بعد عقود من الكمون والتربص: كيف قفز سواسة إلى سدة الحكم في مملكة محمد السادس

في محطات كثيرة من تاريخ المغرب المعاصر، سجلت مناطق بعينها من المملكة حضورا قويا في الساحة السياسية، وحيز لها من القرب من مربع الحكم والسلطة ما لم تنله باقي القبائل والمناطق. ولعل السنوات الماضية كانت ولازالت تسجل بروزا لأبناء “سوس” المعروفة تاريخيا بالعلم والتجارة التي برع أبناؤها من خلالها في تسيد الاقتصاد والتحكم في مفاصله، ممهدين بذلك الطريق لأبنائهم من الأجيال المقبلة، لاكتساح المشهد السياسي والحياة الحزبية، واحتلال أسمى المناصب في مملكة محمد السادس، بعدما كان حضورهم باهتا مع الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.

 

أصل البداية

 

النجاح ليس غريبا على أهل «سوس» المعروفين بعصاميتهم وصبرهم واجتهادهم الذي مكنهم من بناء إمبراطوريات مالية واقتصادية من لاشيء، بعدما قدموا إلى الدار البيضاء في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تمهيدا لكتابة التاريخ الذي رسم الطريق أمام الأبناء لبلوغ ما هم عليه اليوم في مجالات عدة، منها السياسة.

في كتاب «العصاميون السوسيون في الدار البيضاء»، للباحث عمر أمرير، يبرز هذا المسار بشكل واضح، إذ أن الكتاب قدم سير وجوانب من تجارب عدد من هؤلاء الأشخاص الذين بات أبناؤهم اليوم وزراء وزعماء سياسيين، محققين بذلك تطلعاتهم التي فشلت أمام «قوة وسطوة» النخب الفاسية على المشهد في مرحلة ما بعد الاستقلال.

ومن بين الشخصيات التي تحدث عنها الكتاب بإسهاب كبير، نجد أحمد أولحاج أخنوش (1909ـ1994) والد الملياردير ورئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، الذي تعد تجربته من بين التجارب الملهمة لجيله، إذ أن الرجل الذي رأى النور بقرية «أكرض أوضاض» من قبيلة تافراوت بجبال الأطلس الصغير، سافر إلى الدار البيضاء وهو طفل في العاشرة من عمره ليضع على مر عقود من العمل الجاد، اللبنات الأولى للثروة التي قادت ابنه إلى ثاني موقع في هرم الدولة.

لكن هذا التوجه التجاري والاقتصادي لوالد أخنوش، لم يثنه عن ممارسة العمل السياسي، إذ عمد سنة 1974 إلى تأسيس حزب سياسي تحت اسم «الحزب الحر التقدمي»، كان مقره في عمارة بشارع لالة ياقوت – درب عمر بالدار البيضاء، وأصدر في ما بعد جريدة «العدالة» الناطقة بلسانه، مسندا مسؤولية تسيير إدارتها إلى إبراهيم شرف الدين، الذي كان يومئذ من النخبة المثقفة.

كما يبرز من بين الشخصيات التي تناولها كتاب «العصاميون السوسيون بالدار البيضاء»، اسم آخر كان له حضور في التاريخ السياسي لأبناء المنطقة، وهو أبو بكر بوفتاس الذي كان لابنه عبد الرحمان بوفتاس وزير الإسكان في عهد الراحل الحسن الثاني، دور كبير في تمثيل النخب السياسية للمنطقة وتعزيز حضورها في دواليب الدولة والحكم.

بوفتاس الأب الذي ينحدر من قبيلة أمانوز بالأطلس الصغير بإقليم تيزنيت، كما يحكي الكتاب، التحق بمدينة الدار البيضاء سنة 1910، بأخيه الذي كان يملك دكانا في المدينة، قبل أن يشق طريقه ويصبح من كبار التجار في مجال بيع الملابس التقليدية، مطورا شراكاته مع أحد كبار التجار الفاسيين، وهو يعد من بين القلائل الذي وشحهم الراحل الحسن الثاني بوسام ملكي رفيع.

ومن بين الأسماء الأخرى التي خصها الكتاب بالذكر، نجد محمد أبو أيوب وهو بدوره مواليد سنة 1911 في قرية أكرض أوضاض بتافراوت، وقد التحق بمدينة الدار البيضاء لتعلم أسس التجارة كباقي أقرانه، قبل أن يحول وجهته إلى الاستثمار في القطاع الفلاحي خلال الثلاثينيات. وبعد استقلال المغرب، أحدث شركة لتصدير البواكر بالعلامة التجارية «ABOUTAFER».

في سنة 1992 سيعين الملك الراحل الحسن الثاني ابن هذا الرجل السوسي حسن أبو أيوب وزيرا للتجارة الخارجية والسياحة، ثم وزيرا للفلاحة في 1995، قبل أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي ويعين سفيرا في عدد من الدول عبر العالم.

 

درس 1955

 

قد يبدو الصعود الذي حققته النخب السوسية في المشهد السياسي الحالي، أمرا عاديا بالنسبة للكثير من المتابعين، إلا أنه في نظر أبناء سوس ومن عايشوا الرعيل الأول من هؤلاء الأباطرة في مجال التجارة والاقتصاد، يمثل نوعا من رد الاعتبار لسواسة وتحقيقا فعليا للذات التي وجدت نفسها عاجزة عن ترشيح ولو اسم واحد للاستوزار في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال.

يحكي الحسن أمزيل وهو عصامي آخر شيد عملاق الصباغة «أطلس» في الدار البيضاء، في شهادته التي نقلها أمرير في كتابه، أن الملك محمد الخامس، عندما كان يستعد لتشكيل أول حكومة مغربية في بداية عهد الاستقلال، قرر أن يسند إلى السوسيين بعض الحقائب الوزارية وبعث إليهم ليطلب مده بلائحة تضم أسماء تتوفر على شهادات عليا في التعليم العصري ويتقنون اللغتين العربية والفرنسية، كي يعين بعضهم وزراء.

غير أن السوسيين الذين كانوا مجتمعين في منزل الملياردير الحاج عابد السوسي بالدار البيضاء، لم يجدوا أي اسم تتوفر فيه الشروط المطلوبة للاستوزار، وهو الأمر الذي مثل خيبة لدى الكثيرين منهم، ودفعهم إلى توجيه أبنائهم في المستقبل إلى الدراسة والتعليم العصري وعدم الاقتصار على النشاط التجاري والاقتصادي.

غير أن الملك محمد الخامس، أمام هذا الوضع، قرر تعيين العلامة المختار السوسي أول وزير لـ»الأحباس» في حكومة مبارك البكاي، قبل أن يتمكن أبناء هؤلاء الاقتصاديين والتجار بالسليقة من الحصول على تعليم عصري ضمن لهم موطئ قدم في الساحة السياسية خلال العقود اللاحقة، والذي بلغ ذروته مع وصول رئيسي حكومتين متتاليتين من أصول سوسية إلى ثاني منصب في الدولة، وهما سعد الدين العثماني وعزيز أخنوش.

 

أبناء سوس يقودون الأحزاب المتصدرة للمشهد الحالي

 

الصعود القوي للنخب السوسية في الساحة السياسية المغربية لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة عمل متواصل وجهود متواترة لأبناء سوس منذ الرعيل الأول الذي ساهم في توجيه الأجيال اللاحقة من أبنائه إلى الانخراط في العمل السياسي وعدم الاكتفاء بالعمل التجاري والاقتصادي فقط، وهي التوجيهات التي قادت عددا منهم إلى الوصول لقيادة الأحزاب الرئيسية التي تتصدر الواجهة في المرحلة الراهنة.

فإذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة الحالية بعد نيله 102 مقعد في انتخاب 8 شتنبر الماضي، يتزعمه رئيسها عزيز أخنوش، ابن تافروات الذي حرص على ترؤس المجلس الجماعي لعاصمة سوس أكادير، فإن الحزب الثاني المشارك بدوره في الحكومة وهو الأصالة والمعاصرة، يقوده عبد اللطيف وهبي وزير العدل، الذي يتحدر بدوره من سوس ويشغل أيضا منصب رئيس بلدية تارودانت مسقط رأسه وإحدى أهم حواضر سوس.

كما أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي حل رابعا في الانتخابات الأخيرة بحصوله على 35 مقعدا في مجلس النواب، أعاد انتخاب كاتبه الأول إدريس لشكر لولاية ثالثة قبل أسابيع على رأس الحزب، وهو الآخر من أبناء سوس، ما يكرس القوة التي باتت تمتع بها النخبة السوسية في الحياة الحزبية للبلاد.

وينضاف أيضا إلى هذه القيادات، محمد ساجد الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، الذي حل حزبه في المرتبة السابعة بـ18 مقعدا، فهو سليل أهل سوس رغم ولادته بمدينة سطات، ووالده يبقى من أشهر رجال التجارة والاقتصاد الذين حلوا في العقود الأولى من القرن العشرين بالدار البيضاء ونجحوا في بناء «إمبراطورية سواسة» التجارية بالعاصمة الاقتصادية للمملكة.

وليس هذا فحسب، بل إن حزب العدالة والتنمية الذي تصدر الواجهة في العقد الماضي، وكان يملك 125 مقعدا برلمانيا في الولاية التشريعية السابقة، كان أمينه العام سعد الدين العثماني، سليل أسرة علم سوسية عريقة بمدينة تزنيت، قبل أن يتنحى في مؤتمر استثنائي شهد عودة عبد الإله ابن كيران للقيادة بعد السقوط المدوي في استحقاق 8 شتنبر الماضي، الذي حل فيه الحزب ثامنا بـ13 مقعدا فقط.

 

هؤلاء أبرز الوزراء السوسيين في تاريخ المغرب

 

رغم أن مشاركة السوسيين كانت ضعيفة في الحكومات المتوالية لما بعد فترة الاستقلال مقارنة مع نخب فاس والرباط، إلا أن أبناء المنطقة المعروفين بأدوارهم الريادية في المقاومة وجيش التحرير، كانوا حاضرين وممثلين في مربع صنع القرار، وإن بشكل لا يعكس وزنهم الاقتصادي والتجاري في المملكة.

ويمثل العلامة المختار السوسي أول وزير سوسي في تاريخ هذه الفئة السياسي في أول حكومة لفترة ما بعد الاستقلال ترأسها مبارك البكاي، إذ أسندت له حقيبة «الأحباس» تماشيا مع تخصصه ونبوغه في علوم الدين والشريعة، وهو السياسي الذي كان من بين أوائل الشخصيات التي رفضت تلقي معاش نظير استوزارها.

ومن الأسماء السوسية التي خلدت اسمها في تاريخ السياسة والحكومات المغربية المتوالية، نجد عبد الرحمن بوفتاس، الذي شغل منصب وزير الإسكان في حكومتي الملك الراحل الحسن الثاني خلال الفترة الممتدة من 1986 إلى 1993 برئاسة كل من عز الدين العراقي ومحمد كريم العمراني.

الوزير بوفتاس ولج السياسة بعدما أثبت نجاحه في عالم التجارة والاقتصاد، إذ أن الرجل الثري سليل قرية أمانوز بإقليم تيزنيت، كان يحظى بتقدير خاص من الراحل الحسن الثاني نظرا لكفاءته وعصاميته التي ميزت أهل سوس عامة وجعلته يجذب الأنظار وساعدته في التدبير ونيل الثقة.

وكان الوزير السوسي بوفتاس، من الاكتشافات الناجحة للحسن الثاني والذي حاول من خلال استقطابه وتوزيره ضمان حضور النخب السوسية في الحكومة من جهة، ومزاحمة نخب فاس التي كانت متسيدة ومسيطرة على المشهد برمته من جهة ثانية، إلا أن بوفتاس لم يكتف بتقديم ولائه وخدماته للمملكة فقط، بل عمل على تقديم إدريس جطو، الذي سيصبح وزيرا للداخلية ثم وزيرا أول بعد انتخابات 2002 في ثاني حكومة خلال عهد الملك محمد السادس، وهو المعروف بأصوله السوسية ورجل ثقة القصر الذي أوكل له مهام كبيرة منها ترؤس المجلس الأعلى للحسابات الذي أدى تقرير أعده حول مشروع «الحسيمة منارة المتوسط» إلى زلزال سياسي غير مسبوق، عصف بعدد من الوزراء والمسؤولين في 2017 كان من ضمنهم، محمد حصاد ابن سوس أيضا ووزير الداخلية السابق، وهو بدوره أحد خدام الدولة المعروفين بولائهم التام للنظام.

 

 

الباحث في ثقافة وتاريخ سوس عمر أمرير لـ”الأيام”:تمركز النخب في مرحلة ما بعد الاستقلال لن يتكرر وما نعيشه ليس عصرا ذهبيا لـ«سواسة»

 

 

كيف ترى حضور قبائل سوس ودورها في ترسيخ وتثبيت نظام الحكم بالمغرب؟

> إن استعمال لفظ «القبيلة» في هذا السؤال يفرض القيام بتوضيح «لغوي»، كي نفهم أنها في صيغتها الأمازيغية «تاقبيلت» ليست مجرد اسم دال على عشائر مستقرة في بقعة جغرافية محددة. بل هي بالإضافة إلى هذا المعنى تعتبر في الأمازيغية «مصطلحا» له أخوات نرتبها منطقيا من أكبرها إلى أصغرها هكذا:

1 ــ «أمْقّنْ»، وهو اتحادية جهوية شاسعة الأطراف، تضم داخلها عديدا من القبائل الكبرى في مجال جغرافي محدد.

2 ــ«تاقبيلت» وهي قبيلة كبيرة، تتكون من عدة أقسام، يشمل كل قسم منها مجموعة من القرى المتجاورة داخل إحدى اتحاديات «أمْقّنْ».

3 ــ «الدوار/الموضع/الدشر»، ويرادفه مصطلح القرية.

4 ــ «تاكاتين» الأسر التي تتشكل منها القرية الواحدة.

ولتدبير السكان شؤون حياتهم داخل كل مجال من تلك المجالات الأربع، وضع الأجداد ترسانة من مقومات تنظيم محلي جعلوا في صدارتها قواعد «الحكم المحلي» لكل مجال على حدة، مع استعمالهم أسماء اصطلاحية يميزون بها أنواع آليات تدبير شؤون حكمهم ومؤسساته وضوابطه، يجمعها كلها مصطلح أمازيغي عام هو «تانفلوست»، الذي اقترحنا ترجمة دلالته بـ«الديمقراطية المحلية المغربية». وهي نظام ديمقراطي محلي عريق في المغرب، ونفترض أنها ديمقراطية أدت أدوارا مهمة في نشوء الإمبراطوريات المغربية الكبرى.

ومما شجعنا على هذا الافتراض، كون المؤلف الأندلسي أبوعبد الله البكري، وصف «المجلس الديمقراطي المحلى» خلال تداول أعضائه، الطريقة الديمقراطية التي يتناوبون بها على تدبير كل شؤون حكم مدينة أغمات. ونعرف جميعا أن أعضاء هذه المجالس المحلية يتم انتخابهم بشفافية كل سنة، ويسمون في الاصطلاح الأمازيغي بـ«إينفلاس».

وإلى زمن حكم السلطان مولاي يوسف، سنصادف شهادة وثق بها أحمد المانوزي السوسي، جدلية ضعف وقوة الحكم محليا ومركزيا. فإذا أصاب الضعف «حكم السلطان في العاصمة المركزية للمغرب» البعيدة عن سوس فإن «حكم المجالس الديمقراطية المحلية» تزيد حيوية وتقوي الجبهات الداخلية للوطن. وبذلك ينجو المغرب من الانهيار، والتشتت، بل يصمد حتى يؤدي بشكل من الأشكال إلى بلورة إرهاصات دولة أو إمبراطورية مغربية جديدة.

وحتى الدارسون الغربيون وخاصة في عهد الحماية الفرنسية ما بين سنة 1912 و1956، سنصادف عندهم شهادات تؤكد أنهم فوجئوا حقيقة بما اكتشفوه في جهات المغرب من التجليات المهمة لـتلك الديمقراطية المحلية، إلى درجة وصفوا القبائل التي تمارسها بأنها «جمهوريات»، داخل الامبراطورية المغربية الشاسعة الأطراف.

بصفتك باحثا في الحضارة الأمازيغية، ما هي أبرز إسهامات قبائل سوس في بناء التاريخ السياسي الحديث للبلاد؟

> سأبدأ بالامبراطورية المرابطية، وأقف عند عبد الله بن ياسين الجزولي السوسي الذي تزعم فكرة تأسيس دولة المرابطين، وفتح بلدان فيافي الصحراء، نحو بلاد إفريقيا الغربية، ثم عاد بجيوشه من جنوب تخوم إفريقيا متجها نحو الشمال في فجر تأسيس دولة المرابطين، حتى استشهد، وسار على هديه بعده يحيى ابن إبراهيم الكدالي…

وهكذا انطلقت دولة المرابطين التي سيجعلها يوسف بن تاشفين الصنهاجي إمبراطورية شاسعة الأطراف من المغرب إلى الأندلس. بعد المرابطين، ستظهر الإمبراطورية الموحدية التي تزعم فكرة تأسيسها مؤلف كتاب «أعز ما يطلب» المهدي بن تومرت من قرية تيغمورت بقبيلة «أرغن» ناحية مدينة تارودانت بسوس. وسيجسد فكرته على أرض الواقع تلميذه عبد المومن بن علي، حتى صارت الدولة الموحدية بدورها إمبراطورية مغربية قوية في المغرب والأندلس.

مع بداية القرن الـ16 ميلادي، وخلال عجز حكم الوطاسيين عن مواجهة الغزو البرتغالي الذي توغل في كل الجهات، وما نتج عن ذلك من تهديد للمغرب بالتشتت والادثار، لم يعد هناك نظام حكم مركزي قوي قادر على بعث الأمل في طرد الغزاة البرتغاليين. وفي خضم ظروف هذا التمزق الرهيب، سيبادر أحد كبار رجال العلم والتصوف في سوس، محمد بن امبارك الأقاوي، بالتفكير في الإسراع بزعامة مشروع سياسي يريد أن يشارك به في جعل نظام الحكم بالمغرب يستعيد قوته، ويرتقي بالمغاربة إلى مصاف الأمم العظيمة. فحشد هذا المفكر الصوفي السوسي أنصار مشروعه من كل أصقاع سوس، ثم استقدم محمد القائم بأمر الله من «تاكمادارت» ليبدأ أولا بتنظيم جهاد السوسيين، في أفق تحرير المغرب كله من البرتغاليين. هكذا سينظم السعديون عمليات تنظيم طرد الغزاة البرتغاليين من الثغور، واتجهوا لتنظيم مملكتهم بسوس، واختاروا بناء مدينة تارودانت أول عاصمة لهم، قبل أن ينتقلوا إلى مدينة مراكش التي سيجعلها سلاطينهم تستعيد سالف مجدها السياسي، وعز تألقها الحضاري.

وماذا عن التاريخ المعاصر؟

> هنا أذكر حدثا عجيبا، صار بالنسبة للسوسيين عبرة تاريخية سموها «درس سنة 1955م» خلاصته ما قاله الحاج الحسن أمزيل (1919ــ 2017) من أن الملك محمد الخامس، لما أراد أن يعين أول حكومة مغربية في بداية عهد الاستقلال، ونظرا لما عاينه من تضحيات السوسيين بالنفس والنفيس في سبيل استقلال المغرب، قرر أن يسند إليهم حقائب وزارية مهمة، فأرسل مبعوثه إلى منزل الحاج عابد السوسي، الملياردير منذ سنة 1948 حيث يجتمع صفوة رجال سوس يومئذ. لما تناول المبعوث الكلمة، و»بشر الجميع بأن الملك حريص على أن يتوصل منهم بلائحة أسماء رجال من ذوي الكفاءة العالية، مع شهادات التعليم العصري كي يعين بعضهم وزراء، والبعض الآخر كتابا عامين، وغيرهم مدراء مؤسسات استراتيجية في قطاعات تلائم مؤهلاتهم» عم الصمت القاعة، ولاحظ المبعوث الملكي أن أولئك السوسيين يتبادلون بينهم نظرات تساؤل في حيرة ووجوم! فتدخل الحاج عابد السوسي قائلا للمبعوث: «سيدي سبب سكوتنا هو أن شرط الكفاءة العالية المطلوبة متوفرة فينا، ولكن الشرط الذي ينقصنا هو شهادات التعليم العصري». ولهذا لم يعين في الحكومة المغربية الأولى أي سوسي وزيرا سوى العلامة محمد المختار السوسي الذي عين أول وزير لـ«الأحباس» في أول حكومة مغربية.

وأعتقد أن الدرس الذي تلقاه السوسيون عندما لم يجدوا اسما يقترحونه، جعلهم يخرجون من ذلك اللقاء بخلاصة، هي ضرورة توجيه أبنائهم ليس للتجارة والاقتصاد وحده، بل للدراسات العليا داخل المغرب وخارجه، وفي كل التخصصات. فلم يمر جيل حتى تخرج عدد من الطاقات والشباب من أبناء التجار السوسيين في الدار البيضاء.

هل تقلدت أسماء سوسية أخرى حقائب وزارية في عهدي الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني؟

> بعد محمد المختار السوسي سيتم في حكومات متتابعة تعيين وزراء سوسيين، من أبرزهم: صالح المزيلي وحسن الزموري، وحسن أبو أيوب، وعبد الله أزماني، وعبد الله عجول، ومحمد ساكو، وأحمد رمزي، وعبد الرحمان بوفتاس.

هل تتفق مع الرأي القائل إن أهل سوس باتوا یحتلون مكانة مهمة في السلطة والمساهمة في الحكم تحت قیادة الملك محمد السادس؟

> كل مرحلة لها رجالها وإكراهاتها وظروفها. ومن حسنات المغرب، أنه یحسن التعامل مع كل فترة بما یلائمها وما یصلح لها. في عهد محمد السادس وجد الملك طاقات مهمة من سوس كما من غیرها من المناطق. وتقلد السوسيون رئاسة الوزراء في ثلاث حكومات، وهي حكومة إدريس جطو، الذي قادها خلال 2002، وهو من أصول أمازيغية، ثم كما يعرف الجميع، أن سعد الدين العثماني، ابن مدينة إنزكان تولى رئاسة الحكومة السابقة، قبل أن يخلفه عزيز أخنوش في منصبه خلال الولاية الحالية، وهو ابن تافراوت والمعروف بنشاطه الاقتصادي والتجاري الذي ورثه أبا عن جد.

هل تمثل الفترة الحالیة الحقبة الذهبیة لأهل سوس في السیاسة وتصدر المشهد بالبلاد؟

> لا یمكن أن نحسم في هذا الآن، بل یجب أن ننتظر الحكومات المقبلة، وبالمقارنة سنعرف الجیل الذهبي من غیره. فهم في البدایات، ولیسوا مثل جیل آبائهم، الذین عاشوا فعلا في مدینة الدارالبیضاء خاصة «العصر الذهبي» في التجارة والاقتصاد والمقاومة الوطنیة ببعدها السیاسي سواء في عهد الحمایة، أو في عهد الاستقلال الذي كان من مزایاهم فیه منذ بدایته وعیهم بأهمیة تدریس أبنائهم.

وكیف نجحت سوس المعروفة بحنكة أبنائها في التجارة والاقتصاد في التفوق على أهل فاس والرباط في السیاسة؟

> أبناء سوس، إذا انخرطوا في العمل الحزبي، فإن الأهم عندهم هو طموحهم إلى أن یؤدوا واجبهم على أحسن وجه اعتمادا على مزیتین: الكفاءة والثقة. لأن التربیة التي تلقوها داخل أسرهم، وفي مجتمع قراهم تربیة تجعل الكفاءة ولیدة العصامیة، وتجعل الثقة ولیدة التضامن.

وهنا في الدارالبیضاء بعیدا عن القرى السوسیة، جعل التجار السوسیون سكان هذه المدینة یحسون إلى درجة ملامسة المعنى المجرد لقیمة الثقة.

كیف ذلك؟

> لكي نجیب نقول: «الجمیع یعرف في مجال تجارة المواد الغذائیة أن كبار تجار الجملة من سوس جعلوا «درب عمر» مركز متاجر البیع بالجملة. فیأتیهم تجار «نصف الجملة» من كل مناطق الدار البیضاء فیزودونهم بمختلف المواد الغذائیة حتى وإن بلغت قيمتها عشرات آلاف الدراهم، دون أن یضطروا لدفع الثمن یوم الشراء، لسبب وحید هو أنهم یتمتعون بالثقة. هؤلاء بدورهم سیأتیهم ثقاة من أصحاب متاجر البیع بالتقسیط، الموزعین في كل شوارع وأزقة المدینة ویتزودون منهم بمختلف المواد دون دفع ثمنها، ویأتي الزبناء الثقاة من كل الأسر إلى المتجر، فیقتنون ما یحتاجونه مؤجلین دفع الثمن إلى موعد ملائم.

هذا السلوك الحضاري یساعد كثیرا من الأسر على توفیر ما تحتاجه من مواد غذائیة لإعداد الوجبات الیومیة لأكل أفرادها، وتیسیر ظروفهم لتعلیم وعلاج أبنائهم… وبعبارة أخرى، فبهذا السلوك المبني على دعامتین مهمتین: «الثقة» و«التضامن » یؤدي التجار السوسیون دورا كبیرا في تثبیت «السلم الاجتماعي» أینما وجدوا.

إننا، من زاویة أخرى، سنجد أنفسنا نتحدث في صمیم موضوع تربیة التاجر السوسي لأبنائه على أهمیة التمتع بالثقة، وامتلاك الكفاءة لتحقیق النجاح بسرعة فائقة في أي مجال كان. ورغم صعوبة هذه المعادلة فقد نجح أهل سوس في تطبیقها وتمثلها، لیس في مجال التجارة فقط، بل بصمت بقوة حیاة أبنائهم في الحیاة السیاسیة ذاتها.

هل تتوقع استمرارهم في تصدر المشهد السیاسي في السنوات المقبلة؟

> هذا الجيل من السياسيين المنحدرين من سوس، وصل حديثا وأرجح أنه سيستمر في السنوات المقبلة، وسيتحمل جزءا من المسؤولية في بعث «الثقة» في العمل السیاسي. لكن هذا لا يعني أن الجهات الأخرى لن تظهر فيها وجوه جديدة. بالعكس، أتوقع أن يحدث نوع من التنافس بين الجهات الذي سيمنحنا قيادات ووجوها سياسية جديدة ستغني المشهد. وأظن أن مرحلة ما بعد الاستقلال التي كانت فيها النخب متمركزة فقط في فاس، قبل أن تظهر نخب الرباط، لن تتكرر، وهذا يسري على جميع القطاعات الثقافية والرياضية والفنية.

 

المحلل السياسي محمد شقير لــ”الأيام”: النخب السوسية اندمجت في دواليب الدولة وقفزت على مرحلة «التهميش»

 

وصول أبناء سوس إلى رئاسة الحكومة لولايتين متتاليتين وشغل عدد من الحقائب الوزارية المهمة، أمر اعتبره المحلل السياسي، محمد شقير، تحقيقا للاندماج في دواليب الدولة وقفزا من مرحلة «التهميش» التي طبعت فترة الستينيات من القرن الماضي، وكانت فيها النخب السوسية تعاني من هيمنة النخب الفاسية التي مارست ضدها الإقصاء والتهميش.

ولفت الباحث في الشأن السياسي إلى أن التهميش الذي طال النخب السوسية من طرف نظيرتها الفاسية، دفع الأولى إلى محاولة مساندة أحزاب كانت في المعارضة خاصة، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وأبرز شقير في حديث له مع «الأيام» أنه منذ تلك الفترة، بدأت النخب السوسية تعتمد على قدراتها الاقتصادية وعلى حسها التجاري لكي تكتسح المجال الاقتصادي، ومن ثم العمل على اكتساح المجال السياسي، بعدما باتت نخب هذه المنطقة لا تقتصر على الحصول على بعض الوزارات فقط، كما حصل في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث أسندت بعض الوزارات إلى شخصيات سوسية، كبوفتاس الذي تولى وزارة الإسكان. ولكن هذه المسألة تطورت في ما بعد لكي تنتقل مع شخصيات أخرى استطاعت أن تصل إلى رئاسة الحكومة كسعد الدين العثماني الذي قاد الحكومة بعد تعويض عبد الإله ابن كيران، ووصول عزيز أخنوش حاليا إلى المنصب الثاني في الدولة، وكلاهما شخصيتان تنتميان إلى منطقة سوس.

ولفت شقير في تحليله للموضوع إلى أن تواجد هذه النخب في الدار البيضاء، منحها تمرسا وتجربة ساعدتها على الاندماج في دواليب الدولة و تجاوز حتى النخب الفاسية التي كانت تحتكر في الستينيات والسبعينيات المناصب الوزارية والحكومية، على حد تعبيره.

لكن المتحدث ذاته، عاد واعتبر أن وصول النخب السوسية إلى هذا المستوى يدخل ضمن موازنة المخزن ما بين المكونات الإقليمية والجهوية، إذ تحاول الدولة، سواء في التنظيمات أو في المناصب والائتلافات الحكومية أن توازن بين المكونات الاجتماعية من خلال اجتذاب نخب فاسية واندماجها مع نخب سوسية، وهو ما يجد تفسيره في أن التحالف الحكومي الحالي يجمع بين نزار بركة كأحد مكونات النخب الفاسية إلى جانب عزيز أخنوش كأحد رموز النخب السوسية الحالية. ومن الأمور التي ساعدت الجيل الجديد من النخب السوسية على البروز، هي أن هؤلاء السياسيين ينتمون إلى مناطق تشتغل أساسا بالتجارة، واحتكاكهم بهذا المجال جعلهم ينتقلون إلى العاصمة الاقتصادية، إذ أن هذا الانتقال ونجاحهم في تطوير برامج ومشاريع اقتصادية وصلت حد إنشاء هولدينغ كما قام بذلك عزيز أخنوش وعائلته، لعب دورا في السماح لهذه النخب بأن تصل إلى أعلى مراتب السلطة.

بل إن المزاوجة بين السلطة والثروة، هي التي أدت وفق شقير إلى «وصول هذه النخب إلى مثل هذه المراتب نظرا لأنها أصبحت تتوفر على ثروة تحاول أن تحافظ عليها من خلال تحصينها بمراكز ومناصب سياسية».

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق