هوامش على مشاهدات ومسموعات

قدر لي خلال هذا الشهر أن أتحرك عبر بعض جهات المملكة، من العيون عاصمة الصحراء إلى فاس مكناس الروحيتين مرورا عبر سوس العالمة ومراكش العالمية.   والملاحظة الواضحة الأولى هي هذه البوادر لانتعاشة في السياحة وما يحيط بها من مظاهر الحياة رواجا اقتصاديا وسفرا وتبادلا إنسانيا وتكسيرا لحواجز الاحتياطات الضرورية ضد الوباء اللعين، اللهم إلا […]

نور الدين مفتاح [email protected]

قدر لي خلال هذا الشهر أن أتحرك عبر بعض جهات المملكة، من العيون عاصمة الصحراء إلى فاس مكناس الروحيتين مرورا عبر سوس العالمة ومراكش العالمية.

 

والملاحظة الواضحة الأولى هي هذه البوادر لانتعاشة في السياحة وما يحيط بها من مظاهر الحياة رواجا اقتصاديا وسفرا وتبادلا إنسانيا وتكسيرا لحواجز الاحتياطات الضرورية ضد الوباء اللعين، اللهم إلا ما كان من طلب جواز التلقيح في المطار أو ارتداء الكمامة في الطائرة.

 

وكان قد قدر لي بالمقابل أن أطوف جهات المملكة في عز الجائحة، في ظل الشروط الصارمة لحالة الطوارئ بكل ما تعرفه من تشدد، وكانت علامته الأكثر إيلاما هي إغلاق الحدود البرية والجوية. ولهذا أستطيع ادعاء المقارنة في نفس الأماكن التي زرتها ونفس الوجوه التي صادفتها ونفس الأسماء التي تحدثت إليها. أنا لا أتحدث عن المقارنات الرقمية فهي موكلة لمؤسسات الإحصاء، ولكن أتحدث عن آثار جروح الماضي ووقع الحاضر وهواجس المستقبل.

 

في أيام الله هاته، هناك تحول كبير في الفضاء العام، وقد تحس أن موسم السفر أطل باكراً، وجزء من الفنادق محجوزة، وإن كانت الحالة ليست عامة، فإنها بالمقارنة مع سنوات الوباء تعتبر خروجا للقطاع السياحي من الإنعاش إلى غرفة عادية بالمشفى. إلا أن هذا الواقع الذي يستدعي مبدئيا الارتياح لا ينعكس على النفسية العامة للعاملين بالقطاع. المستخدمون عموما مرعوبون. عائدون من الفاقة إلى اللايقين، يبتسمون للضرورات المهنية، وحكاياتهم لا تعدّ مع أهوال آثار كورونا عليهم وعلى أسرهم وعلى حياتهم. إن الذي كانوه قبل الجائحة كان غرفة انتظار تلبية مطالب لتحسين الأوضاع، أما ما هم فيه الآن فهو الرجاء في أن يعودوا فقط إلى ما كانوا عليه، فهذا يعتبر اليوم إنجازا.

 

القطاع السياحي بصفة عامة غير محظوظ في المملكة السعيدة، وللذين يريدون أن يجروا المقارنات بيننا وبين غريمنا الشرقي في هذا المجال، فنحن نسلم لهم بأننا أجمل بلد في العالم كما يقول الإشهار، إلا أن المقارنة مع مؤهلاتنا الطبيعية ومع ما يقع في بلدان من مستوانا أو أقل يجعلنا في وضعية النجاح الباهر في إخلاف المواعيد وتضييع الفرص. هذا القطاع ضلع من ثلاثة أضلاع يعول عليها الاقتصاد الوطني إضافة إلى الفلاحة وموارد جاليتنا في الخارج.

 

ورغم ذلك، ظلت الطبيعة في هذه المجالات هي المحدد الحاسم في حالتها الصحية، طبيعة اللحمة الاجتماعية بالنسبة لإخواننا في المهجر مع الأهل والوطن التي تملأ ثقوب سياسة هجرة تشتتت بين المؤسسات في بلادنا، وتحكم السماء في فلاحتنا رغم المخطط الأخضر، وعجزنا عن الوصول إلى الرقم المتواضع لعشرة ملايين سائح الذي ضربنا له موعدا في 2010 ولم نصله على الرغم من أننا كنا نحصي حتى جاليتنا في موسم العطلة ضمن السياح! وأطلقنا مخطط 2020 دون أن نستمر في الحديث عنه قبل وصول هذه العشرين بعد الألفين. وعلى غرار قطاعات عديدة تتعامل معها الحكومات بالترقيع، فإننا لا نلعب إلا على الواجهات البراقة، وإذا استثنينا مراكش التي تستقطب الحالمين من أرجاء العالم، فإن باقي المدن كانت تموت حتى قبل الجائحة، ولا شك أنها ستظل بعدها لأن نفس الأسباب تعطي دائما نفس النتائج.

 

لا يعقل أن يجد المغربي نفسه وعلى بعد 15 كلم من شواطئ المتوسط سياحة أرخص في الأندلس بأربع مرات من مارينا سمير وما جاورها بجودة أكبر أربع مرات. لا يعقل أن تكون «لارام» واحدة من أغلى شركات الطيران في العالم وهي في نفس الوقت واحدة من أسوئها. إن الجو العام جزء من خصوصية السياحة في أي بلد، فما الذي نقدمه للسياح غير شمس الله ورماله وشواطئه وجباله؟ هل عندنا عروض للتسوق مغربية مغرية؟ أين مصداقية وجاذبية «صنع بالمغرب»؟ أليست البازارات أوكارا للنصب اللهم إلا من رحم ربُّك من بعض التجار النظيفين الرحيمين بوطنهم؟ هل هناك سياحة ثقافية؟ كل تاريخنا المجيد مقبور، وعندما تحركت وزارة الثقافة قيد أنملة وأعادت تنظيف – وليس ترميم – قصر الباهية، تضاعف زواره 300 بالمائة؟ هل هذا القصر للوزير اباحماد أهم من أمجادنا؟

 

وضعية الفقر، المتسولون الذين أصبحوا اليوم متعددي الجنسيات في شوارعنا، التهيئة الحضرية، النظافة، النقل، وضعية الطاكسيات وسائقيها… كل شيء مهما صغر يكبر كحاجز في وجه تطوير هذه الوجهة الرائعة في طبيعتها وتاريخها. هناك مدن في العالم تجلب أكثر من 50 مليون سائح سنويا، ومملكة كاملة لم تستطع تجاوز عتبة العشرة ملايين! مؤسف ومؤلم وصادم. أما وأن الجائحة قد مرّت على كل هذه الهشاشة، وعاد الناس أحياء إلى الفنادق، فإن هذه وضعية يجب أن تدخل إلى كتاب غينيس للأرقام القياسية.

 

قال لي مدير الفندق بمراكش: «الحمد لله عندنا اليوم 380 غرفة محجوزة، لم نذق هذا منذ سنتين» إلا أنه استطرد: «هذه الموجة ستمتد إلى ما بعد الصيف بقليل، وربما نسجل رقما غير مسبوق إذا لم تظهر متحوّرات، لا قدر الله، فالناس اختنقوا بسبب حالات الطوارئ الصحية عبر العالم، وهم بحاجة ليتنفسوا في آفاق جديدة». ولكن ماذا بعد؟ يجيب محدثي بأن الأفق هو في أحسن الأحوال العودة إلى وضعية ما قبل الجائحة بكل مشاكلها مع اختلاف جوهري هو أن العالم نفسه تغير. هناك إذن مشكل هيكلي ولابد له من حلول هيكلية.

 

هناك جزئية جاءت في الحديث، إلا أنها معبرة عن متحول لابد وأن يؤخذ بعين الاعتبار، فالسيد المدير قال لي إن وفدا إسرائيليا استطاع أن ينقذ الفندق برمته في رمضان الفائت عندما حجز أكثر من 300 غرفة خلال الشهر الفضيل. والواقع أن المشترك في ملاحظاتي خلال هذه الجولات في الأسابيع الماضية هو وجود الزوار الإسرائيليين في كل الفنادق التي أقمت فيها أو زرتها للعمل وبدون استثناء، وأحيانا يكون تواجدهم مكثفا، وفي الغالب يتحركون جماعات ويمارسون طقوسهم بما فيها التلاوات الجماعية بعلانية وحرية.

 

هذا المتغير لافت ويكشف تحولا مجتمعيا في التعامل مع الإسرائيليين، وربما هذا هو ما جعل التطبيع المغربي يمر بهذا الشكل الساكن لأن التحول المجتمعي غلب على المتحكمات السياسية. قدمتني في الحفل الذي أعقب افتتاح الدورة 18 لمهرجان السينما والهجرة شابة إلى سيدة قالت إنها مسؤولة بمكتب الاتصال الإسرائيلي في المغرب. كانت تبدو من خلال جملها الأولى أنها اعتادت الاحتفاء اللامشروط بالموضوع وبما تمثله، وقالت لي سأعمل على دعوتك لزيارة إسرائيل، فشكرتها وذكرتها أنني تلقيت دعوة مماثلة سنة 1999 من مسؤول مكتب الاتصال آنذاك وأنا رئيس تحرير «الصحيفة» واعتذرت في حين قبِل زملاء لي وأنا احترمت اختيارهم فهم مهنيون وإذا قدروا أن هذه الزيارة ستفيد قراءهم فهي كذلك. بدأت تحدثني عن خيرات التطبيع وعيناها تبرقان كأنهما تطلبان مني التصديق أو التصفيق، فكان ردي الصادق هو أن العالم الذي أنتمي إليه لم يعد له مشكل مع وجود إسرائيل، ولكنكم وللأسف لا تساعدون حتى المطبعين على الاستمرار في التطبيع، وما جرى في القدس عدوان مجاني. أنتم محتلون للمدينة المقدسة وجزئها الشرقي، وهذا لا يكفيكم، فتشعلون نيران البغضاء بكبريت الإهانة في المسجد الأقصى، وبالمسيرات المتطرفة التي تدعو على العرب بالفناء، وتقتلون وتنكلون حتى بكرامة الأموات وما جرى في جنازة شيرين أبو عاقلة يزلزل الوجدان.

 

اكتفت السيدة بالقول إن المسألة أكثر تعقيدا مما أتصور، وأن السيادة على المسجد الأقصى هي للأردن، وانسلت تاركة على شفاهي ابتسامة مرّة وسؤالا أكثر مرارة: لماذا تصر هذه الإسرائيل المتقدمة ديموقراطيا وعلميا واقتصاديا على أن تبقى دولة احتلال غاصبة وكان بإمكانها أن تندمج في محيطها وتفيد وتستفيد بالدخول من باب التطبيع مع الفلسطينيين وننهي النزاع ولا يرمى أحد في البحر إلا هذا الظلم التاريخي غير المسبوق؟ فهل من مجيب قبل أن نحلم بمستجيب؟

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق