في النهاية زميلتي الموت ليس واحدا

إن الذين لم يخجلوا من وصول الغطرسة الصهيونية إلى حدود الاعتداء على مراسم تشييع جنازة شيرين، والعبث بجثمانها وهي في تابوتها لن يخجلوا أبدا. هذه وصمة عار على جبين الطغاة ولو أنني أشك في أن للطغاة جبينا أصلا. هذه قوتنا الآن كمناصرين للقضايا العادلة، قوة الرموز التي تجعل المدججين بالأسلحة الثقيلة يرتجفون خوفا من امرأة قضت، يتطاولون على هيبة الموت وحرمة الموت التي لا تنتهك في جميع الشرائع والديانات.

نور الدين مفتاح [email protected]

هل سنعيد شيرين بكل هذا البكاء الحارق؟ طبعا لا ! ولكن، نحن هنا بكل هذه المراثي نستعيدك، ونسترجع الحكايات والقصص المصورة والتأريخ للاحتلال الغاشم بلسانك العذب، وجملك المرصوصة وتحركك الرشيق أمام الكاميرا وأنت شاهدة على العصر من واحدة من أكثر بؤره اشتعالا. ولأنك لم تكوني شاهدة زور، فقد اهتز العالم لهذه الجريمة الشنعاء التي استهدفت نبضك الطافح بالقدس وبالقضية الفلسطينية، وهي حلمنا ومأساتنا، ساحة كل البطولات وساحة الخيانات أيضا، رمز صمودنا في وجه الظلم والطغيان، ورمز عجزنا ونكبتنا خلال أكثر من سبعين عاما. ولكن، هل كان كافيا أن يجتمع الغرب بكل أسلحته وجبروته وراء إسرائيل كي يفرض التواطؤ على المهجرين والمسلوبين أرضهم وأفقهم والحياة؟ هل كان هذا الاغتصاب كافيا ليخرس كل الأصوات ويدجن كل القنوات ويكسر الأقلام ويكمم الأفواه؟

 

جوابك كان في التحدي. رأيناك منذ خمسة وعشرين عاما في الميدان، تنقلين صراخات الأرامل وعيون الميتمين الشاردة وآهات عوائل السجناء، وتابعنا معك كل الانتفاضات والمقاومات والتجاوزات، فكان بك لنا صوت، ولنا رواية ضمن روايات الإعلام الغربي المنحاز.

 

هذه امرأة فلسطينية في الحادية والخمسين من العمر، ولدت في القدس، ووهبت حياتها كاملة غير ناقصة لنقل الحقيقة من بلدها المحتل ومدينتها المغتصبة وأحيائها المحاصرة. وفي صباح يوم ربيعي في زاوية من حي بجنين، حيث يعود جنود الاحتلال للاقتحامات والاعتقالات، تسقط شيرين أبوعاقلة قرب شجرة برصاصة متشظية تصيبها بالضبط حيث لا تصل الخوذة الموضوعة على الرأس ولا الواقي من الرصاص الموضوع على الصدر.

 

هل هذه مجرد صدفة؟ هل هي الأضرار الجانبية للحروب؟ هل هي ضريبة العمل الصحافي الذي يشتغل في خطوط النار؟ هل هو احتمال دائم مرتبط في العالم بالمراسل الحربي؟ لا، لا. هذه كانت جريمة مقصودة. رسالة لمن يهمهم الأمر بأن قوة السلاح أكبر من قوة الإعلام. هذه رسالة تخويف لكل صحافي يريد أن يحترف البحث عن الحقيقة ما استطاع لذلك سبيلا. هذا اغتيال بالمباشر لحرية الصحافة، وللحق في الكلمة والصورة، ولرقابة وسائل الإعلام على أصحاب السلطة. إنها إسرائيل بكل تجلياتها، فهي واحدة من الدول الفريدة في العالم التي تستطيع أن ترتكب مثل هذه الجرائم الجنائية الدولية والقوى العظمى تتفرج. بل، إن هذه القوى التي تصدع رؤوس الناس بالقيم الكونية والمبادئ الإنسانية، تجدها فاترة حتى في الإدانة، والله وحده يعلم ما يجري في الكواليس حتى تبقى إسرائيل هي الاستثناء.

 

هم يدعوننا إلى احترام المواثيق والإعلانات العالمية والقانون الدولي ويطلبون منا أن نستثني إسرائيل. يطلبون أن نبارك القتل والاغتيال وأن نقود تحقيقا مشتركا حول ملابسات سقوط شيرين أبوعاقلة شهيدة للواجب المهني. يعتقدون أننا سقطنا جميعا حيث سقطت، ولكن، لم يدروا أن شيرين أعادتنا إلى أحلامنا الأولى، وأن جريمتهم انتزعت التحدي من غمد التراخي في الدفاع عن القضية. كانوا يظنون أننا دائما أرقام تنضاف في لائحة الأسرى أو الشهداء، ولكن، ورغم كل ما فعلناه بهذه القضية الفلسطينية، وما فعله بعض قادتها بها، فها هي ماتزال تنجب الرموز والأيقونات والشهداء وتخز الضمير العالمي وتوقظ الهمم وتخجل معسكر الاستسلام.

 

شيرين لم تكن من الحالمين ولا المتطرفين ولا اعتنقت اللاءات الثلاثة الشهيرة ولا طالبت برمي إسرائيل في البحر. شيرين كانت مثلنا في هذا العالم العربي الجريح، تريد دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، فهل هذا كثير؟ دولة فلسطينية على رقعة صغيرة هي الضفة والقطاع والقدس الشرقية، فهل هناك من تنازل أكبر من هذه التنازلات؟

 

يعيرون المعتدلين اليوم بأن هذا جزاؤكم لأنكم في 1948 لم تقبلوا التقسيم، وأنكم خلال 70 عاما ظللتم تلوكون الأوهام، وعندما وصلتم إلى كل التنازلات الممكنة، كان الوقت قد فات والعالم تغير وإسرائيل لا تحلم اليوم إلا بإعادة بناء هيكل سليمان. ولكن، ما جرى بعد مقتل شيرين يخجل هؤلاء الذين يبحثون عن الذرائع لتبرير الاصطفاف مع إسرائيل، ويقولون هذه القضية ليست قضيتنا، وأهلها أدرى بشعابها، وهم من جار على القضية، ويقولون ها هم منقسمون على أنفسهم وجزء منهم متعاون أمنيا مع تل أبيب. ويقولون ويقولون، وكأن هذه القضية التي تجسد أكبر ظلم عالمي في التاريخ الحديث، ستسقط جريمة الاحتلال فيها بمجرد أخطاء بعض ساسة المعتدى عليهم. يقولون وكأن هذه القضية مجرد قضية فلسطينية أو قومية وهي بالواضح قضية الإنسانية، وقضية الأحرار في العالم، ولهذا حركت شيرين أبوعاقلة هذا العالم كامرأة معتدلة في محيط وبانتماء لا يمكن أن يدفع أي إنسان في وضعيتها إلا إلى التطرف المشروع في العواطف والمشاعر والتعبيرات. وماذا يريد هؤلاء الذين ظلوا يعتبرون أن القضية الفلسطينية أتعبتنا؟ هل يريدون أن يستقبل سكان حي الشيخ الجراح الجنود بالورود؟ هل كانوا يريدون أن تزغرد النساء الفلسطينيات عندما يدخل المحتلون إلى المسجد الأقصى؟ هل كانوا يريدون من مراسلي قناة الجزيرة أن ينقلوا لهم البلاء الحسن للمستوطنين وأن يطالبوا بحقوق الشعب اليهودي في إسرائيل الكبرى؟

 

إن الذين لم يخجلوا من وصول الغطرسة الصهيونية إلى حدود الاعتداء على مراسم تشييع جنازة شيرين، والعبث بجثمانها وهي في تابوتها لن يخجلوا أبدا. هذه وصمة عار على جبين الطغاة ولو أنني أشك في أن للطغاة جبينا أصلا. هذه قوتنا الآن كمناصرين للقضايا العادلة، قوة الرموز التي تجعل المدججين بالأسلحة الثقيلة يرتجفون خوفا من امرأة قضت، يتطاولون على هيبة الموت وحرمة الموت التي لا تنتهك في جميع الشرائع والديانات.

 

في النهاية، زميلتي شيرين أبوعاقلة، قد يبدو الموت واحد. ولكن الموت من أجل قضية، وفي ميدان الشرف، وفي زي جنود الحقيقة والدفاع عن الكلمة الحرة هو حياة لو يعلمون، ولهذا ستبقين ملهمة لنا، منارة للاستقامة المهنية، ورمزا من رموز القضية الفلسطينية. رحمك الله رحمة واسعة أيتها الماجدة وعلى روحك السلام.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق