هل بات تماسك أغلبية أخنوش على المحك؟

ماذا يجري داخل تحالف الأغلبية الحكومية؟ سؤال يطرح نفسه بقوة بعد بوادر الخلاف التي باتت تطفو بعض أماراته أمام العموم، من خلال موقف هنا وتصريح هناك ضد السياسات والخيارات التي تنهجها حكومة رجال الأعمال منذ تنصيبها، والتي حصدت وتحصد انتقادات واسعة من طرف المعارضة والمجتمع، في سياق اقتصادي صعب تزيد من تعقيداته تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا التي لا تظهر أي مؤشرات على قرب إنهائها.

 

وعكس ما تحاول قيادات الأغلبية الحكومية إظهاره من انسجام وتوافق بين مكوناتها، إلا أن الأشهر الستة الأولى من عمرها لم تخل من تسجيل حوادث واصطدامات تنذر بأن شهر العسل لن يكون طويلا بين مكوناتها، وأن الوضع مرشح للاشتعال في أي وقت من الأوقات، خصوصا إذا استمرت الحكومة بقيادة رئيسها عزيز أخنوش في اقتراف «الهفوات والأخطاء» المتكررة.

 

هيمنة الأحرار

 

لا تخطئ عين مراقب أو متابع للمشهد الحضور القوي لحزب التجمع الوطني للأحرار ووزرائه في الحكومة وساحة الفعل، على حساب وزراء حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، وهو الوضع الذي يزعج أعضاء الحزبين وقواعدهما، التي ترفض هذا الأمر وتطالب بتصحيحه.

 

أولى الشرارات، كانت بين ليلي بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المحسوبة على حزب الأصالة والمعاصرة، وأمينة بنخضرا، مديرة المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن القيادية في حزب التجمع الوطني للأحرار، بعدما عاتبت الأولى الثانية في جلسة برلمانية وطالبتها بالصوم عن الكلام وعدم الإدلاء بأي تصريحات بخصوص استكشافات الغاز الجديدة بساحل العرائش، والتي عدتها بنخضرا «مهمة» في خرجة إعلامية رسمية.

 

وتفيد هذه الحادثة، بأن تدبير القطاع فيه نوع من التجاذب وعدم التوافق بين المتدخلين، إذ أن كلام بنعلي يفيد بأن التواصل والتنسيق بين الوزارة والمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، ضعيف أو منعدم، وإلا لما استدعى الموضوع منها الرد بتلك الطريقة.

 

وقالت بنعلي آنذاك في جوابها إن الاستراتيجية الطاقية للمغرب يجب أن تكون مستقلة عن نتائج عمليات البحث والتنقيب عن الهيدروكاربورات، خاصة وأن الاحتياطات المؤكدة لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب والتي يجب أن تغطي 30 سنة على الأقل من الطلب، وهو الكلام الذي ناقض تصريحات بنخضرا التي جعلت المغاربة يحلمون بأن حجم «اكتشافات الغاز الجديدة» ستنقل البلد من وضع إلى آخر.

 

ووفق معطيات حصلت عليها «الأيام» فإن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة تفاجأت بالتصريحات الإعلامية التي أطلقتها بنخضرا بخصوص الاستكشافات الجديدة للغاز بالمغرب، مطلع يناير الماضي ولم تتم استشارتها من قريب أو بعيد بشأنها، ما شكل مصدر إزعاج للوزيرة وحزبها.

 

بعد هذه الواقعة، جاء مشروع «فرصة» الذي أماط اللثام عن جزء من الخلاف غير المعلن بين الحزبين، بخصوص ما تعتبره أصوات من داخل «البام» سطوا من رئيس الحكومة وحزبه على المشروع، بعدما أسند مهمة تدبيره لوزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، بدلا من يونس السكوري وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، الذي يعتبر المسؤول الطبيعي والمباشر عن البرنامج.

 

غضب «البام»

 

وكان حفل إطلاق المشروع الذي تصدرته وزيرة السياحة أحد العلامات الواضحة على سوء الفهم الحاصل بين الحزبين بخصوص تدبير عدد من البرامج والقطاعات، حيث بدا السكوري غاضبا في الحفل وفضل الانسحاب حتى قبل تناول الإفطار الجماعي الذي نظم بمناسبة الانطلاقة المثيرة التي كانت غارقة بحضور المؤثرين وصناع المحتوى.

 

غضب السكوري تقاسمه معه الكثير من «الباميين» في صمت، وقطاع واسع من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بسبب الإخراج السيء لحفل الإطلاق، إلا أن النائب البرلماني والقيادي في الأصالة والمعاصرة هشام المهاجري، كان له رأي آخر، وفضل إعلان موقف منتقد للحكومة وطريقة تدبير مشروع «فرصة»، في حدث غير عادي يكشف جانبا من الخلاف الحاصل.

 

وتساءل المهاجري في موقف أقرب إلى التشكيك من التساؤل، حيث قال: «إذا كان الهدف هو أن تصل المعلومة للشباب المستفيد من البرنامج، فالمسألة على أرض الواقع تقول إن جهة مراكش آسفي خصص لها 1200 مستفيد، بما يناهز استفادة 400 جماعة حضرية وقروية، بمعدل 3 مستفيدين لكل جماعة، فهل اختيار ثلاثة ملفات من كل جماعة يحتاج كل هذا المجهود، وهذه الأموال! شي حاجة مراكباش».

 

هذا الموقف، مثل طعنا مباشرا من أحد الأصوات البارزة جدا داخل أحزاب الأغلبية في البرلمان، في المشروع المثير، الذي خصص 23 مليار سنتيم للترويج الإعلامي للمشروع، حيث نبه المهاجري إلى أن ما يهم هو «نجاح البرنامج، والمال العام».

 

وأفاد النائب الغاضب موضحا أنه عبر تحليل بسيط سيوضح مشكل المقاولة والاقتصاد بصفة عامة: حيث أن 100 مليار سنتيم تخصص لعشرة آلاف شاب وشابة، منها 90 مليارا كسلف، و25 مليار سنتيم تخصص لـ6 شركات، و23 مليون درهم موجهة للإعلام والترويج، وهو الأمر الذي يمثل انتقادا واضحا للمشروع الذي سحب من وزير حزبه وفوته أخنوش لوزيرته «المدللة».

 

صمت الاستقلال

 

غير بعيد عن الخلاف الذي طفا جزء منه إلى السطح بين «البام» و»الأحرار»، يقف حزب الاستقلال برئاسة نزار بركة، متحفظا وملتزما بشكل كبير بميثاق تحالف الأغلبية والتضامن الحكومي بشكل شبه جدي، غير أن هذا الالتزام الظاهر لا يعني بالضرورة أن الأمور «سمن على عسل» داخل الأغلبية كما أسر مصدر رفيع من الحزب لـ»الأيام»، فضل عدم كشف اسمه.

 

ويحكي المصدر القريب من قيادة الحزب أن الأمور داخل الأغلبية من جهة حزب الاستقلال لم تصل بعد إلى مستوى الاحتقان والخروج إلى العلن لانتقاد بعض المشاريع أو طريقة تدبيرها، وذلك في إشارة إلى ما عبر عنه المهاجري من داخل الأصالة والمعاصرة.

 

وأكد المصدر الاستقلالي أن حزب علال الفاسي ملتزم بـ»ميثاق الأغلبية» ومبدأ التضامن الحكومي حاضر بقوة لدى الأعضاء والقيادة»، مستدركا أن هذا الأمر لا يعني أن الحزب ليست له ملاحظات أو مواقف مما يجري داخل الحكومة والتحالف، في إشارة واضحة منه إلى أن بركة يسجل ملاحظات حزبه واعتراضاته على عدد من الأمور داخل الاجتماعات الدورية لقادة التحالف الحكومي.

 

وفي رده على سؤال مباشر حول ماهية القضايا التي أثارت حفيظة الحزب، قال المصدر: «برنامج «فرصة» كانت لنا عليه العديد من الملاحظات البناءة بخصوص تسريع وتيرة إطلاقه وحجم المستفيدين منه، وطريقة توزيعهم على المستوى الوطني»، مؤكدا أن هذه الملاحظات سجلها الحزب ودافع عنها في اجتماع الأغلبية الحكومية.

 

وانطلاقا من هذه المؤشرات والتسريبات المعلنة، يبدو أن تماسك التحالف الحكومي لعزيز أخنوش، سيمر مستقبلا على محطات اختبار جدية في الأسابيع والأشهر المقبلة، مع تزايد الملاحظات التي ستسجل على مستوى تنزيل المشاريع والبرامج المعلنة ومدى احترامها لمبدأ الشفافية والوضوح واستفادة الفئات التي خلقت من أجلها، خصوصا في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم وارتفاع الأسعار الذي بات يثقل كاهل غالبية الأسر المغربية.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق