بأي حال عدت

الحقيقة المرة التي وقف عندها المثاليون مشدوهين هي أن عالم ما بعد كورونا هو تماما عالم ما قبلها إن لم يكن أسوأ. وهكذا انضاف في الدول المتواضعة إرث الجائحة الثقيل على واقع الحرب المدمر، وعشنا خلال رمضان أكبر تجليات أزمة عالمية أدى المواطنون ثمنها من جيوبهم.

نور الدين مفتاح [email protected]

طوينا عيدا آخر بعد شهر استثنائي بكل المقاييس. استثنائي لأنه رمضان بروحانياته وطقوسه وفضله، واستثنائي لأنه أول رمضان بعد الجائحة استطاع فيه المغاربة أن يعيشوا لياليه بدون حظر للتجول، وأن يعيشوا تراويحه وراء أئمة مقرئين بأصوات شجية في المساجد العامرة. وأول رمضان منذ عقد من الزمان مع حكومة لا يترأسها حزب إسلامي، وأول رمضان تصل فيه الأسعار إلى رقم قياسي، وأول رمضان تصل فيه أسعار المحروقات إلى حدود خيالية.

نعيش أسبوع العيد وكأن لا شيء حصل خلال سنتين، على الرغم من أن الذي عرفته البشرية مع الجائحة كان شيئا غير مسبوق في تاريخها. لقد خلفت ما يقارب الستة ملايين من الضحايا وفرضت على العالم نوعا من الحجر الصحي المؤلم وشلت الاقتصاد العالمي. وللتمثيل لا الحصر، نجد أن فرنسا وحدها خرجت من الجائحة بما يقارب 600 مليار أورو من الديون، وهو ما يعادل ميزانية المغرب لـ12 سنة تقريبا. والغريب ألا أحد يكاد يتذكر هذا العالم المغلق الذي كنا فيه إلا من خطف منه الوباء اللعين حبيبا ما زالت حرقة غيابه مشتعلة. هل هي نعمة النسيان؟ هل هو الزمن الذي لا يلتفت إلى الوراء؟ هل هي البشرية التي عاشت الدمار مئات المرات ولكنها عادت للإعمار عشرات المئات من المرات الأخرى؟ هناك أشياء معقدة تجعلنا أمام أحداث كبرى نعتقد ونحن داخلها أنها ستبقى على صدورنا كالوشم، ولكنها في أولى المنعرجات تسقط.

وأعتقد أن هذا ليس دأب الأفراد فقط، ولكنه دأب الدول أيضا، ففي الوقت الذي بدا للقوى المؤثرة في العالم أن درس كورونا يجب أن يترجم تكتلا وتعاونا لمواجهة هذا الجيل الجديد من الأخطار الذي يقف أمامه العلم والأسلحة عاجزين، في الوقت الذي اندلعت أكثر الحروب إثارة للرعب ومداد كورونا لم يجف بعد، وهاجمت روسيا أوكرانيا بشكل جعل نفس العالم الذي بدا أمامه شبح الفناء بسبب فيروس مجهري يعيد بيده شبح القيامة ونحن على مشارف حرب عالمية ثالثة قد تكون في حال اندلاعها النهاية.

والحقيقة المرة التي وقف عندها المثاليون مشدوهين هي أن عالم ما بعد كورونا هو تماما عالم ما قبلها إن لم يكن أسوأ. وهكذا انضاف في الدول المتواضعة إرث الجائحة الثقيل على واقع الحرب المدمر، وعشنا خلال رمضان أكبر تجليات أزمة عالمية أدى المواطنون ثمنها من جيوبهم. وفي حالتنا المغربية يمكن أن نقول أن كل العناصر اجتمعت لتجعل الحكومة الجديدة أمام واحدة من أكبر الامتحانات التي يمكن أن يواجهها جهاز تنفيذي في حياته، ومع مكونات حكومية يغلب عليها الطابع التكنوقراطي فإن الامتحان أصبح تحديا خارقا.

صحيح أن الدولة استطاعت أن تحافظ على التوازنات المالية وعلى السيولة وعلى توفير جميع المواد الأساسية ولم تكن هناك طوابير للحصول على أي مادة، إلا أن الحكومة كان بإمكانها أن تخفف أكثر على المواطنين خصوصا في مجال المحروقات المحرج لرئيسها، وهو مالك أكبر شركة لتوزيع البترول ومشتقاته، ولكنها لم تفعل بدعوى أن المسؤول على مأساة المواطنين في هذا الباب هي الحكومة السابقة، وهذا عذر أقبح من زلة. فحتى مع التحرير كان بالإمكان اتخاذ إجراءات حمائية يوفرها القانون وكان يمكن من الناحية السياسية أن تكون ربحا لرئيس الحكومة ليس كشخص ولكن كوظيفة لا بد لها من الإنجاز لتخلق التعبئة من أجل المشاريع الإصلاحية التي تحملها في المجال الاجتماعي على الخصوص.

لم تكن هذه هي ضربة الجزاء الوحيدة التي يضيعها رئيس الحكومة، فقد كان برنامج «فرصة» أيضا ضحية شكل تسويقه مع العلم أنه برنامج واعد حتى لو قيل إنه إعادة لإنتاج برامج شبيهة قبله، وصارت الألسن تلهج بميزانية التسويق والاعتماد على «مؤثرين» وضاع الجوهر على الرغم من أن عدد الذين تقدموا للاستفادة من هذا البرنامج الموجه لـ10 آلاف من أصحاب المشاريع الصغرى وصل إلى مائة ألف تقريبا.

وعلى الرغم من توقيع الحكومة بمناسبة فاتح ماي على اتفاق مع النقابات، إلا أن هذه النقابات نفسها انتقدت ما اتفق عليه قبل أن يجف مداد توقيعها، وباستثناء عطلة 15 يوما للأب الذي يزدان فراشه بمولود جديد، فإن ما جاء في الاتفاق يبقى هزيلا. ولهذا، وباستثناء ورش تعميم التغطية الصحية، تبقى الدولة الاجتماعية مجرد شعار في البرنامج الحكومي ونحن بعيدون عنها بعد ملايين المواطنين عن تجاوز عتبة الفقر.

وأما على المستوى الاقتصادي فلا شيء يذكر تحت الشمس، ولا مبادرة لمحاربة اقتصاد الريع، ولا إصلاح ضد الاحتكار، بل إن مصادفات عجيبة جعلت قوانين عديدة تتعلق بمحاربة الفساد تسحب من البرلمان مما أثار الشكوك حول نية الحكومة، ومنها قانون الإثراء غير المشروع وقانون الممتلكات العمومية وقد وصل الأمر إلى حد اتهام أحد أعضاء لجنة بنموسى لحكومة السيد عزيز أخنوش بأنها تشتغل بشكل معاكس لتوجهات النموذج التنموي الجديد الذي يعتبر في خطوطه العريضة خارطة الطريق الاستراتيجية لمملكة العقود القادمة.

إن هذه الخلطة من المتفجرات المكونة من مخلفات الجائحة وتداعيات الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة لبلد محدود الإمكانيات وكلفة الدفاع عن الوحدة الترابية والأداء المتواضع لحكومة ما بعد الإسلاميين، ستجعل أيام السيد عزيز أخنوش صعبة جدا على الرغم من أن معارضته المؤسساتية لينة، وإذا كان الشارع اليوم هادئا نسبيا، فلا أحد يضمن عدم تفجر الاحتجاجات المشروعة للمتضررين من هذا الوضع غدا، وهنا لا يمكن للمقاربة الأمنية دائما أن تنوب عن الفاعل السياسي الذي يجب أن يجد الحلول التنموية للمشاكل الشائكة ويريح ويستريح.

معذرة على هذه الشجون في أسبوع الأماني والمتمنيات، ولكن مرارة الواقع لا تفسد للعيد حلاوة، وكل عام وأنتم بخير.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق