من وحي الانتخابات الفرنساوية

ما جرى في الانتخابات الفرنسية ملهم، هو مرآة لمحاسن وثغرات الديموقراطية في آن، إنها مباراة من التشويق لا تحصل في غالبية بلدان هذا العالم العربي الذي ترتبط فيه الإرادة الشعبية إما بالإجماع أو التسعة والتسعين بالمائة. والملفت أن بعض النخب عندنا بقدر ما تتابع بانبهار ما يجري في باريس، كمن يتمايل على مدرجات ملعب يحتضن […]

نور الدين مفتاح [email protected]

ما جرى في الانتخابات الفرنسية ملهم، هو مرآة لمحاسن وثغرات الديموقراطية في آن، إنها مباراة من التشويق لا تحصل في غالبية بلدان هذا العالم العربي الذي ترتبط فيه الإرادة الشعبية إما بالإجماع أو التسعة والتسعين بالمائة. والملفت أن بعض النخب عندنا بقدر ما تتابع بانبهار ما يجري في باريس، كمن يتمايل على مدرجات ملعب يحتضن مباراة من «التشامبيونس ليغ»، بقدر ما تتصرف في الداخل كمن يعيش في قرون مضت بكل ما هو معروف من ولاء للمال أو للنفوذ أو للمصلحة، وهي عربة خرافية لا يجرها إلا الأعيان.

في فرنسا، صوّت الشعب على الرئيس إمانويل ماكرون في أبريل، وبعد شهرين صوت الشعب ضد الماكرونية تقريبا، بعدم منح حزب الرئيس الأغلبية المطلقة، وهكذا كانت عاصمة الأنوار مع سابقة في تاريخها ببرلمان مبلقن سمته المفزعة هي المضاعفة الخيالية لعدد مقاعد حزب التجمع الوطني المتطرف لصاحبته مارين لوبين، التي انتقلت من 8 فقط إلى 89 مقعدا بالتمام والكمال. كما دخل جون ليك ميلونشون إلى البرلمان بقوة جديدة في تحالف يساري تصل عدد مقاعده إلى 131 وأما حزب الجمهوريين الذي أسسه ساركوزي قبل أن يدخل متاهات المتابعات القضائية، فقد عاد للحياة بـ 61 مقعدا، ويعتبر اليوم هو طوق النجاة لأغلبية مفترضة لساكن قصر الإليزيه على الرغم من الخلاف الكبير بين الحزبين.

هذه الحيوية التي تنجبها الديموقراطية التمثيلية تكشف عن جانب آخر من أعطاب هذا النظام الذي يوصف بأنه الأقل سوءا ضمن باقي الأنظمة على الإطلاق. لقد عرفت فرنسا قبل أقل من عقد من الزمان انهيار الأحزاب التقليدية التي لم يكن أحد يتصور أن تذوب كالملح في الماء ومنها الحزب الاشتراكي العريق، وعرفت أيضا اكتساح حركة جديدة للمشهد السياسي وضمورا واضحا للحدود التقليدية الفاصلة بين اليمين واليسار والوسط، وتأجيجا للنعرة الإثنية وتشكيكا في القيم التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية، إلا أنه على الرغم من الاندحار المدوي لرمز معاداة التعايش والهجرة والإسلام إيريك زمور سواء في الانتخابات الرئاسية أو بسبب عجزه عن الحصول على مقعد برلماني، فإن الصعود الصاروخي لحزب لوبين يظل مقلقا، فها نحن مع حكومة ورئاسة جمهورية تدعي مجابهة اليمين المتطرف الذي تمثله لوبين، ورغم ذلك نعيش هذه الموجة من الإذلال في بلادنا بسبب شروط الخزيرات التي تفرضها القنصليات الفرنسية على الراغبين في الحصول على التأشيرة، ونرى يوميا ضحايا لهذه المواعيد التي لا توجد، ولهذه المصالح التي تضيع على رجال أعمال ومشتغلين في النقل الدولي ومرضى وطلبة ومواطنين من حقهم التمتع بحرية التنقل والمعاملة بالمثل مع المواطنين الفرنسيين الذين يريدون السفر إلى المغرب. هذا يقوم به إيمانويل ماكرون، فماذا لو كانت لوبين هي الرئيسة أو الوزيرة الأولى؟

هذه الديموقراطية آليات، وأحيانا تعطي الآليات نتائج سوريالية بل تعطي الشيء ونقيضه، تعطي الأغلبية للوسط والنجاح الباهر لليمين المتطرف، تنصر رئيسا وتحرمه من الأغلبية!! وعلى الرغم من هذا تبقى لهذا التمرين أعطابه، وقد يكون هانس كوكلر الذي ننشر حوارا له في هذا العدد على صواب عندما ينتقد أسس الديموقراطية التمثيلية التي يعتبرها: «شكلا من أشكال تنظيم الأوليغارشية لا يسمح للناس بالمشاركة في القرارات السياسية إلا على نطاق محدود للغاية وعادة ما يكون للتكتلات الاقتصادية والشركات الدولية وزن أكبر من المواطنين».

وعلى الرغم من هذا الزلزال الديموقراطي المبهر الذي ضرب فرنسا، فإن المباراة تظل واضحة، والملفات مرسومة تتعلق بإصلاح التقاعد والقدرة الشرائية والتخطيط البيئي وغيرها، وهذا الشيء غالبا ما يغيب في انتخاباتنا التي يغلب عليها طابع الولائم والجود والكرم والقفف والزغاريد والخزعبلات!

عموما ستعيش فرنسا دورة من أعقد دوراتها السياسية، وستتعسر عملية التشريع وستخرج أنصاف الحلول وأنصاف الإصلاحات، وسيغلب طابع عدم الاستقرار المؤسساتي على البلاد كما ستشهد ما وصف بـ«حرب العصابات» داخل قبتهم المحترمة، بحيث يمكن أن نقول إن هذا البرلمان لن يكون لمواجهاته الكلامية الحامية الوطيس مثيل، والشيء الوحيد الذي يمكن أن يضع حدا لهذه الوضعية هو إقدام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة ستكون هي بدورها غير مضمونة النتائج في ما يتعلق بالاستقرار المؤسساتي.

والآن لنقم بلعبة الإسقاط لنتفكه قليلا ونسخر: فماذا لو فاز حزب عندنا بـ 245 مقعدا ضمن 577؟ هل سيقول هو أو سيقولون عنه إنه خسر كما جرى في فرنسا؟ أبدا، الحزب الأول عندنا وبدون أغلبية مطلقة يطير طيرانا وتقام حفلات التباهي وتخرج السيارات للشوارع ضاغطة على منبهات الصوت، وتنتفخ أوداج الزعيم، وتهجم الميكروفونات والكاميرات على المقر وربما منزل الأمين العام أو الرئيس. وبما أننا ولدنا مبلقنين برلمانيا، بحيث لم يسبق لحزب أن حاز الأغلبية المطلقة لوحده في البرلمان، وأكبر عدد مقاعد حصل عليها حزب واحد هو 125 مقعدا ضمن 395 لصالح البيجيدي سنة 2016، فإن انبهار الفرنسيين بهذه البلقنة التي يندبونها يبدو لنا كانبهار الطفل بالطائرة، وأما عن الأغلبية المطلقة، فهي في المملكة من تبحث عن مفتقدها وليس العكس. الحزب الأول في المغرب، كما هو حال حزب ماكرون اليوم، لا يكون مكتئبا، ولكن يكون راقصا، فاتحا أبوابه للضيوف على نغمات موسيقى الآلة وصينيات الشاي المنعنع لا تنقطع والاستقبالات تتفجر فيها القهقهات والكل يخرج من عند صاحب الصف الأول ليقول: لقد عبرنا عن استعدادنا للمشاركة في الحكومة لما فيه مصلحة كذا وكذا. وفي الأخير يختار الحزب الأول من يكون معه، ويترك أحيانا بعض أصدقائه ولا يتعلق الأمر في من تحالفوا بكونهم منسجمين في البرامج، بل إنك تجد في مكونات الحكومة من التنافر ما قد لا تجده بين حزب رئاسة الحكومة وحزب في معارضتها.

وعندما تنتهي من هذه المقارنات يقرعون فوق رأسك ناقوس «التمشخير»: «واش احنا عندنا تاريخ فرانسا في الديموقراطية الله يهديك!!».

قد تكون عندنا أشياء ما عندش فرانسا باباها! كما قال يوما ما المرحوم الوفا. بقي أن نعرف فقط لا غير، كم نحتاج من السنين لنستطيع أن نقول إن لنا تاريخا في الديموقراطية يؤهلنا للديموقراطية؟! والسلام.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق