قطار العلاقات مع إسرائيل يسير بسرعة وكيف غير المغاربة موقفهم من التطبيع

ما الذي جرى حتى أصبح قطار التطبيع يسير بهذه السرعة؟ وكيف تحول المجتمع المغربي من صوت قوي للاحتجاج إلى مطبع مع التطبيع ومتفهم له؟ وكيف يمكن المزاوجة بين مصالح المغرب في تحولات عالمية خطيرة والدفاع المبدئي عن القضية الفلسطينية؟

 

يبدو أن الرياح جرت وتجري بما تشتهيه سفينة التطبيع التي مخرت عباب بحر العالم العربي، ورست على شاطئ الرباط أواخر 2020، فاتحة الباب على مصراعيه أمام تدشين مرحلة جديدة من العلاقات بين المملكة وإسرائيل، شهدت تطورات متسارعة فاقت توقعات الكثير من «عرابي» التطبيع والمدافعين عنه بالبلد المعروف تاريخيا بانحيازه للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس والمقدسيين.

 

 

منذ توقيع الاتفاق الثلاثي بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، لا يكاد يمر أسبوع من دون أن يشهد لقاء بين مسؤولين مغاربة وإسرائيليين في ميادين ومجالات مختلفة، تسارعت وتيرتها في الشهرين الأخيرين، بعدما تجاوزت أزيد من 30 تظاهرة.

 

ولم تكن مشاركة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، في قمة النقب التي احتضنتها إسرائيل هذا الأسبوع، إلى جانب وزراء خارجية مصر والإمارات والبحرين، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل المستضيفة، إلا دليلا آخر على أن قطار التطبيع ماض في طريقه يطوي المسافات ليصل إلى أبعد نقطة ممكنة.

 

القصة وما فيها

 

كانت البصمة الأمريكية في رعاية الاتفاق الثلاثي واضحة وحاسمة في الدفع به إلى الأمام، خصوصا مع الدعم الكبير الذي قدمه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بعدما وقع قرارا رئاسيا اعترف فيه بسيادة المغرب على صحرائه، ما اعتبر آنذاك ولازال، نصرا ديبلوماسيا كبيرا للرباط في الملف على خصومها، والذي تبعته مكاسب أخرى على مستوى هذا الملف الذي يبقى أولوية الأولويات بالنسبة للمملكة.

 

وفي الوقت الذي تصف إسرائيل الاتفاق بالتطبيع، فإن المغرب يتوجس من هذا المصطلح وظل يسميه «استئنافا» للعلاقات بين البلدين التي قال بوريطة في إحدى الخرجات الإعلامية إنها ظلت «متواصلة ولم تنقطع في يوم من الأيام»، وهو الأمر الذي كان باديا لكن السلطات تنكره جملة وتفصيلا.

 

ولم تحل الذكرى الأولى لتوقيع الاتفاق، حتى كان الجانبان المغربي والإسرائيلي قد وقعا 12 اتفاقية شملت مجالات عدة، وهو ما اعتبره بوريطة بمناسبة إحياء الذكرى الأولى لتوقيع الاتفاق الثلاثي، ثمرة تعاون مكثف بين المسؤولين المغاربة والإسرائيليين عبر إحداث خمس مجموعات عمل قطاعية أسندت إليها مهمة تسهيل التوقيع على اتفاقيات تنسيق في مجالات عدة تهم أساسا الاستثمارات والفلاحة والماء والبيئة والسياحة والعلوم والابتكار والطاقة. الحصيلة الكبيرة للتعاون والتنسيق خلال السنة الأولى للتطبيع التي دشنها المغرب وإسرائيل شكلت دافعا للبلدين وفتحت شهيتهما أكثر في الأشهر الأولى من دخول الاتفاق عامه الثاني على تسريع الوتيرة، وتكثيف اللقاءات وتوقيع اتفاقيات أكبر وأهم.

 

وخلال شهر مارس الجاري، يبدو أن العلاقات بين البلدين بدأت تدخل منحى جديدا يمضي بسرعة أكبر نحو تطبيع نهائي للعلاقات في الأفق القريب، الأمر الذي يجد ما يدعمه في كلام بوريطة بقمة النقب التي احتضنتها إسرائيل مطلع الأسبوع، حيث أكد أن العلاقات ستشهد «قريبا دينامية مهمة ستساهم بشكل أكبر في تعزيز هذه العلاقات في شتى المجالات، لا سيما من الناحية الدبلوماسية».

 

بعد الدينامية التي تحدث عنها بوريطة، توقع متابعون للملف أن تكون الرباط تجري اللمسات الأخيرة على الرفع من تمثيلية الدبلوماسية بتل أبيب والارتقاء بمكتب الاتصال إلى مستوى سفارة تعلن بدء مرحلة جديدة من العلاقات الكاملة بين البلدين اللذين تتعاظم شراكتهما وتعاونهما في مجالات حيوية تخدم مصلحتهما وتعزز شراكتهما في المستقبل.

 

فسخ عقدة التعاون العسكري

 

من المجالات التي يركز عليها المغرب في علاقاته مع إسرائيل الجانب العسكري، الذي بات مصدرا مهما لتعزيز القوة العسكرية للمغرب، خصوصا مع الحديث الجاري بشأن موافقة إسرائيل على تمكين المغرب من منظومة القبة الحديدية الدفاعية، والتي من شأنها إكمال الترسانة الدفاعية للمغرب في مواجهة التهديدات القادمة من الشرق.

 

وفي هذا السياق، قادت زيارة هي الأولى من نوعها رئيس هيئة الاستراتيجية والدائرة الثالثة الماجور جنرال تال كالمان، إلى الرباط، التقى فيها الجنرال دوكور دارمي بلخير الفاروق المفتش العام للقوات المسلحة الملكية المغربية وقادة الأركان العامة بما فيهم رئيس هيئة الاستخبارات ورئيس هيئة العمليات.

 

ووفق المعطيات التي نشرها الجيش الإسرائيلي، فإن الاجتماعات التي عقدها المسؤول العسكري بالرباط، جرى فيها استعراض هيكلية الجيشين المغربي والإسرائيلي وأبدى الجانبان رغبتهما في تطوير التعاون العسكري وبحث فرص تنزيل هذا التعاون في مجالات التدريب والتأهيل العملياتي والاستخباراتي.

 

ووقع الجانبان مذكرة تفاهم حول التعاون عسكري واتفقا على إحداث لجنة عسكرية مشتركة للتوقيع على خطة عمل مشتركة، وهو الأمر الذي سيشكل آفاقا أخرى لتعزيز العلاقات العسكرية إلى جانب الدينامية التي يعرفها المجال السياسي والاقتصادي والثقافي.

 

التفاهمات التي وقعها رئيس هيئة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي بالرباط، ما هي إلا حلقة ضمن سلسلة التعاون العسكري بين البلدين، التي دشنت رسميا خلال زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى المغرب في أواخر نونبر الماضي، الأولى من نوعها والتي جرى فيها التوقيع على مذكرات تفاهم تشمل مجال الاستخبارات والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، وهي الزيارة التي أثارت حفيظة الجزائر التي أعلنت أنها مستهدفة من خلالها.

 

التطبيع مع التطبيع

 

بعيدا عن المجال العسكري والاقتصادي اللذين يحظيان بأهمية قصوى من البلدين، يبرز الجانب الثقافي الذي لا يقل أهمية خاصة بالنسبة للطرف الإسرائيلي، الذي يحرص على استثمار وسائل عدة في سبيل تغيير الصورة السلبية المحفورة في ذهن المغاربة الذين يعتبرون من بين أكثر الشعوب تضامنا مع القضية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه الطويلة في حقه.

 

وبعد أقل من سنة ونصف من توقيع الاتفاق الثلاثي، بات موضوع الدفاع عن شرعية التطبيع مع إسرائيل حاضرا بقوة في الفضاء الرقمي، والتي ساهمت بشكل أو بآخر في تحقيق نوع من القبول لإسرائيل في الشارع المغربي أو على الأقل عدم التصدي لهذا الحضور أو التهجم عليه.

 

واقع جديد، يعكسه نوع جديد من الخطاب التمجيدي الحاضر بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي لقرار التطبيع مع إسرائيل والمكاسب التي سيجنيها المغرب من ورائه، مستندا في ذلك على معطيات ثقافية وتاريخية تروج بقوة لوجود جالية مغربية مهمة بإسرائيل تقدر بحوالي مليون شخص، وتمسك هؤلاء بالعادات والتقاليد المغربية الأصيلة في الاحتفال بالأعراس واللباس والغناء والموسيقى وغيرها من الجوانب الأخرى.

 

وأمام هذه التطورات المتسارعة، وإن كان معسكر التطبيع وأنصاره لم ينجحوا في كسب تعاطف الكثير من المغاربة وتغيير صورة إسرائيل «السيئة» في عقولهم وقلوبهم، فإنه على الأقل، ضمن التزام صمت العديد من المغاربة الناقمين عليها والذين باتوا ينظرون إليها كـ»حليف» أقرب إلى البلاد من الإخوة الأعداء في الجارة الشرقية، الذين يحملهم الكثير من المراقبين مسؤولية دفع المغرب دفعا إلى توقيع الاتفاق الثلاثي بعدما كان مواطنوه حتى وقت قريب يخرجون في مسيرات مليونية للتنديد بحروب إسرائيل المتواترة ضد فلسطين وشعبها ومقدساتها.a

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق