهم طبية ابتغاء حمام شمس في شطآن بعيدة عن أهل الشمس الذين تعبت ملامحهم من لفحها، فها هي طاقة الشمس سيدفع ثمنها أصدقاء الشمس، ودون تعويض لنزع الملكية، وهم المالكون للشمس ودون منازع، والملامح شاهدة وأهل "ورزازات" شاهدون..!! الشمس وهي آخر ملكية للكدّح الطيبين يبدو أنها قد صودرت منهم لتباع لهم، ودون مساعدة من صندوق المقاصة كما هو شأن قنينات الغاز، غريب أن يكون الغاز الغريب أرحم من الشمس المألوفة. وهل جانبنا الصواب ونحن نقول إن الأموال قد استطابت مراقدها..!!
وها هي الرياح التي كنا نظنّ أنها ملكية من لا ملكية له أصبحت تدفع أشرعة قليل من الأثرياء إلى مزيد من أعالي الغنى كما يصطادون في أعالي البحار، الشمس لهم، والرياح لهم، والبحار لهم، ونحن لهم، وأموالنا أموالهم، واللهم اجعلنا عند حسن ظنّهم كشمسنا ورياحنا وبحارنا..!! عمدة مدينة "طريفة" بالجارة الإسبانية يتباهى بأنه حول الرياح من نقمة إلى نعمة وجعل سكان "طريفة" الذين صوتوا عليه لا تذهب أصواتهم الانتخابية أدراج الرياح، بعدما جعل مداخيل طاقة الرياح يستفيد منها جميع السكان بعدل..!! هذه رياح الهناك، أما رياح الهنا فما عادت رياحنا، ولم يعد لنا إلا أن نهرب من عواصفها، ولعل هذه القلة من أثرياء المغرب هي التي استفادت من هذا البيت الشعري:
إذا هبَّتْ رياحُك فاغْتنمها
فعُقْبى كلِّ خافِقَة سُكُون

نعم، هي رياحهم فليغتنموها، بعدما سكنت رياح الاستثمار في بيع الغاز والبترول، أما رياح الآخرين فقد استبدّ بها السكون، ويا عمدة "طريفة" نحن نملك عمداء بعيدين جدا عن مدن الرياح وأهل الرياح..!!
المؤكد لحد اللحظة أن لا حظ للأكثرين في الأموال المنهوبة ولا حتى في الأموال الموجودة، وكأن الأموال استطابت مراقدها كما أن المال العام أصبح عائما، وكل متهم تحميه وتسانده أكثر من جهة، فها هو الكاتب والمفكر المصري "حسين أحمد أمين" في كتابه "دليل المسلم الحزين في القرن العشرين" يتكلم عن فتوى صدرت بمصر تقول: "إنه لا قطع على السارق من الأموال العامة، لأن له فيها نصيبا"، وهي فتوى ما كانت لتكون لو أن أيادي الفقراء قريبة من المال العام، وإلا كانوا سيجمعون على قطعها، وحتى لا يقصى الفقراء من نصيب السرقة، قالوا: "لا قطع في سرقة كلب لأنه منهي عن اتخاذه، ولا قطع لمن سرق وقت الحر الشديد والبرد الشديد"، والمعرض لآفة البرد والحر ماذا يا ترى سيتاح له من سرقات؟ بل ماذا ترك أصحاب المكيفات من شيء يسرق..!! ولا قطع في سرقة المزمار والعود والخمر وأدوات اللهو، هذه هي لائحة السرقات الحلال عند الفقراء، وحتى هنا لا يستوي الأغنياء والفقراء..!!
يبقى فقط أن أقول: سنظل نكرر ونغني: "على الله تعود هذه الأموال، إبقاءً على أمل لابد منه، وقد نضيف لها عودة الشمس والرياح…!!
وكل عودةٍ وأنتم……………!!

تعليقات الزوار ()