48 ساعة في العيون

هنا لا تسمع القضايا السياسية البحتة إلا لماما. الحديث يدور عن آثار الجفاف ومحطة تحلية مياه البحر بالعيون، ونجاح الطريق الثنائي بين تزنيت والعيون والتحرك لاستكمال الطريق بين كلميم والعيون وتحسين الطريق بين العيون والداخلة، والكثير من المرافق والمؤسسات الثقافية والمشاريع. وبغض النظر عن شؤون وشجون التدبير الجماعي التي تخضع لقواعد التدافع الديموقراطي والمحاسبة، فإن مدينة العيون تتغير باستمرار.

نور الدين مفتاح [email protected]

أغلقت الحقيبة ومعها بعض شجون الدار البيضاء وقفلت عائدا إلى الجنوب. كنا ثلاثة، أنا والتوتر المقيم وذكريات من العيون تقاوم التلاشي. كل طريق إلى المطار تعطي إحساسا فريدا، فالطيران هو أكبر متعة مخيفة على الأقل بالنسبة لمن أصيبوا متأخرين بفوبيا الاهتزازات والمطبات الهوائية. أصبحت دقيقا في البحث عن نوع الطائرات في الرحلات الداخلية، فكلما صغر حجم الطائرة كلما كانت الاهتزازات أكبر. ولكن المفاجأة أنك في أيام الله هاته، يصعب أن تجد مكانا في طائرة متجهة للعيون أو الداخلة إذا لم تحجز تذكرتك في الوقت المناسب، ولذلك أصبحت كل الطائرات كبيرة بحجم هذه الروابط التي نسجت على منسج التضحية والصمود والإصرار على الوحدة الترابية في إطار التعدد والتنوع الإنساني الخلاق.

لم أكن أفهم إطلاقا لماذا يصفق الناس بعدما تصطك العجلات الضخمة مع أرضية المطار وتبدأ الفرامل في كبح السرعة الجنونية للطائرة، ولكنني اليوم أصبحت من المصفقين. فعندما عاد القلب إلى نبضه الطبيعي، انتبهت لهذا المزيج من المسافرين بكل ما ترمز إليه ملابسهم من انتماء متعدد، ما بين الجلابة والملحفة والقندورة واللباس العصري والرياضي، وهلم لهجات وقهقهات وهواتف تفتح تباعا لطمأنة الأحباب الذين ظلوا ينتظرون إشعارا بسلامة الوصول.

لا توجد في مطار العيون ممرات خروج تلتصق بأبواب الطائرة. هناك السلم التقليدي الذي يجعلك تخرج مباشرة إلى سماء عاصمة الصحراء بتياراتها الهوائية وأفقها المثير. كل شيء عادي باستثناء بضع طائرات صغيرة بيضاء تحمل رمز الأمم المتحدة (UN). هذا هو الشيء الوحيد الذي يذكرك بأنك في منطقة نزاع، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يعطيك إحساسا بنوع من الغبن. وعلى الرغم من لطافة أفراد قوات «المينورسو» الذين يأخذون مع المقيمين بفندق المسيرة وجبات فطورهم، فإن وجودهم هنا بالصحراء بلباسهم العسكري يؤلم. صحيح أن المغرب دولة تحترم التزاماتها الدولية، ولكن الذي يجرح أن تستيقظ في الصباح وأنت تحلق ذقنك أمام مرآة وتفكر في الوئام والأيادي الممدودة وتدندن، وعندما تنزل إلى المطعم، تكاد تكفر بهذا الأمل المحمول كالصخرة على الأكتاف منذ نصف قرن بالتمام والكمال في أن تعود الجزائر عن هذا الهراء الذي تسميه تقريرا للمصير، وعن أخذ آلاف الصحراويين كرهائن في حرب ضغائن أكل عليها الدهر وشرب، وفي اجترار هذا النصب الكبير على التاريخ والجغرافيا.

هكذا تكلمت مع صاحبي الصحراوي بانفعال صباحي لا يليق ببداية يوم جميل لصلة الرحم، فابتسم، وابتسمت، وصرنا نتقافش حول التفاصيل التي تجعل للحياة طعم الحياة حتى في أحلك الظروف التي يمكن أن يعيشها الإنسان. ورغم ذلك، وعندما هممنا بالمغادرة، قلت لصاحبي: ترى لو لم تكن الجزائر، هل كنا سنفطر في فندق المسيرة مع هنود وباكستانيين بلباس عسكري هنا؟

• آلسي مفتاح، احنا هنا تجاوزنا الجزائر، هيا لقد تأخرنا !

كان هذا اليوم الذي نزلنا فيه إلى العيون هو نفس اليوم الذي وصلت فيه رسالة رئيس الحكومة الإسبانية السيد بيدرو سانشيز إلى جلالة الملك. كان وقع الحدث مختلفا من حيث قوته على الأخوات والإخوان هنا، ويمكن أن أقول إنه أثر نسبيا على هذه التظاهرة التكوينية التي كان يلزمها الحضور والتركيز.

لقد بادر الإخوان من الداخلة والعيون، مادامت الأقدار قد جمعتهم هنا، إلى إصدار بيان ارتياح للموقف الإسباني المناصر للحكم الذاتي. لم ينتبهوا للتفاصيل وما بين السطور وما خلفها، بل كانوا ظاهريين عن وعي، لأن إسبانيا هنا لها رنة مختلفة مقارنة حتى مع الشمال الذي كان تحت نفس الاستعمار الإسباني. يوجد إحساس هنا بأن العالم يتحرك في اتجاه مخالف لما عهدناه خلال 45 سنة بخصوص قضية الصحراء، كل شيء يبدو مترابطا من قنصليات دول إفريقية إلى الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء إلى القنصليات العربية إلى هذه الانعطافة الإسبانية. هناك إحساس بأن هذا العالم المشتعل اليوم قد ينتبه بعد إخماد الحرائق إلى حقائق الميدان وشواهد التاريخ وشروط الإنصاف.

ورغم كل هذا الاطمئنان كانت الهواتف المحمولة منغمسة في المواقع الإسبانية تبحث عن ردود فعل المجتمع المدني والسياسي في إسبانيا. لقد تم رمي حجرة كبيرة في بركة الموقف الإسباني الجامدة.

سرنا خلال يومين على هذا المنوال، وحتى عندما كنا في مكتب السيد حمدي ولد الرشيد، رئيس مجلس مدينة العيون، كان الحدث الإسباني مهيمنا على حديث رجل يحسب له هنا في الأقاليم الجنوبية ألف حساب.

يمكن بلا مجازفة القول إن حمدي أكبر من رئيس جماعة، هذا الركيبي القح الذي مازال محافظا على لهجته الحسانية بسيط ممتنع، له قوة رهيبة على التعبئة، يبسط بلا منازع نفوذ حزب الاستقلال على أكبر جهتين في الصحراء، العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، فابن أخيه الملقب بحمدي الصغير هو رئيس الجهة، وهو اليوم أقدم رئيس جهة في المغرب، والخطاط ينجا رئيس جهة الداخلة استقلالي من بطانة حمدي ولد الرشيد، وأخوه الأكبر خلي هنّا ولد الرشيد هو رئيس المجلس الاستشاري الصحراوي (الكوركاس) وهو وزير أسبق وعضو في الكورتيس الإسباني قبل استقلال الصحراء. وحمدي اليوم أحد أعمدة حزب الاستقلال الذي استطاع وضع صهره النعم ميارة من نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في منصب رئيس مجلس المستشارين.

على الرغم من أن وزارة الداخلية لم تصرف بعد ميزانية الجماعة، لأن فيها عجزا، فإن الأوراش لا تتوقف في العيون لمدة سنوات، وبالنسبة لحمدي، فالأوراش تعتمد ميزانيات منبثقة عن اتفاقيات وقعت أمام جلالة الملك في إطار ما يسمى بخطة تنمية الصحراء التي رصدت لها ميزانية تقارب الـ 7000 مليار سنتيم. فالأوراش الدائمة بالنسبة له هي الجواب اليومي على خصوم الوحدة الترابية.

هنا لا تسمع القضايا السياسية البحتة إلا لماما. الحديث يدور عن آثار الجفاف ومحطة تحلية مياه البحر بالعيون، ونجاح الطريق الثنائي بين تزنيت والعيون والتحرك لاستكمال الطريق بين كلميم والعيون وتحسين الطريق بين العيون والداخلة، والكثير من المرافق والمؤسسات الثقافية والمشاريع. وبغض النظر عن شؤون وشجون التدبير الجماعي التي تخضع لقواعد التدافع الديموقراطي والمحاسبة، فإن مدينة العيون تتغير باستمرار.

ارتفعت أثمنة الكراء ورفعت علامة «ماكدونالد» وفتحت المطاعم من مختلف الأنواع، وتزينت الشوارع، وأما الواقع الاجتماعي فنحن في نفس المغرب، بنفس النواقص والأحلام، مع أن هناك حلما إضافيا هنا وهو أن تطوى صفحة النزاع.

لا يمكن أن تجد مغربيا هنا في الصحراء يتحدث عن «مرتزقة» البوليساريو أو ما شابه. الناس هنا لهم امتدادات قبلية هناك في المخيمات، ففي المخيمات هناك الأخ أو الأب أو العم أو العمة أو الخالة أو ابن القبيلة. في هذا النزاع هناك تمزق إنساني لا يعرفه إلا من ينتمي إلى جراحاته، فلذلك هناك الكثير من الحذر في الحديث عن الهناك.

هنا وهناك انتظار لعناق لا يمكن أن تقطعه بالوصال إلا السياسة، وكل خطوة مهما صغرت تقرب من الحل، كالخطوة الإسبانية، تكون هنا كبيرة كامتداد الكثبان الرملية.

لا علاقة لهذا الشاي الذي تقدمه المضيفة البشوشة في طائرة العودة بأتاي الذي بنينا حوله قصورا من الكلام والأحلام في سمر صحراوي فريد. وليس السبب هو فوبيا اهتزازات الطائرة ولكنها «الجيمات» الثلاث التي تجعل لفعل «تَيَّى» مفعول السحر. وهذه الجيمات هي الجماعة والجمر والجر، فأما الجماعة فأن لا تُتَيِّي وحيداً وأما الجمر فأن لا تُتَيِّي على نار الغاز، وأما الجر فأن لا تُتَيِّي إلا إذا جرتك كأس لكأس أخرى وبينهما غزل الكلام الرقيق، كما يحيك الندامى الثوب الرفيع من الحكي الجميل والحكمة المرصعة والإمتاع والمؤانسة.

ما أجملها لحظة خروج صوت المضيفة من المكبرات وهي تعلن عن وصولنا بحمد الله. يتسابق الناس لإنزال حقائبهم من المخادع، وأنا عدت للخيمة بجانب المجمر أستعيد حلاوة الشعر الحساني مع حلاوة كأس الشاي التي سنشربها لا محالة يوما، احتفالاً بجمع الشمل ورأب الصدع، وهو على كل حال يوم قريب.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق