في ظل المفهوم الجديد للسيادة.. سؤال الأمن القومي المغربي في عالم التحولات المرعبة

على الرغم من أن الحرب الروسية على أوكرانيا تبدو وكأنها حطت أوزارها في الاهتمام العالمي، إلا أن آثارها لن تتبخر، والعالم يدبر تموقعات جديدة لما بعد هذه الحرب. والمغرب بموقعه الجيوستراتيجي الحساس يبحث بدوره عن تموقعات متجددة في إطار الحفاظ على سيادة أصبح لها مفهوم جديد وواسع. ولهذا حاولنا تجميع المفرق في ما تحاول المملكة أن تقوم به في إطار عنوان كبير هو إعادة بناء الأمن القومي المغربي من خلال جوانب ليست عسكرية مباشرة فقط، ولكنها تتوزع أيضا على القوة الناعمة والتحالفات والتطبيع والصحراء والاقتصاد والمال والماء.

إنه عالم يتحرك، وهذه محاولة للرصد والتتبع.

 

«مصائب قوم عند قوم فوائد» مقولة شهيرة سكها الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي ورحل، تاركا للعالمين بعده استدعاءها كلما استجد خطب في العالم الذي بات قرية صغيرة، يعيش سكانها منذ أسابيع ويراقبون الاجتياح الروسي لأوكرانيا وأخباره التي تحتل شاشات القنوات العالمية.

الأخبار القادمة من شرق أوروبا التي توثق جوانب من مآسي الحرب والخراب الذي تخلفه، دفع الكثير من الدول والأقطار لتتحسس رأسها وأوضاعها في محيط مضطرب، بات من الصعب التكهن بمستقبله بعيدا عن منطق القوة وحد السيف والنار.

لقد أعادت هذه الحرب التي تعتبر الأزمة الأخطر التي تواجهها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي، سؤال الأمن القومي للدول إلى الواجهة بشدة، وخاصة التي تواجه أخطارا إقليمية محدقة أو تقع في مناطق استراتيجية تجعلها محط صراع وأطماع وساحة مواجهة مفتوحة بين الكبار. وهذا هو حال المغرب حيث إن موقعه الجغرافي ومحيطه الإقليمي يجعله ضمن الأقطار المعنية بمواجهة مثل هذه التحديات في المستقبل.

 

رمال الصحراء

 

منذ سنوات، دخل المغرب في دينامية متسارعة لتعزيز أمنه القومي وتحصينه في مواجهة التحديات والأخطار المحدقة به، خصوصا مع تصاعد وتيرة العداء المستمر من طرف الجارة الشرقية الذي بات ثابتا من ثوابت نظامها العسكري الذي يسترخص الغالي والنفيس في سبيل عرقلة وإعاقة المملكة ومبادرتها لإغلاق ملف الوحدة الترابية والنزاع المفتعل بخصوصها.

غير أن هذا الملف، راكم فيه المغرب نجاحات متواصلة في السنوات الأخيرة، سواء دبلوماسية أو عسكرية، يبقى أبرزها الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء أواخر 2020، والتحول الأخير في الموقف الإسباني إزاء القضية وإعلان مدريد دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه المملكة حلا وحيدا للقضية.

التفوق الديبلوماسي المتعاظم للمغرب في ملف الصحراء والذي يقربه من إغلاقه بشكل نهائي، يوازيه حزم أمني كبير في التعاطي مع أي حماقات أو مغامرات غير محسوبة لجبهة البوليساريو وحليفتها الجزائر في المنطقة العازلة، والتي تتصدى لها القوات المسلحة الملكية بطائرات «الدرون» التي غيرت الكثير في المعادلة على الميدان.

ينضاف إلى هذه المعطيات القرار الأمريكي الأخير الذي صادق عليه الرئيس جو بايدن هذا الشهر، بعد اعتماده من قبل الكونغرس الأمريكي، وينص على منح مساعدات من طرف الولايات المتحدة تشمل الصحراء المغربية ورفع الحظر على توريد واستعمال الأسلحة في الإقليم، كلها أمور تصب في مصلحة المغرب وتقربه من حسم أحد أكثر الملفات التي تشكل تهديدا لأمنه القومي واستقراره.

 

دروس للإستيعاب

 

أمام الوضع العالمي المشتعل انبثقت آراء تشكك في جدوى الدخول في تحالفات مع الآخر وخصوصا الكبار، ورهن الأمن القومي بهذه التحالفات، وهنا يذهب محمد العمراني بوخبزة، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، إلى أن المغرب يستوعب الدروس كثيرا، وهو في عمل متواصل من أجل حماية أمنه من خلال التعاون العسكري مع مجموعة من الدول، منها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو.

واعتبر بوخبزة أن المملكة تشتغل بشكل دائم لكي تكون على استعداد لضمان أمنها القومي، لافتا إلى أن هناك تحولات مهمة جدا، تفرض على الدولة عدم الاستمرار في التعامل بنفس النمط مع الوضع وإعادة النظر في الكثير من الأسس التي كانت تنبني عليها التصورات المغربية للاستقرار والسلم.

فمن الواجب تحصين المغرب بشكل أقوى من خلال اتخاذ مبادرات الانضمام إلى تكتلات وبناء علاقات متشابكة مع مجموعة من القوى المؤثرة على المستوى الدولي، ولكن في نفس الوقت، يؤكد بوخبزة على ضرورة الاعتماد على الذات، وهناك وسائل متعددة يبقى أهمها تكريس مفهوم الانتماء للوطن والمواطنة لدى المواطنين، والذي يمثل التجنيد الإجباري مدخلا لذلك، إذ يمثل رغبة في ترسيخ المواطنة لدى فئة الشباب.

لم يقف بوخبزة في قراءته عند هذا الحد، بل ذهب إلى أن المفهوم الجديد للسيادة الذي يتبناه المغرب لا يقتصر على العمل على حماية الإقليم وحفظه، إذ أن مفهوم السيادة مع الجائحة ظهر بأنه مفهوم أوسع ويحتاج إلى إعادة تحديد انطلاقا من أن استقلالية الدول هي استقلالية مرتبطة بالقدرة على توفير الحاجيات دون الاعتماد على الآخر.

وتمثل الحاجيات كل الأمور التي تحفظ كرامة المواطن على جميع المستويات، من غذاء وصحة وطاقة وحتى على الجانب المعلوماتي، الذي يعتقد المتحدث ذاته، أنه بات يدخل في تحصين الأمن والمعطيات الخاصة بالبلد، ولهذا انخرط المغرب في هذا التوجه لكي يستقل بقراره عن الآخرين.

واستطاع المغرب خلال الجائحة اجتياز تمرين صعب في القدرة على تموين السوق الداخلية بشكل عادي وتوفير كل المتطلبات على جميع المستويات، وكان «تمرينا حقيقيا لمدى جاهزية المغرب كي يكون مستقلا عن الآخرين».

واستدرك بوخبزة بأن هناك مجالات عديدة يشتغل عليها المغرب ويجب أن يشتغل عليها كثيرا، لتحقيق أمنه وتوفير حاجياته منها، لتفادي ما حصل على سبيل المثال بخصوص الأدوية مؤخرا، وعليه كبلد أن «يحاول أن يوفر لنفسه كل ما يحتاجه وهذا أمر جد مهم ويندرج ضمن مفهوم السيادة».

 

أمن غير عسكري

 

إذا كانت لا حياة بدون ماء، فكيف يمكن أن يتحقق الأمن القومي للمغرب في ظل الشح والندرة التي يعانيها بسبب هذه المادة الحيوية؟ حيث يشكل هذا الملف واحدا من الأمور التي تهدد مستقبل المملكة وتطلعاتها المشروعة في تحقيق الدولة الاجتماعية القائمة على التنمية والاستقرار والرفاه.

هذا التحدي، يعيه صانع القرار في المغرب بشكل جيد، ووضع له جملة من السيناريوهات للتغلب عليه، يبقى من أبرزها الاستراتيجية الوطنية للماء، التي تتضمن مجموعة من المقتضيات الرامية إلى حماية الموارد المائية وتعزيزها، والتي يبدو أنها تواجه صعوبات على مستوى التنزيل، باتت الحكومة الحالية مطالبة بتسريع وتيرتها.

وبخصوص هذا الملف، سجل بوخبزة أن المغرب في تدبيره لندرة المياه والتعامل مع فاتورة الطاقة انتقل من سياسة السدود التي لم تعد وحدها قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار المائي إلى سياسة واستراتيجية جديدة تقوم على تحلية مياه البحر وهي خطوة مهمة للتغلب على ندرة المياه.

أما على المستوى الطاقي، الذي يبقى أحد أركان الأمن القومي لأي بلد، وفاتورته تبقى مكلفة بالنسبة للدولة وترهق ميزانيتها على مستويات عدة، خاصة في الجانب المتعلق بالعملة الصعبة، فقد انتقل المغرب إلى التفكير في وسائل بديلة وهي الطاقات المتجددة والنظيفة.

واعتبر بوخبزة أن المغرب اتجه إلى الطاقات الجديدة، ويحقق مكاسب مهمة على هذا المستوى، مبرزا أن الأمن الطاقي والمائي للمملكة من الأولويات التي يتم الاشتغال عليها في الاستراتيجيات الوطنية.

 

المجالات الثلاثة لتحصين الأمن القومي المغربي

 

حتى قبل ظهور الأزمة التي خلقتها الحرب الروسية على أوكرانيا والتداعيات السلبية التي خلفتها على مستوى الاقتصاد العالمي والتي طالت شرارتها المغرب وعدد من الدول المشابهة له، كان الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الحالية، سباقا إلى التنبيه لضرورة تعزيز الأمن القومي للمملكة في الظرفية التي وصفها الملك محمد السادس بـ«المشحونة بالعديد من التحديات والمخاطر والتهديدات».

وكان لافتا في الخطاب الملكي الذي يمثل كغيره من الخطابات مرجعا للتوجهات والسياسات التي ينبغي السير على نهجها، تشديده على ضرورة إحداث منظومة وطنية متكاملة، تتعلق بالمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، لا سيما الغذائية والصحية والطاقية، والعمل على التحيين المستمر للحاجيات الوطنية، بما يعزز الأمن الاستراتيجي للبلاد.

واعتبر الملك محمد السادس في خطابه أن الأزمة الوبائية أبانت عن عودة قضايا السيادة للواجهة، والتسابق من أجل تحصينها، في مختلف أبعادها، الصحية والطاقية، والصناعية والغذائية، وغيرها، مع ما يواكب ذلك من تعصب من طرف البعض.

وتابع الخطاب أنه إذا كان المغرب قد تمكن من تدبير حاجياته، وتزويد الأسواق بالمواد الأساسية، بكميات كافية، وبطريقة عادية، فإن العديد من الدول سجلت اختلالات كبيرة، في توفير هذه المواد وتوزيعها.

غير أن هذه المكاسب التي نالت إشادة عاهل البلاد، تبقى في حاجة إلى بذل المزيد من الجهود، بحسب مراقبين، ومضاعفتها في كثير من الأحيان لضمان استمراريتها، خصوصا مع التحديات التي قفزت إلى الواجهة مع أزمة الحرب الروسية-الأوكرانية، والتي يبقى من أبرزها ارتفاع أسعار المحروقات وأسعار القمح في السوق الدولية، والتي شكلت وستشكل ضغطا إضافيا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد المتأثر بتداعيات الجفاف وندرة المياه.

 

ورقة التجنيد الإجباري في معادلة الأمن القومي

 

الخدمة العسكرية أو التجنيد الإجباري، يبقى من الخيارات الاستراتيجية التي تعتمدها الدول لتعزيز وحماية أمنها القومي، بحيث أن هذا المعطي يدخل ضمن الأمور التي يجري من خلالها تقييم مدى قوة الدول وقدرتها على الدخول في الحروب أو الدفاع عن النفس في حالة تعرضها لأي هجوم أو استهداف خارجي.

هذا الأمر تعزز بقوة مع الحرب الروسية على أوكرانيا، إذ أنها دفعت الجانبين إلى فتح المجال أمام المرتزقة والمتطوعين الأجانب للاستعانة بهم في الميدان وأرض المعركة، وهو ما يعيه المغرب جيدا بعدما قرر الملك محمد السادس في 2019 إعادة العمل بالخدمة العسكرية التي كان قد ألغاها في 2007.

ويبدو أن الشروط التحسينية التي أدخلت على نظام الخدمة العسكرية جعلتها أكثر جاذبية للشباب المغربي، والأرقام التي أعلنت عنها اللجنة المركزية للإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية برسم 2022 تؤكد هذا الأمر، إذ أن عدد الشباب الذين تطوعوا بلغ 99 ألفا و60 شابا، تمثل نسبة الإناث فيهم أكثر من 29 بالمائة.

بل أكثر من ذلك، كشفت الأرقام أن عدد الشباب الذين استكملوا إجراءات الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية خلال 2022، بلغ 178 ألفا و166، مقابل 133 ألفا و820 خلال سنة 2019، محققا زيادة تفوق 40 ألف شخص، وهي المعطيات التي تمنح المملكة دفعة قوية وإمكانيات أكبر لتوسيع قاعدة الجنود الاحتياطيين.

وبعدما أجبرت جائحة كورونا المغرب على إيقاف الخدمة العسكرية خلال 2020 و2021، يبدو أن المملكة عازمة على الاستثمار أكثر في هذا المجال والرفع من وتيرته وعدد المستفيدين منه، إذ أن الرقم بلغ 20 ألف شخص خلال العام الجاري، بعدما كان يمثل 10 آلاف فقط في 2019، وكان من المتوقع أن يرتفع إلى 15 ألف مجند في 2020.

وكان التجنيد الإجباري واجبا على كل المغاربة منذ سنة 1966، ويمتد إلى سنة ونصف، ولا يعفى منه إلا الذين يعانون من العجز البدني، أو أصحاب المسؤوليات العائلية، أو طلاب الجامعات، قبل أن يلغى في 2007 ويعتمد مرة أخرى في 2019، وهو ما سيمكن المغرب من إحداث ثورة إحلال جديدة تمكنه من استقطاب كفاءات شابة وتحديث الموارد البشرية للجيش وفق الشروط والمعايير المعتمدة في بناء الجيوش الحديثة والتحديات التي تواجهها أشكال الصراع والحروب الجديدة في العالم، التي تتخذ في الكثير من الأحيان طابعا إلكترونيا.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق