•   تابعونا على :

التهاني في حوار البوح الجميل مع الراحل محمد بوستة

الأيام 242017/04/03 17:12
التهاني في حوار البوح الجميل مع الراحل محمد بوستة
التهاني رفقة الراحل بوستة

هو حوار قديم أجراه السيد عبد الاله التهاني ونشره في جريدة "العلم" مع الراحل محمد بوستة، الأمين العام السابق لحزب "الاستقلال" الذي شغل مناصب كبيرة في حكومات الراحل الحسن الثاني، ونعيد نشر مقتطفات منه بمناسبة أربعينية رحيل بوستة.

 

أول الكلام:

 


محمد بوستة..اسم كبير، وإنسان متواضع، ونبتة في أرض معطاء. لم ينشأ من فراغ ولا في الفراغ. شخصيته البارزة، لم تصنعها الصدفة أو الوصولية السياسية المتهافتة، بل هي خلاصة تاريخ وبيئة ومجد قديم. فالرجل سليل بيت أصيل في مراكش.


وسيفتح محمد بوستة عينيه على هذه البيئة، التي تدفعه تلقائيا إلى التعلق بالعلم، وحب الناس، والانخراط في خلايا الحركة الوطنية.


ألحت علي كثيرا فكرة هذا الحوار، إذ كنت مهتما بالحديث إليه في أمور وقضايا ومواقف، تخرج به ولو قليلا عن ضغط الاهتمامات السياسية، وجو اللقاءات الصحفية التي تستحضر فيه الرجل السياسي، أكثر مما تقرب من جانب الإنسان.


أما أنا، وإن كنت لا أقلل من أهمية التصريحات السياسية التي يدلي بها القياديون أو الزعماء، إلا أن الذي بات يهمني هو الإقتراب من محمد بوستة الإنسان، أو بوستة المثقف الذي تغيبه الاستجوابات المذكورة، في زحمة الانشغال بالمواقف السياسية وقضايا الساعة.

 

الفرح الذي لا أنساه، يوم قرار عودة محمد الخامس
علال الفاسي شخصية فذة، وكان يتقبل الملاحظة بصدر رحب

 


- سيدي الأستاذ ، يغرينا التعرف على بدايات العمر ، وبالتحديد على امحمد بوستة الطفل 


ج : قضيت فترة الطفولة بمدينة مراكش، هنا داخل هذا البيت الذي نحن فيه الآن . ولادتي كانت عام 1923 ، وهذا سر أذكره لأول مرة ، إذ أن بطاقتي الرسمية تؤرخ لميلادي بسنة 1925 . وقد اضطررت إلى  مغادرة مراكش في وقت مبكّر، بمجرد ما اتممت الدراسة الابتدائية . وأذكر إنني كنت هنا مع فئة من الأطفال المراكشيين، نذهب إلى " المسيد" الذي نعرفه في مراكش باسم " الحضار" ، ونذهب أيضا إلى الحلقات الدراسية ، وبعض أنشطة الخلايا الوطنية .كما كانت لنا ميول رياضية ، وبصفة خاصة نحو لعبة كرة القدم .
من الذكريات التي استحضرها عن طفولتي أو بداية شبابي ، أن وراء جدران هذا البيت ، وبالضبط في المكان المسمى " سوق الشعرية" ، حضرت أول مهرجان خطابي انتهى بمظاهرة . كان ذلك سنة 1937، وبالضبط في شهر شتنبر ،حيث انعقد تجمع كبير ترأسه الأخ عبد القادر حسن العاصمي ، ومنه انتقلنا  لنتظاهر بساحة "جامع الفناء" ، فواجهنا المخازنية وحاشية الباشا الكلاوي، وفي مقدمتهم " البياز"، وتناولونا بالعصي ، وتلك كانت هي المظاهرة العظيمة القوية التي شهدتها مدينة مراكش عام 1937 ، إذ على إثرها انتهى إخوان عديدون في المنفى . أما أنا فكان من حظي أن جِلْبابي تمزق ، فاضطررت إلى الالتجاء لدى طبيبة إيطالية اسمها " كوابيزا" كان لها اتصال بالبيت وببعض أفراد العائلة . وقد تركتني في محلها ، إلى أن تيسر لي أن أعود إلى بيتنا. هذه بعض الذكريات وغيرها كثير.


س: سيدي امحمد ، هذه الصورة المختصرة عن امحمد بوستة الطفل ، لا تصرفنا عن محاولة التعرف على الوسط العائلي الذي شب فيه . حبذا لو ندخل الآن إلى البيئة الأسروية للطفل بوستة ؟


ج : عائلة بوستة ، عائلة مغربية قديمة ، كان أفرادها يتعاطون للدراسة والعلم، مثل حالة الوالد رحمه الله، أو للفلاحة كمورد للرزق ، أو لبعض الأعمال الحرفية . ولكن الملاحظ أن جلهم كان له جانب مشترك ، هو التشبت بالدين .وكما يقول أديب صديق لي يعرف الأسرة وتاريخها ، فإنه "على كثرة أفراد أسرة بوستة ، كنت لا تجد فيهم تاجرا، وإنما فلاحا أو حرفيا أو عالما". أعرف عددا من أعمام والدي رحمهم الله ، كانوا أما مفسرين للقرآن أو " لكتاب الشفا " للقاضي عياض ، وذلك في الجوامع المحيطة ببيتنا ، إما في مسجد " قاعة بناهيض"، أو "بمسجد الصحراوي"، أو في جامع بن يوسف ، وهو الأقرب إلينا .وكانوا دائما على هذه الحال ، سواء في رمضان أو في غير رمضان.


وكما قلت لكم خارج هذا الحوار ، كان جدي مولعا بقراءة " دليل الخيرات" للشيخ سليمان الجزولي ، إلى درجة أنه حبس أحد جنانه ليقرأ الدليل في المدينة المنورة ، بعد صلاة العصر من كل يوم . ومازال  الأمر مستمرا إلى الآن ، منذ ما يزيد عن مئة وعشرين سنة.
  
 
المذكرات مصدر مهم للتاريخ

 


س: الأستاذ امحمد بوستة، الآثار الأدبية والفنية، ومذكرات الزعماء والأعلام، هي أيضا جزء مهم من التأريخ. الملاحظ أن صغار السياسيين في الشرق يكتبون مذكراتهم، بينما كبار رجال السياسة
 
 
أنا وعبد الرحيم بوعبيد، أول من أخبرهم "إدغارفور"
بقرار رجوع محمد الخامس

 

 

الوطنية والفكر في المغرب لا يفعلون إما تواضعا أو تقصيرا. هل يخترق الأستاذ امحمد بوستة هذه العادة، ويدون مذكرات؟        

                                                                                                                                   
ج :  لا. وأقولها لكم بأسف شديد. وهذا الموضوع تحدثنا فيه كثيرا مع عدة إخوة، فتأسفنا كثيرا لكون جل الإخوة الذين تعرفنا عليهم في الوطنية، من قادتنا ومن إخواننا الذين سبقونا في العمل الوطني لم يكتبوا، اللهم استثناءات قليلة يمثلها أشخاص يعدون على رؤوس الأصابع، وبذلك يضيع تراث مع نهاية حياة أولئك الرجال، الذين ساهموا بجهادهم وعقولهم، في صنع تاريخنا الوطني الحديث، ونرجو للأحياء منهم عمرا مديدا.  أما في ما يتعلق بي شخصيا، لدى بعض المذكرات، ولكن كمادة خام. أرجو أن أتمكن من التفرغ، في وقت من الأوقات لتحريرها، أو على الأقل لتحرير بعض جوانبها التي تغطي فترات معينة.وسأكون سعيدا جدا عندما أخرجه، لأنني أشعر يوما بعد آخر، بضرورة أن تجد الأجيال التي ستأتي بعدنا، بعض دقائق هذه الأوقات تماما مثلما استفدنا نحن مما كتبه القلائل في هذا الباب.


ولغاية الأسف فإن بعض الظروف ، وبعض الاعتبارات، وحتى بعض الممارسات، تجعل جانبا من الحقائق يمسخ. وهذا ما يتم الآن بالنسبة لتاريخ المغرب الحديث في جوانب معينة ، وبالتحديد تاريخ الحركة الوطنية. بعض الناس يقومون بتشويه ما عاشوه، نظرا لاعتبارات مختلفة. فلذلك أهيب بالأخوة الذين لهم مذكرات أن يخرجوها، وبالذين تسعفهم ذاكرتهم أن يستعيدوا الأحداث، ويحرروا عنها ما يمكن تحريره ويخرجوه، لتستفيد منه الأجيال الشابة، التي أجد أنها متعطشة لمعرفة التاريخ المغربي الحديث، تاريخ ما بعد الحماية  وإنشاءها، وحتى ما تم في بداية الاستقلال من أحداث ومواقف وتجارب.          

                                     
 س: ألا يمكن القول، سيدي الأستاذ محمد بوستة ، أنكم ورفاقكم تساهمون في صياغة هذا التاريخ، من خلال توجيهاتكم للدارسين وللباحثين المغاربة الشباب، الذين يحضرون رسائلهم وأبحاثهم الجامعية، حين يفدون عليكم. وعلى بقية القادة لأخذ معلومات حول الفترة المذكورة؟        

                                                                                            
ج : هذا صحيح نسبيا ، فكثيرا  ما  أعقد  لقاءات مع الذين يكتبون عن تاريخ المغرب الحديث ، وتكون مناسبة للتذكر وتهيئ بعض الوثائق.إنه حقا شيء جميل، أن يكتب طلبتنا وباحثونا الشباب عن تاريخ بلادهم. وأنا طبعا على أتم الاستعداد دائما لمساعدتهم .  
                                                                                                                              
 
لا أريد أن أموت قبل أن أموت

 


وهناك حدث آخر في هذا الباب، فقد تعرض الزعيم لحادث بالسيارة. وحين حضرت، وجدته في حالة غيبوبة، ممددا على سرير متحرك باتجاه غرفة العمليات، فاستفاق فجأة، لبعض الثواني فقط، ولما رآني وتعرف علي، قال لي :" لست هذه المرة التي سأفارق فيها الحياة، الموت لن تأتي إلا  بغتة،" ثم عاد إلى غيبوبته . وفعلا شافاه الله بعد هذا الحادث الأليم، واشتغل لفترة طويلة. وكنا نضغط عليه حتى لايجهد نفسه كثيرا، خاصة وأنه كان قد أصيب بضعف في القلب، فكنا نقول له دائما : " لا ينبغي أن تجهد نفسك. نحن نريدك لمدة أطول ولكل الأيام". فكان رحمه الله يرد علينا بقولته الشهيرة:" اتركوني. فلا أريد أن أموت قبل أن أموت".


 
لو لم أكن سياسيا لكنت أستاذا وأنا معتز بمغربيتي

 


س : سيدي الأستاذ ، لا أخفيكم سروري لأني أوفق في استدراجكم لاستعراض ذكريات ومواقف، تعرفها عامة الناس عن شخصكم لأول مرة في هذا الحوار.ولعل تنوع اهتماماتكم وميولكم خلال فترة الشباب والدراسة الجامعية، كما تفضلتم وأوضحتم ، كل ذلك يجعل هذا السؤال يتبادر إلى ذهني : لو لم يكن الأستاذ محمد بوستة شخصية سياسية- بالمعنى الوطني طبعا – ماذا كان يحب أن يصير في الحياة ؟


ج : كان يحب أولا أن يكون إنسانا مغربيا، ومعتزا بهذا الانتساب. وثانيا أن أعمل على تربية الأجيال، بمعنى أن أكون أستاذا في مدرسة أو كلية، لأن الاتصال بالأجيال، وبالشباب على وجه الخصوص أمر يعجبني، بل أرى فيه فوائد جمة، ومنه أولا فوائد البقاء والحيوية والتجدد. وثانيا أداء رسالة وهي تكوين الناشئة. وهذا ماتيسر لي – والحمد لله – في العمل الذي أقوم له كمسئول سياسي من جهة، وكرجل له باستمرار اتصالات ولقاءات مختلفة . كذلك جزء من هذا يتحقق في مهنة المحاماة التي أزاولها. أيضا حين أكون خارج المغرب، أجدني ميالا إلى الاتصال بالشباب، والحوار معهم.


 
 أعمل لدنياك... و اعمل لآخرتك...

 


س: سيدي، أنتم رجل مطلوب منكم دائما أن تتصرفوا بالحكمة والتروي والتعقل. ماهي الحكمة التي تتذكرونها باستمرار؟


ج : حكمتي المفضلة مأخوذة من حديث نبوي شريف : "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".


اعتبر أن الإنسان، حين يؤول إليه أمر مسؤولية ما، أو حين يريد القيام بعمل ما عليه أن يشتغل بجد وتفان وإتقان مستمر، كأنه مدعو على الدوام للقيام بتلك المهمة. ولكن في نفس الوقت، يستحضر أنه مخلوق وسيموت لا محالة ، فعليه أن يعي عواقب عمله في الآخرة، وليس فقط في الدنيا. وأظن أنني بهذه الحكمة أتصرف ، وأفهم كل الأمور التي أقوم بها شخصيا.


عودة محمد الخامس من منفاه يوم لا أنساه :


س : سيدي الأستاذ، هل يمكن أن نتوقف عند أبرز لحظة مثيرة في حياتكم؟ يوم لا ينساه السي امحمد، كيف كان؟ وكيف مر عليكم ؟


ج : اليوم الذي علمت فيه بقرار رجوع محمد الخامس طيب الله ثراه إلى فرنسا، قادما من مكان نفيه. فقد كانت لي مسؤولية مع الأخ عبد الرحيم بوعبيد ونحن في باريس آنذاك، في خلايا الحزب، وقمنا بمجهودات كبيرة جدا ، وكان لنا أن نحضر في مؤتمر "أيكس ليبان".  كما كانت لنا اتصالات مع رئيس الحكومة آنذاك، السيد "ادكارفور". وكنا أول من أخبرهما هذا الأخير بالقرار الذي اتخذ، لبداية مسلسل استقلال المغرب، كما عبر عن ذلك بنفسه، بحيث أبلغنا أنه بعد أيام سيعود محمد الخامس، فاستكتمنا الأمر طبعا - مازلت أذكر ذلك اليوم، وأذكر أن فرحي به كان عظيما وكبيرا، لعلها فرحة العمر.     


قضايا شغلتني في وزارة الخارجية  :

 


س: سيدي الأستاذ، كنتم وزيرا للخارجية لفترة غير قليلة، وهذا ما أتاح لكم الاتصال بشخصيات مهمة، والتوغل في جغرافية العالم. ما هي ذكرياتكم عن تلك الفترة ؟


ج : ذكريات متعددة ومتنوعة ولكن الوقت الذي جئت فيه لكي أمارس المسؤولية إلى جانب جلالة الملك الحسن الثاني  كانت هناك -  كما تعلمون  - مسالة أساسية موضوعة  أمامنا، وهي قضية الصحراء . ولكن في نفس الآن ، كانت هناك مشاكل أخرى مطروحة على صعيد العالم العربي ، وهي لازالت كذلك للأسف الشديد.كما كانت مسألة توطيد الروابط في العالم الإسلامي من الأهمية بمكان .هذه ثلاثة محاور مهمة، كانت مطروحة حين تسلمت  مسؤوليتي كوزير للخارجية . وقد سبق لي أن كنت بالخارجية إلى جانب المجاهد الحاج أحمد بلا فريج شفاه الله، في السنوات الأولى للاستقلال. ثم كان لي  في بداية الستينات، حين كنت وزيرًا للوظيفة العمومية، بل  حتى و أنا وزير للعدل كنت أقوم مقام وزير الخارجية آنذاك، فترأست وفد المغرب في الأمم المتحدة سنة 60 – 61 . وكانت من السنوات التي طرحت فيها قضية استقلال الجزائر، كقضية رئيسية.


إشراقة الحسن الثاني وراء تعليق مؤتمر فاس الأول

 


أما ذكرياتي كوزير للشؤون الخارجية، والتي أعتز بها دائما  هو أنني كنت بجانب جلالة الملك عندما كان لابد من تهيئ القمة العربية ، التي خرجت منها مقررات فاس حول القضية الفلسطينية خصوصا،  والقضية العربية عموما،  لأن تهيئ هذا المؤتمر - وقد كان للملك الدور الرئيسي في ذلك - وردود الفعل التي رافقت مسلسل الإعداد،  والصادرة عن بعض العرب، كل هذا يشكل تجربة فريدة، من المهم أن يعيشها المرء. وقد كنت مسرورا عندما تم تعليق مؤتمر فاس لأول مرة ، بإشراقة أتت للملك، لأن المؤتمر كان حقيقة سيؤول للفشل لو اجتمع. وستترتب عن ذلك خسارة كبيرة للقضية العربية ككل. فكان قرار جلالة الملك بتعليق المؤتمر، قرارا حكيما ومهما. وهذه من اللحظات التي سأروي لكم جانبا منها على الشكل التالي باختصار. فقد كنت مكلفا صبيحة يوم المؤتمر - برئاسة لجنة لوزراء الخارجية ،  تهييئا لافتتاح القمة في نفس اليوم. وكان اجتماعنا، نحن الوزراء، مقررا في الثامنة صباحا. لكن في الساعة السابعة كلمني وزير الخارجية السوري آنذاك السيد عبد الحليم خدام، وأخبرني أن الرئيس الأسد لن يتمكن من حضور القمة، في حين كنا نحن ننتظر وصوله بين التاسعة أو العاشرة صباحا. بعد ذلك بساعة تقريبا، طلبني جلالة الملك بالهاتف، وسألني عن الأخبار العامة، وعن الوفود التي وصلت إلى غير ذلك، فأحطت جلالته علما بأن وزير خارجية سوريا، أبلغني باستحالة حضور الرئيس السوري الأسد.مباشرة بعد أن أتممت الجملة قال لي : "لم تبق هناك فائدة لجمع القمة، لأنه لابد أن يحضر كل من له مسؤولية مباشرة في القضية العربية". ثم أشار على أن ألتحق بجلالته، حالما أنتهى من رئاسة عمل لجنة وزراء الخارجية ، الذي يجب ألا يتعدى ساعة على أقصى تقدير.فقد كان جلالته موقنا من ضرورة تعليق مؤتمر القمة. وذهبت إليه لأعرف من جلالته توجيهات أوضح، فبادرني بأن لا مناص من إيقاف المؤتمر، لأن الفائدة لن تحصل . وقد تفهم كل الملوك والرؤساء والمسؤولين العرب، أنه من مصلحة الأمة العربية التجاوب مع مبادرة جلالة الملك.


مدن وجزر في الذاكرة


س : هذه ذكريات تتعلق بالأحداث، فماذا عن الجغرافيا ؟ أقصد البلدان والمعالم التي بقيت خالدة في خيالكم.


ج: هناك بلدان كثيرة في آسيا، باكستان، إسلام أباد بصفة خاصة لأن الجو الإسلامي فيها بارز بشكل قوي. هناك "لاهور" كذلك. أما في البلاد الإفريقية ، فهناك مدينة صغيرة في السينغال تسمى «كولخ»، إستوقفني فيها جوها الإسلامي، طبعا من البلاد الأخرى التي يسر المرء بزيارتها ، توجد بعض الجزر، كجزر «هواي» ، التي لم أزرها في مهمة سياسية، بل في عطلة رفقة العائلة.


شبابنا يجب أن يعيش عصره لكن دون متاهات

 


س: سيدي الأستاذ، من المهم جدا أن نستمع إلى تعليقكم بخصوص قضية حساسة بل وخطيرة. فالملاحظ أن بعض شبابنا تنتابهم صرعات ناتجة عن الغزو الغربي، فينساقون وراء موضات ، وتقليعات تافهة وأحيانا منسلخة عن القيم . فما هي كلمتكم التنويرية لهذا النموذج من الشباب الذي يكاد يضيع، إن لم يكن قد ضاع، خاصة وأن موقعكم السياسي، ومركزكم الاجتماعي، وثقلكم الفكري، كلها اعتبارات قد تعطي لكلمتكم معنى وقيمة؟


ج: كلمتي التنويرية في هذا الشأن، ألخصها في أن هذا الجيل، لابد أن يعيش عصره، والتطور الذي وقع، وهو تطور يفرض ألا يبقى شباب المغرب منعزلا، منكمشا على نفسه. هذا أمر مسلم به دونما شك. ولكن لا ينبغي أن يعبر بشبابنا إلى المتاهات، وإلى التفكك الأخلاقي ، ينبغي لشبابنا، عندما يعيش عصره، نظرا لكثرة وسائل الاتصالات والإعلام، ونظرا للتطور الحاصل في العلوم والتيارات والأفكار والنظريات، أن يتمسك بثوابت أساسية، أخلاقية بالدرجة الأولى، سواء في مظهره ولباسه، أو في تفكيره وسلوكه. كما عليه أن يحذر من بعض التيارات التي تجرفه، ولن تؤدي به إلى الخير. فلابد من فرز الطيب من الخبيث، في مضمار الموضات والتقليعات الجديدة. ولي اليقين أن الشبان، برجوعهم إلى الأخلاق الإسلامية السمحة سيجدون كل المعطيات التي تشفي الغليل، فيما يتعلق بحياتهم وعصرهم، وأيضا فيما يتصل بالوسائل المادية، التي تمكنهم من الحفاظ على ماهو ضروري الحفاظ عليه.
 
هكذا تفككت المدرسة والأسرة :


س: كيف تتصورون دور الإعلام في هذه القضية؟


ج: لغاية الأسف نلاحظ أن الأسرة تفككت، لأسباب متعددة. والمدرسة صارت عاجزة، بسبب الكثرة والاكتظاظ ، وبقية الظروف والملابسات المحيطة بها. كذلك غياب الخلايا الوطنية، التي كان لها دور التوجيه والإصلاح. أيضا الإعلام دوره أساسي هنا، لكنه لا يقوم به. ونحن لا نقول فقط أنه مقصر، بل إنه يساهم في بعض الأحيان، بطريقة أو بأخرى، في عملية الانحراف، ويفتح للناس الأبواب في متاهات لا ينبغي أن تكون. ولذلك يجب على الإعلام أن يعي المسؤولية التي عليه في تكوين الأجيال الصاعدة. وهي مسؤولية من الخطورة بما كان، إذ لا أظن أنه يوجد شبان في البادية والحاضرة، لا يشملهم تأثير الإذاعة، وتأثير التلفزة بصفة خاصة. ولا أشك أنهم سيكونون، كما سيتكونون عبر هذه القنوات.
هذا سر الاطمئنان النفسي لدي ولست نادمًا ولا قلقًا على شيئ


س: إذا سمحتم، لدي ثلاثة أسئلة لشخصكم في صياغة مباشرة بعض الشيء، ماهو القرار أو الموقف الذي اتخذه الأستاذ محمد بوستة في حياته، ثم ندم عليه فيما بعد؟


ج: حاولت أن أتذكر شيئا قمت به وندمت عليه لاحقا، فلم أجد شيئا. وهذا يعني، أن ما تسألون عنه لم يحدث إطلاقا.


س: أقرب صديق لكم بعد رفاقكم في النشاط السياسي؟


ج: صديقي الأديب مولاي الصديق العلوي في مراكش.


س: شيء كنتم تشعرون به دائما ، ولم تعبروا عنه سابقا، ونريد أن نعرفه الآن، ويكون بمثابة البوح الذي يسجل لأول مرة في هذا الحوار.


ج: هو حالة غريبة من الاطمئنان، ظلت دائما تسكنني، حتى في لحظات الحرج أو الشدة. بمعنى أن العمل الذي أقوم به يخلف في نفسي شعورا رائعا بالاطمئنان، ويجعلني أنظر إلى الأحداث والمواقف التي أنخرط فيها برؤية ونظرة الإنسان الواثق، المطمئن، وليس الإنسان القلق المرتبك، وهذا يوفر للمرء الإحساس ، بأنه يسير فعلا في الطريق التي كان يجب أن يسلكها في الحياة، وأنه يقوم بعمل صالح ومفيد.
 
حين قادني محمد عزيز الحبابي نحو التمثيل المسرحي


س: سيدي الأستاذ، تربطكم صلات شخصية وفكرية ببعض أعلامنا البارزين. ونحب أن نسمع منكم كلمة عن ثلاثة أسماء مهمة.


- عبد الله كنون؟؟


ج: عالم كبير، وأستاذ الجيل من دون شك. له الفضل في إبراز جوانب مهمة، كانت مجهولة قبله في تاريخ الثقافة بالمغرب، وبصفة خاصة في تاريخ الأدب المغربي. وهذا ما يجعله من الرواد السابقين إلى إزالة الغطاء عن ماضينا وتاريخنا. له أسلوب رقيق، وفضلا عن كل هذا يقوم بعمله التربوي والتاريخي، بروح المناضل الملتزم، المغربي الحقيقي، السلفي المتطلع الذي يحب أن يظهر وجه المغرب مضيئا.


س: محمد عزيز الحبابي؟


ج: هو صديق الدراسة. كان أول من قادني إلى التمثيل المسرحي بكوليج "مولاي إدريس" في فاس، وأوقفني على الخشبة. ثم مثلت بعد ذلك في باريس أيام الدراسة. وطبعا في فاس حين كنت طالبا فيها. كما كنا نترافق أيام اللقاء بإيمانويل مونييه، صاحب مجلة «إسبري». وأنا أعتبر أن الأستاذ الحبابي ، من الشخصيات المغربية التي برزت في ميدان الفلسفة. وهو يعتمد على جوانب في الفلسفة الشعبية المغربية. لذلك أنا معجب بعمله ودوره التربوي في المجتمع المغربي ، من موقع الفلسفة.


س: عبد الكريم غلاب؟


ج: أعتبر أخي الأستاذ عبد الكريم غلاب، اسما مهما في الجماعة التي تضم أيضا المرحومين عبد المجيد بن جلون وعبد الكريم بن ثابت ، فبعد عودة هذا الجيل من القاهرة، كان عمل الأسماء الثلاثة مهما، بالنسبة لتعميق القيم الوطنية، وتأصيل الثقافة المغربية، ورفع راية المغرب بين الأمم في مضمار الكلمة.


ولكن الأخ عبد الكريم غلاب أكثرهم إنتاجا، وبخاصة عطاؤه في الناحية الأدبية، وفي تعميق الوعي ببعض قضايا المجتمع المغربي. كذلك اكتسبت كتاباته عن تاريخ الحركة الوطنية قيمة ومكانة. ونتمنى أن يتابعها ، لأن هذا الجانب له أهمية في التعريف بحقبة تاريخنا.


هذا إضافة إلى معاشرتي اليومية له على صفحات «العلم» سواء تعلق الأمر بالافتتاحيات، أو بنقطته اليومية، أو ما كان من دراسته ومذكراته.

تعليقات الزوار ()