الشعباني لـ”الأيام”: أغلبية المغاربة غيروا موقفهم من التطبيع مع إسرائيل ولكنه تغيير آراء وليس تغيير مبادئ

يتحدث الأكاديمي وأستاذ علم الاجتماع بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، علي شعباني، في هذا الحوار عن التحولات التي طالت المجتمع المغربي تجاه قضية التطبيع مع إسرائيل، بعدما كان هذا الأمر خطا أحمر ومن الأمور التي لا يجرؤ أحد على الدفاع عنها وسط تعاطف عارم مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة ضدا في الاحتلال الذي ينكل بهم.

 

فما الذي حصل بعد 15 شهرا من توقيع الرباط اتفاق التطبيع مع تل أبيب؟ حيث أضحى الكثير من المغاربة يجاهرون بتأييدهم للتطبيع ويدافعون عنه، مقابل ضمور أو تراجع الأصوات الرافضة له. هنا، محاولة لملامسة الأجوبة في هذا الحوار.

 

بعد عام وبضعة أشهر على توقيع اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل، بات المجتمع المغربي متعايشا مع الواقع الذي كان من المحرمات والأمور المرفوضة في الماضي القريب، كيف تقرأ هذا التحول؟

> التغيرات الطارئة على قراءة هذا الواقع بسيطة، لأنها مرتبطة بالتحولات التي وقعت على الصعيد العالمي، وهناك الكثير من المعطيات التي دفعت العديد من المغاربة ليغيروا رأيهم وموقفهم من مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني. في الماضي لم تكن هناك بعض القضايا الأساسية بارزة بالحدة التي تتعلق بمصير أمن واستقرار المجتمع المغربي، فقضية الصحراء المغربية هي التي أدت إلى هذه التحولات وإلى تعديل وجهات نظر بعض المغاربة من التطبيع.

في السنوات الأخيرة، خاصة مع الجزائر التي تحاول لأكثر من 46 سنة مع حلفائها تفكيك المغرب وتقسيمه وإضعافه وخلق العديد من المشاكل له، ولا تتوانى سياسيا ولا دبلوماسيا ولا عسكريا ولا ماليا ولا اقتصاديا عن خلق المتاعب للمجتمع المغربي، وتحاول تطويقه من كل الجهات. بل دخلت في تحالف مع إسبانيا واستغلت الظروف والمشاكل القائمة بين الرباط ومدريد واحتلالها للثغرين والجزر الجعفرية والجزر المجاورة لها، وأغلقت الحدود منذ سنين وأكملت العملية بإغلاق المجال الجوي والبحري، وعملت ما أمكن على تحريض إسبانيا لإغلاق المنفذ نحو أوروبا، ثم سعت لتطويق المغرب من الجنوب عبر معبر الكركرات، فسخرت البوليساريو لإغلاق ذلك المنفد، لكن المملكة عرفت كيف تتصرف في هذا الملف وحل المعبر لكي تحافظ على عمقها الإفريقي. هذا الوضع دفع المغرب إلى البحث عن وسائل أخرى يمكن أن تساعده على تجاوز مثل هذه الصعوبات الخطيرة التي من شأنها أن تقضي على وجود المجتمع المغربي ككل، ولذلك تقرب أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي قربته من إسرائيل ثم دخلت الدول الثلاث في العديد من الاتفاقيات التي برهنت على أن المغرب لم يأته أي ضرر من إسرائيل، فاستطاع المغاربة الاستفادة من هذه القوة، والمغاربة الذين كانوا يحاربون التطبيع بدأوا يعرفون بأن المجتمع المغربي كان مهددا وأن التقارب مع إسرائيل أفضل لهم من الجزائر التي خلقت لهم كل هذه المتاعب.

هل نفهم من كلامكم أن العلاقة المتوترة مع الجارة الجزائر هي وحدها التي دفعت المغاربة إلى القبول بالتطبيع؟

> نعم. هي التي دفعت المغرب إلى البحث عن التحالفات التي أدت إلى هذا التطبيع، وينبغي أن نعرف بأن المجتمع المغربي لم يتخل عن القضية الفلسطينية وهو من أكبر المدافعين عن القضية الفلسطينية، وربما هو البلد الوحيد من بين الدول العربية التي تدافع عن القضية ماديا ومعنويا. والجميع يعلم كم قدم الجيش المغربي من دعم عسكري للدفاع عن القضية الفلسطينية ولم يتخل عنها، وهو دائما مع القانون الدولي وحل الدولتين الذي ينادي به الفلسطينيون أنفسهم، فالمغرب لا يحارب الفلسطينيين وإن أراد أن يربط علاقات متينة مع إسرائيل. كانت هذه العلاقات تحت الطاولة ثم خرجت إلى العلن، ودائما كان المجتمع المغربي يتعامل مع إسرائيليين وهو يتعاون مع الطرفين معا دفاعا عن مصالحه ووجوده.

ما الذي ساعد على قلب المعادلة لصالح إسرائيل في هذا الظرف القياسي، وبات بعض المغاربة يخرجون للدفاع علانية عن التطبيع مع إسرائيل؟

> ما الفرق بين السياسي والاجتماعي؟ لا شيء. فالسياسي داخل في الاجتماعي والاجتماعي يدخل في السياسي، والمغربي بدأ يدرك أن هناك قضايا واتفاقيات سياسية مع إسرائيل تمثل خدمة للقضايا الاجتماعية داخل البلاد. لأن البلد إذا توفر فيه الاستقرار والأمان سيساعده على التطور والنماء وخدمة البلد، حتى يمكن أن يكون هناك تعليم وتكوين وشغل واستثمار. إذن هذه الأمور انطلاقا من التحالفات السياسية مع إسرائيل وغيرها هي التي تخدم القضايا الاجتماعية داخل البلد، لأنه بدون هذه الأمور لا يمكن أن يكون هناك استقرار.

هل نفهم من كلامكم أن المجتمع فهم بأن التطبيع مع إسرائيل سيجلب للمغرب الاستقرار والنمو الاقتصادي؟

> ليس مع إسرائيل لوحدها. فالكثير من المغاربة اقتنعوا بأن الضرر لا يمكن أن يأتيهم من إسرائيل، هم لم يتخلوا عن القضية الفلسطينية ولكن في نفس الوقت اقتنعوا بأن لا مبرر لهم في الاستمرار في العداء مع إسرائيل البعيدة عنهم ولم تضرهم، بالمقارنة مع البلد الجار الذي تربطنا معه العديد من الروابط الثقافية والعرقية والجغرافية وكل البلاء الذي يعاني منه المجتمع المغربي حاليا مصدره الجزائر.

هؤلاء المغاربة تخلوا عن آرائهم وليس مبادئهم، يرون مرحليا أن من غير المجدي الاستمرار في العداء مع إسرائيل التي لم تناصبنا العداء رغم أننا حاربناها في الجولان وسيناء، وحاربناها ماديا ومعنويا ووقفنا بشكل دائم مع القضية الفلسطينية، ومع ذلك لم تناصب المغاربة العداء. وهذا البعد الأساسي الذي دفع الكثير من المغاربة إلى مراجعة مواقفهم وآرائهم حول هذه القضية وأصبحوا إذا لم يدافعوا عن التطبيع يلتزمون الحياد.

هل يمكن أن يعرف المجتمع تحولات أكبر في المستقبل تجاه القبول بإسرائيل وتراجع التعاطف مع فلسطين وشعبها؟

> لا أعتقد ذلك. المجتمع المغربي لن يتخلى عن التعاطف مع القضية الفلسطينية، ولكنه قد يستفيد من التقارب مع إسرائيل عسكريا واقتصاديا وحتى ثقافيا، لأن المغرب يبحث أيضا عن مصالحه. المغاربة كانوا دائما إلى جانب الفلسطينيين، ولكن الفلسطينيين لم يكونوا دائما مع المغرب ولم يدافعوا إطلاقا عن القضية المغربية، علما أن المغرب يعاني كذلك ويعرف تهديدات كبيرة في ما يتعلق بصحرائه. وهناك العديد من الفلسطينيين الذين يناصبون العداء للمغرب الذي قدم لهم خدمات كبيرة وتعاطف معهم وساعدهم، في حين لم تقم إسرائيل بذلك. وأتساءل لماذا يناصب العديد من الفلسطينيين العداء للمغرب الذي يساعدهم ويجدونه دائما معهم في مختلف الأزمات انطلاقا من بيت مال القدس أو التعاطف المجتمعي؟ المغرب هو الذي بنى مطار غزة وهو الذي يملك مستشفيات ميدانية في فلسطين، في حين نجد أن الفلسطينيين إلى الآن لم يعترفوا بعد بمغربية الصحراء.

كذلك إسرائيل لا تعترف بمغربية الصحراء؟

> ولكنها تتعاطف مع المجتمع المغربي، ولا تناصبه العداء في هذه القضية ولا تصف المغرب بالبلد المحتل كما تقول الجزائر أو بعض الفلسطينيين.

ألا ترى بأن تراجع القوى المناهضة للتطبيع في المغرب كان له دور في تسهيل هذا التحول؟

> التراجع السياسي للقوى المناهضة للتطبيع في البلاد كان له دور في تسهيل وتسريع هذا التحول، ولكن السؤال الأساسي هو من أين أتى هذا التراجع ومن كان سببا في حدوثه؟ ولماذا وقع هذا التراجع في هذا التوقيت بالذات؟ وقع هذا حتى يمكن أن تتقوى الجهات الأخرى التي كانت تتضرر من قوى الاحتجاج في هذه المسألة. وقد يكون الضعف الذي تسرب إلى هذه الجهات من ورائه الوقفات والاحتجاجات التي لم تجن من ورائها الشيء الكثير.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق