أحلام إمبراطورية

لابد من العودة إلى حالنا ونحن نرقص ألما على دقات طبول الحرب الروسية على أوكرانيا. إنها أحلام الأمجاد الإمبراطورية هناك، ولكن هذه الأمجاد ليست دائما ممجوجة. ونحن في هذا المغرب الأقصى كنا بدورنا إمبراطورية، ونقرأ في تاريخنا عن الأمجاد، وقد حكمنا من نهر السينغال إلى جبال الألب وكنا نحن المغرب الكبير، وفي سيكولوجية المغربي ولو كان بسيطا، هناك شيء من هذه النخوة مهما كان واقع الضعف ومهما جار الزمان والأهل: «جوعي فكرشي وعنايتي فراسي».

نور الدين مفتاح [email protected]

نواصل مع هذه الحرب المؤلمة والملهمة في آن. نواصل مع التطورات في الميدان وفي الفظاعة وفي التشريد وفي التخريب وفي التحدي. نواصل مع رجل أصبح اسمه هو الأكثر تداولا بين البشر، جزء يسير حوله يعتبره بطلا قومياً سيدخل التاريخ باستعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية، والعالم يعتبره مجنون عظمة يقامر بالحياة على كوكب الأرض.

لم يكن بوتين مفاجئا لمن فاوضوه أو احتكوا معه أو واجهوه. وبعض الشهادات في الملف الذي يوجد ضمن هذا العدد، لرئيس أمريكي سابق ووزيرتي خارجية لواشنطن، كافية للتدليل على غطرسة بوتين الناجمة عن جرح عميق لم يندمل، فتحه من جهة سقوط الاتحاد السوفياتي، وهو حينها عميل للـ«كا جي بي» في ألمانيا، ومن جهة ثانية التعالي الغربي على الدبّ الروسي بعدما ضعفت روسيا يلتسين بسبب ثقته في أمريكا وزحف الناتو على الحزام الجغرافي المطوق لها، بضم الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفياتي المنحل.

الصورة المرسومة لبوتين في النهاية تجعله شيئا فشيئا رجلا بعيدا عن الجنون، إنه أكثر رجل يتمتع بقدراته العقلية، ولهذا فهو أخطر رجل في العالم المعاصر بعد هتلر. وحتى الذين يتحدثون عن الويلات التي اقترفتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق مثلا، فإنهم ينبهون إلى أن واشنطن كانت قد ضُربت في عمقها وكبريائها من خلال تحطيم برجي تجارتها، وسقوط أكثر من 3 آلاف من المدنيين العزل في نيويورك. هذا ليس مبررا لحرب على دولة عربية بريئة من الفعل، ولكن، على الأقل في حالة بوتين، فلا أحد ضرب موسكو، ولا حتى أوكرانيا انضمت للاتحاد الأوروبي ولا للحلف الأطلسي، وإنما هو بوتين الذي قال بسوأة لسانه: «إذا كانت الحرب ضرورية فلابد أن تكون لك الضربة الأولى».

من مخاطر القوة والسلطة أنه مهما بلغ حاملهما من حكمة، فإنه عندما يتحرك في مكان، لا يمكن أن يتوقع كل الآثار المترتبة على قراره، ومن هنا ينفلت التاريخ من بين أصابع صانعيه. والمثير حقا هو أن أكبر الدمويين في سجلات هذا التاريخ كانوا بدورهم يسعون ليكونوا عظماء. وهنا بالضبط تطرح الأسئلة العميقة حول ما يريده بوتين أن يخلد باسمه؟ ألا يسعى إلى المجد بطريقته؟ أليس رجلا مهووسا بأحلام إمبراطورية وكأنه يعيش في ملحمة مصورة وليس في واقع شديد التعقيد؟ ولكن، هل بنيت الإمبراطوريات بلا دماء ولا دموع ولا جثث ولا آلام؟ هل كان الإسكندر الأكبر من العظماء أم من المجرمين؟ نعم، إن منطق التاريخ تغير، ولكن، ألسنا إلى اليوم في زمن الإمبراطوريات مع وقف هش لإطلاق النار بين الأمم يراقبه مجلس الأمن هو اسم على غير مسمى، ما دامت دولتاه الأكبر ضمن الخمسة الكبار هما اللتان تبادران بأكبر الحروب اليوم؟

لا يتحكم بوتين في كل تداعيات ما يقوم به في أوكرانيا المترامية الأطراف والأشلاء. ولهذا، فإنه بصدد إخراج أكبر الشياطين من مراقدها. وفي مثل هذه الأوقات، تحس أن البشر قد تساووا أو يكادون. البسطاء مثلي والغارقون في مراكز التفكير في أطنان المعطيات، والمجتمعون في مجالس الأمن القومي مع أصحاب النياشين ودهاة السياسيين، الجميع يطرح ملايين الأسئلة، ويكاد يتساوى الجميع في الخبرة والإفتاء تماما كما جرى لنا مع الكوفيد 19 عندما تحول 4 مليار من البشر إلى علماء بيولوجيا، والعلم من الجميع براء لأنه أعجز وعجز. وهذا العجز اليوم في فرض احترام قواعد اللعب التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية، ورمي القانون الدولي في القمامة هو الذي يجعل حربا بعيدة عن الجميع قريبة من الجميع. إنها مخيفة لدرجة الرعب، وحتى لو كان عندنا منجمون في هذا الزمان لطلبوا عطلة مفتوحة لأن الغد فعلا بظهر الغيب وسيخيب الظن في المقبل.

لابد من العودة إلى حالنا ونحن نرقص ألما على دقات طبول الحرب الروسية على أوكرانيا. إنها أحلام الأمجاد الإمبراطورية هناك، ولكن هذه الأمجاد ليست دائما ممجوجة. ونحن في هذا المغرب الأقصى كنا بدورنا إمبراطورية، ونقرأ في تاريخنا عن الأمجاد، وقد حكمنا من نهر السينغال إلى جبال الألب وكنا نحن المغرب الكبير، وفي سيكولوجية المغربي ولو كان بسيطا، هناك شيء من هذه النخوة مهما كان واقع الضعف ومهما جار الزمان والأهل: «جوعي فكرشي وعنايتي فراسي». وآثار هذه الإمبراطورية على مستوى التعدد الخلاق راسخة في البعد الأمازيغي الماجد والبعد الإسلامي العربي التليد والروافد العبرية والموريسكية والإفريقية، ولكن هذا لا يمكن أن يترجم إلى أجندة سياسية ومطامح توسعية كما تدعي ذلك مجلة بلهاء للجيش الجزائري أو استيهامات بعض الغلاة الإسبان الذين يعتقدون أننا نعد للعودة للأندلس!! وكم منا يموت من الضحك الذي يشبه البكاء عندما يرى ما يفعله التوسعيون اليوم، وما هو حال المتهمين بالتوسعية في هذا المغرب الأقصى المظلوم.

هذه الإمبراطورية الشريفة التي استعصت على الجبابرة هي اليوم تصارع من أجل تراب وطني جارَ فيه علينا الاستعمار، واقتطع منا أجزاء كما تبتر الأعضاء من الجسم الواحد في الصحراء الشرقية وفي الجنوب، وقصتنا معروفة سنكتفي فيها بالصحراء المغربية أي الساقية الحمراء ووادي الذهب، وبسبتة ومليلية والجزر الجعفرية.

عندما أتأمل الخريطة المغربية مبتورة من صحرائها، لا يبقى هناك من إحساس إلا الإحساس بالحكَرة.

نعم، نحن نقرأ في كتبنا عن أمجادنا، ونحمل الإمبراطورية في أحلامنا، ولكننا نخضع لمنطق العصر، وللدولة الوطنية التي انبثقت مما بعد جرائم الاستعمار والاستيطان في كل الدول المقهورة، ولا نريد شيئا إلا هذا المغرب من طنجة إلى الكويرة، فترانا أننا من أجل هذا ـ حتى لا أقول من أجل هذا فقط – خاضت أجيال ما بعد الاستقلال معارك حياتها، وأصبحت هذه قضيتنا الأولى وما تزال، عرشا وشعبا. ولهذا، وفي محيط إقليمي مكهرب ومليء بالمجانين، نتابع بقلق كبير هذه الصفحات التي تكتب في تاريخ اليوم دون أن يعرف الكاتب نفسه نهاية القصة. نخاف والخوف في الظروف الحالية حماية. ولكن لا جبن في الدفاع عن المغرب، وسأعيد وأكرر بأن هذا المنتدى للسؤدد وحماه سيعيش بالتضامن الخلاق واستعداء الفساد والخروج من الخوف من بعضنا البعض إلى الخوف على بعضنا البعض، وما عدا هذا فإن المغاربة يُعرفون في الشدائد، ولهذا يستحقون التكريم في الرخاء.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق