مَرثية كِتاب في المملكة

إننا في جلبة كبرى من النميمة وإشفاء الغليل وتصريف الأحقاد والتنمر، وعموما لا يتعانق هذا النزوع عناقا حارا إلا مع اندحار القيم وسطوة الفهلوة، والتفاخر بالجهل. وفي هذا الزمن تجد من يجعل من الحقارة وساماً يضعه على صدره، وتجد من يصفق له، ولا تجد المبدعين إلا مع قلة من الحالمين، فيما تجد المدّعين مع آلاف المصفقين.

نور الدين مفتاح [email protected]

ليس المهم في النقاش الثقافي بالمملكة هو هل تم تنظيم معرض الكتاب بمدينة الدارالبيضاء أم تم ذلك بالعاصمة الرباط؟ ولكن النقاش الأهم هو لماذا ارتطمت الثقافة ببلادنا ارتطاماً بالحائط حتى أصبحنا لا نرى منها إلا الشظايا متناثرة، والأسى يخيم على الغيورين من هذا الانحطاط الذي يتلاطم أمامنا كبحر هائج.

 

العالم يقرأ ونحن لا نقرأ، بالمختصر المفيد. لقد كان هذا حالنا حتى قبل أن تنفجر مواقع التواصل الاجتماعي، وأما اليوم، مع الهواتف «البئيسة» فإن فعل القراءة ترجم إلى فعل الزيارة، وتحول زوار الشبكة العنكبوتية إلى سكان عمارة خرافية يكثر فيها الصراخ والضجيج ويعزّ فيها المعنى إلا الاستثناء الذي لا حكم له. العالم كله يعيش مع الثورة التكنولوجية التواصلية ومع أضرارها الجانبية وتراهم يقرأون الكتب أو الجرائد في المقاهي والحانات ووسائل النقل العمومية، والكتب ما تزال تباع بمئات الآلاف، ونحن لم نكن نقرأ قبل زوكربيرغ ولم يسبق للأغلبية المتثائبة أن صاحبت غوتنبرغ. في أحسن الأحوال عندما يحقق كتاب أعلى المبيعات، وبمناسبة معرض الكتاب الذي تكون صفوف الانتظار أمام أبواب الدخول إليه طويلة، فإنه لا يتجاوز الخمسمائة نسخة. غريب ورهيب!

 

لقد وقعت انهيارات متتابعة لا تخفيها إلا الألوان الزاهية المتحركة في بعض الشوارع الكبرى بالمدن المحظوظة، وبعض السيارات الفارهة والمقاهي والمطاعم التي تكاد تتجاوز عدد السكان! انهارت دور السينما، وانهارت دور العرض المسرحي، وانهارت الصحافة المغربية، وانهارت المكتبات، وانهار اتحاد كتاب المغرب نفسه. ونجد أغلب الكتاب ناشرين لأنفسهم يطبعون بضع مئات ويؤدون من جيوبهم ليقرأ لهم بضع عشرات من المعارف والأقرباء.

 

والمصيبة أن هذا الداء يمسّ كل التخصصات أدبا وفكرا، علوما وبحوثا، لدرجة أن الإنسان يتساءل عما يقرأه الأساتذة الجامعيون في بلادنا، والحاصلون على الدكتوراه في مختلف المجالات؟ فلو كان كل هؤلاء يقرأون، وليس جزءا صغيراً منهم فقط، لكنا خارج خط الأرقام المخجلة للقراءة، أما لو كان الطلبة فقط يصرفون فعل القراءة إلى المضارع لكان الكاتب والكتاب في مرتبة التكريم، ولارتفع المستوى العام، ولدفع التافهون والدجالون إلى الهوامش التي تليق بهم.

 

وهنا يطرح السؤال المؤرّق: إذا لم يكن جلّ الدكاترة وأصحاب الماستر والمجازون يقرأون، فكيف حصلوا على شهاداتهم؟ وما مضمونها؟ وهل للدكتوراه اليوم نفس قيمتها العلمية؟ وهل للشهادات جميعها نفس الحمولة الثقافية العامة التي تجعل من المتعلم جزءا من النخبة بجدارة واستحقاق؟

 

لا تعدم بلاد من متألقين ونوابغ وباحثين مرموقين، وهذا حالنا أيضا، ولكن السواد الأعظم في مساحة هذه الثقافة في بلادنا حزين. هناك اكتئاب ثقافي حاد، وهذا بالطبع يؤدي إلى الإفلاس الذي نعيشه حتى على مستوى ما يسمى بالصناعة الثقافية. لا يمكن لشعب يتوق إلى التقدم وبدل المكتبات نجد المحلبات وبدل الإبداع نجد الابتذال، وبدل مكافأة النبوغ نجد الاحتفاء بالرداءة. ويكفينا ألماً ما جرى في جائزة المغرب للكتاب لهذه السنة التي تم سحبها من الحاصلين عليها بجرّة قرار إداري حتى ولو كانت لجنة علمية مستقلة هي التي أعطتها، وسبب سحبها أكثر إيلاماً لأنه يتعلق بالمستحقات المادية عنها، وهل تعطى كاملة أو مناصفة؟!

 

يستحق المغرب أحسن، والذين يريدون معرفة ذلك ما عليهم إلا أن يرجعوا إلى دروس التاريخ، نحن حفدة ابن خلدون وابن رشد. ومن المغاربة العروي والجابري وسبيلا والحبابي وعلال الفاسي والمختار السوسي… وهذا الشعب الذي ينشد منبت الأحرار .. منتدى السؤدد وحماه، عليه أن يتمثل السؤدد والسداد، وعليه أن يقرأ ليكون سندا في هذه البلاد. جروحنا مفتوحة لأن الذي يحتل جزءا كبيرا من الواجهة في أيامنا هذه هم المشعوذون الثقافيون في جميع المجالات، والكتاب الرصين والصحيفة الجادة والمبدع الشريف منزوون ينتظرون أياماً أحلى. إن فعل القراءة فعل مؤسس يفوق في أهميته فعل بناء أسس سدّ مائي يحمي الناس من آثار الجفاف القاسية، ولعمري إن جفاف العقول لأخطر من جفاف الأرض، فمتى تمطر سماء الرحمة لتسقي العباد معرفة وتنويرا؟

 

لا مشاركة في الشأن العام بدون قراءة، ولا سياسة بدون قراءة، ولا تقدم في التنمية البشرية بدون قراءة، ولا رفاه بدون قراءة. والمشكل أننا لسنا في البلاد أمام أزمة الأمية الوظيفية، ولكننا مازلنا نعاني أصلا من الأمية الأبجدية في القرن الحادي والعشرين. هذه كارثة مجتمعية لن تجعل عجلتنا تتحرك، حتى ولو أصبحنا نصنع السيارات وليس تركيبها فقط!! أسمع الجميع يتحدثون عن بناء الإنسان ولكن لا أرى أثرا لكل هذا المجهود المهدر في إصلاحات التعليم والتنمية الاجتماعية، بل إن الثورة التي دمقرطت التواصل الجماهيري تكاد تقضي على أمل إنعاش القراءة الجادة والمفيدة، مادامت النجومية أصبحت في متناول الأميين والمشعوذين والدجالين ولصوص الوعي الشعبي.

 

ملايين الناس غارقون في الهوامش، بالمعنيين، هوامش المدن الكبرى حيث العزل والإقصاء وتدني الخدمات الاجتماعية، والهوامش الثقافية حيث ينشط تسطيح الوعي والرقية الثقافية وروتينات العار. وحتى هذا الوسط الذي كان له حظ من التعليم وارتقى به اجتماعيا فإن غالبيته هم اليوم من حزب العازفين عن الشأن العام وعن القراءة وعن الثقافة.

 

إننا في جلبة كبرى من النميمة وإشفاء الغليل وتصريف الأحقاد والتنمر، وعموما لا يتعانق هذا النزوع عناقا حارا إلا مع اندحار القيم وسطوة الفهلوة، والتفاخر بالجهل. وفي هذا الزمن تجد من يجعل من الحقارة وساماً يضعه على صدره، وتجد من يصفق له، ولا تجد المبدعين إلا مع قلة من الحالمين، فيما تجد المدّعين مع آلاف المصفقين.

 

غدا قد يكون معرض الكتاب تتويجا لسنة من القراءة عند شعب معافى من العزوف، قد يكون هذا الموعد السنوي فرصة لآلاف المتلهفين للقاء خير جليس، واقتناء المستجد من ثمرات المطابع من مختلف الدول، والإنصات للكلمة الوازنة، وفي البدء كانت الكلمة. وأما اليوم، فعلينا أن نكتفي بالاكتظاظ والنزهة وجمالية الأروقة والممرات، وحميمية الصور على الفيس وأنستغرام دون أن يترجم ذلك إلى مبيعات خارقة. نكتفي بهذا ونحن نتفرج على ما يجري في الثقافة والإعلام، فرجة لا تسر الناظرين، ولكن نقول إن الغد سيكون للجودة والعمق فقط، لأننا متفائلون.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق