الخبير مكاوي لـ”الأيام”: الجيش المغربي أصبح قوة إقليمية قادرة على الدفاع عن نفسها

لقد أعادت الحرب الروسية الأوكرانية التي تعتبر الأزمة الأخطر التي تواجهها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي، سؤال الأمن القومي للدول إلى الواجهة بشدة، وخاصة التي تواجه أخطارا إقليمية محدقة أو تقع في مناطق استراتيجية تجعلها محط صراع وأطماع وساحة مواجهة مفتوحة بين الكبار. وهذا هو حال المغرب حيث إن موقعه الجغرافي ومحيطه الإقليمي يجعله ضمن الأقطار المعنية بمواجهة مثل هذه التحديات في المستقبل.

وفي هذا الصدد نحاور الخبير في المجال العسكري عبد الرحيم مكاوي عن الوضع العسكري للمغرب والأمن القومي والدروس التي يمكن استخلاصها من الحرب الروسية الأوكرانية.

 

كيف ترى الوضع العسكري للمغرب في ظل التحولات الجيواستراتيجية التي يرتقب أن تخلفها الحرب الروسية-الأوكرانية على العالم وتوازناته؟

> تاريخ اعتلاء العاهل المغربي الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، كان بمثابة تحول استراتيجي في عقيدة وبناء الجيش الملكي المغربي. وأول ورش اهتم به القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية رئيس أركان الحرب العامة هو إعادة النظر في الجيش الملكي المغربي واعتماد استراتيجية إصلاحية وتحديثية، الهدف منها تأهيل الجيش وجعله في مستوى الجيوش الأوروبية المجاورة كالجيش الإسباني والجيش البرتغالي والتركي. هذه السياسة العسكرية اعتمدت على دعائم محددة، الأولى هي تطعيم الجيش الملكي المغربي بطاقات شابة وبكفاءات مغربية، وتحسين الظروف الاجتماعية للأفراد والضباط، وثانيا، تزويد الجيش بعتاد حربي متطور يمكنه من الدفاع على تخوم البلاد ويكون في مستوى التحديات والمخاطر التي تواجهها المنطقة ويواجهها المغرب.

الدعامة الأخيرة هي تغيير العقيدة العسكرية للمغرب عن طريق العودة إلى البحر كعمق استراتيجي للمملكة، وهذه العودة سواء الاهتمام ببناء موانئ عسكرية في البحر الأبيض المتوسط، أو المحيط لأطلسي هي رجوع إلى العقيدة القديمة وهي أن البحر عمق استراتيجي آمن للمغرب يساعد في تأمينه والدفاع عنه. هذه الدعائم باختصار جعلت الجيش المغربي بعد 20 سنة على هذا الورش، يصل إلى مستوى من التحديث والتطوير، فاق في بعض الميادين الجيوش الأوروبية المتطورة، وهو على مستوى التجارب والمناورات التي يقوم بها يعتبر من الجيوش العتيدة في المنطقة، ويمكن اعتباره قوة إقليمية قادرة على الدفاع عن نفسها والدفاع عن أصدقائها والمساهمة في حفظ السلم والأمن الدوليين.

– هل توافق الرأي القائل بأن المغرب في حاجة لمزيد من الاستثمار في قدراته العسكرية والحربية لضمان استقراره وأمنه القومي في المستقبل؟

المغرب يواجه العديد من التحديات والمخاطر، منها تحدي الانفصال وتحدي الإرهاب وتحدي جار يتسلح تسلحا جنونيا ويناور للهجوم عليه. إذن، هذه العوامل تحتم على المغرب أن يكون في مستوى هذه المخاطر والتحديات المتعددة، وكما يقول العسكريون لا يوجد بلد في منأى عن المخاطر.

نفهم من هذا أنكم تدعون إلى المزيد من الاستثمار في هذا المجال؟

> نعم. نتهيأ للحرب للوصول إلى السلام، وبدون تحضيرك للحرب سوف تكون لقمة سائغة وضحية لكل التهديدات والتهجمات والمخاطر. المغرب دولة مسالمة تتسلح للدفاع عن أمنها القومي. ومنذ القدم تحاول الدول أن تحصن أمنها القومي بدرجات وكيفيات مختلفة.

ألا ترى بأن ما يجري في أوكرانيا يمكن أن يؤثر على المغرب والدول المجاورة؟

> روسيا تدخلت عبر ما يسمى بعمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وبعد مرور شهر تقريبا من الحرب، لم يحقق الرئيس بوتين الأهداف الاستراتيجية التي اجتاح البلاد من أجلها، فهذه الحرب لها آثار سلبية على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى الاجتماعي على دول المغرب العربي.

فأوكرانيا رغم أنها مرتبة ضمن الرتبة 22 لأقوى الجيوش في العالم من حيث تصنيع الأسلحة، فالمغرب ليس بزبون لا بالنسبة لأوكرانيا ولا روسيا، فالأضرار السلبية الوحيدة على المغرب هي استيراد القمح، ويمكن له أن يجد أسواق أخرى كالأرجنتين والبرازيل، وكذلك فرنسا، وهي من الدول المنتجة للقمح، فآثار الحرب ضعيفة جدا على المغرب في الوقت الراهن.

ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه الحرب بالنسبة للمغرب في رأيك؟

> الدروس هي أن الحروب تكون حقلا لكثير من التجارب بالنسبة للأسلحة والتكتيكات العسكرية والمناورات المختلفة، فالحرب هي فرصة رغم أنها تبقى مدمرة بالنسبة للشعوب ولو كانت قوية، وهي مناسبة لمعرفة جهوزية القوات وفعالية الأسلحة المستخدمة في مثل هذه الحروب، وكذلك النماذج الطكتيكية المتبعة، بالإضافة إلى الجانب الدعائي والإعلامي لهذه الحرب التي تدخلت فيها الجوانب السيبريانية والإعلامية بكثير من القوة، وبالتالي فالحرب في مسرحها الميداني توازيها حرب سيبريانية وإعلامية كبيرة. لحد الآن قد يكون الروس حاصروا الكثير من المدن ودمروا بعضها، إلا أنهم على مستوى الحرب السيبريانية والإعلامية، مازال الأوكرانيون يوظفون هذا المجال بطريقة ذكية أبهرت العالم، ورأينا كيف أن الرئيس الأوكراني يخرج كل يوم عن طريق تسجيلات مصورة للدفاع عن بلده ويرفض كل الشروط الروسية والاستسلام لها في هذه الحرب.

وأعتقد أن الحرب العسكرية بمفهومها العسكري تراوح مكانها نظرا لبعض النقائص في سلاح الدبابات الروسية وعدم جهوزية الجيش الروسي ونقص عدد قواته لأنه اضطر إلى جلب قوات سورية من الفرقة الرابعة، حيث أرسل الرئيس بشار الأسد نصف فيلق القوة الرابعة للقتال في أوكرانيا، إضافة إلى القوات الشيشانية وميليشيا فاغنر، وهناك ميليشيا الفاطميين الشيعية، وهناك هنود من الشيعة وباكستانيون أقحموا في هذه الحرب، ومن الجانب الأوكراني كذلك، فتح الرئيس الأوكراني مجال التطوع للعديد من الشباب الأوروبي والأمريكي للانخراط في محاربة الروس. فهناك حرب روسية أوكرانية، ولكن هناك جيوشا من المرتزقة يعتمد عليها الجانبان قد تحول أوكرانيا إلى أفغانستان جديدة، وتكبر الخسائر سواء من الناحية البشرية العسكرية أو المدنية، وكذلك الاقتصادية.

هناك بعض الأسلحة التي أثبتت فعاليتها سواء من الجانب الأوكراني والغربي، كصواريخ جاسلين المضادة للدروع وستينغر المضادة للطائرات، بينما فشلت أوكرانيا في حماية أسطولها البحري الذي تم تدميره مع الأسطول الجوي منذ بداية الحرب، لكن يبقى الفرد والضابط هو أساس قيادة هذه الحرب، ونحن نرى كيف أن روسيا بعد شهر تقريبا من القتال في أوكرانيا أسقطت مدينة واحدة، ودمرت كل المدن الكبرى، ولم تستطع اجتياح العاصمة كييف كما كان مقررا في البداية.

كيف يمكن للمغرب أن يستفيد من علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الأمر؟ وهل يمكن أن تشكل هذه العلاقات مصدر قوة وتفوق عسكري للمغرب في المنطقة؟

> الأسلحة التي استوردها المغرب، بعضها يستخدم في الحرب الأوكرانية الروسية، مثل الطائرات المسيرة بيرقدار، وبعض الصواريخ المضادة للدروع والطائرات، فالمغرب يتوفر على الكثير من الأسلحة التي يبقى مصدرها أمريكي وغربي بصفة عامة، وقد أظهرت نجاعتها. كذلك من ناحية الدبابات، فدبابة أبرامز الأمريكية التي تم تحديثها، ونظرا لتضاريس أوكرانيا لم يستطع الجانب الأوكراني إخفاءها كشأن الطائرات مما سهل على الروس مهمة الوصول إليها وتدميرها في الأيام الأولى. المغرب يتوفر على العديد من هذه الأسلحة المتطورة، وقد ينتظر وصول منظومة القبة الحديدية من إسرائيل حتى تكتمل منظومته الدفاعية على جميع التراب الوطني، لأن الجيران لديهم صواريخ بعيدة المدى، كسيم 300 وصاروخ إسكندر. المغرب يستثمر الآن كثيرا في الدفاع الجوي على الإقليم، واقتنى الكثير من الأسلحة المتطورة الصينية في هذا المجال لمجابهة الأسلحة المتطورة التي اقتنتها الجزائر.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق