نحن وحرب «بوتـلير» على أوكرانيا

لقد انهار الاتحاد السوفيتي، وكسب النمط الغربي في الحياة المعركة، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية قائدة للعالم، حتى أن بعض المفكرين الغربيين مثل فوكوياما تكهنوا بنهاية التاريخ، إلا أن ذهاب الرئيس الروسي بوريس يلتسين ومجيء بوتين، ثم تحايله على القوانين الانتخابية وعودته بعد فترة قضاها مدفيديف في سدة الرئاسة، جعلته يعتنق تدريجيا أحلام الإمبراطورية الشيوعية بالتحالف مع الصين التي استيقظت بالفعل وزعزعت توازنات ما بعد الحرب الباردة ببطء ولكن بثبات.

نور الدين مفتاح [email protected]

لم يحدث مثل هذا الرعب الكوني الذي نعيش لحظاته على إيقاع الحرب الروسية على أوكرانيا منذ الحرب العالمية الثانية، لدرجة أن الرئيس بوتين يستحق بالفعل الاسم المركب الذي ابتدعه له المتتبعون النابهون وهو «بوتلير» نسبة إلى هتلير! ولا أستبعد التحليلات التي اهتمت بالجانب السيكولوجي في هذه الحرب عندما اعتبرَت أن ساكن الكرملين مصاب بمرض عقلي، وأما المرض النفسي، فهذا قائم ومن تجلياته النرجسية المرضية وجنون العظمة، والصور المتعالية خير دليل على ذلك. إن الأمر يشبه قائد طائرة محملة بمئات الركاب، فالضمانة الأولى لسلامة هؤلاء قبل أي شيء هو التوازن النفسي والعقلي للقائد الذي يمنعه من أن يركب فكرة الانتحار، وإلا فإن إسقاط الطائرة الإرادي يصبح بمثابة إسقاط دمية في أول بالوعة.

لقد ترتبت عن هزيمة ألمانيا النازية ترتيبات جيوستراتيجية كانت من أبرز تجلياتها إنشاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وإعطاء حق الفيتو للخمسة الكبار، ولكن هذا لم يمنع من اندلاع الحرب الباردة بين إمبراطوريتين أصبحتا تقودان العالم، وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من بعض الحوادث التي هددت توازن الرعب، من مثل أزمة خليج الخنازير على عهد الرئيسين خروتشوف وكينيدي حول نصب صواريخ سوفيتية موجهة بكوبا عقب محاولة واشنطن قلب نظام كاسترو، فإننا لم يسبق أن اقتربنا من هذه العالمية في المواجهة أكثر من هذه الأيام التي وصل فيها السيد «بوتلير» إلى حدود استنفار أسلحته النووية أمام كاميرات تلفزيونات العالم.

لقد انهار الاتحاد السوفيتي، وكسب النمط الغربي في الحياة المعركة، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية قائدة للعالم، حتى أن بعض المفكرين الغربيين مثل فوكوياما تكهنوا بنهاية التاريخ، إلا أن ذهاب الرئيس الروسي بوريس يلتسين ومجيء بوتين، ثم تحايله على القوانين الانتخابية وعودته بعد فترة قضاها مدفيديف في سدة الرئاسة، جعلته يعتنق تدريجيا أحلام الإمبراطورية الشيوعية بالتحالف مع الصين التي استيقظت بالفعل وزعزعت توازنات ما بعد الحرب الباردة ببطء ولكن بثبات.

والذي تابع  الخطاب الطويل للرئيس «بوتلير» قبيل الهجوم العسكري على أوكرانيا سيتبين أن صاحبنا أعاد كتابة التاريخ، ليخلص أنه منذ لينين ارتكبت أخطاء على رأسها التفريط في أوكرانيا وهي روسية الهوية والثقافة والانتماء. وبالتالي يجب أن تعود إلى بيت طاعة موسكو. والغريب أن هذا المنطق يهدد دولا عديدة كانت تنتمي إلى الاتحاد السوفيتي الذي فككه غورباتشوف، وأصبحت الآن إما جزءا من الاتحاد الأوروبي أو من الحلف الأطلسي. وهذا الواقع الجديد الذي كتب صفحته «بوتلير» في دفتر الحروب ذات الطابع الدولي يقضي بأن دولة قوية يمكن في أي لحظة أن تعيد صياغة الماضي في محكمة المتخاصم فيها هو القاضي الذي يصدر الحكم وينفذه، والحكم في هذه النازلة هو سلب سيادة أوكرانيا وقضم جزءين من ترابها والاعتراف بهما كدولتين مستقلتين، ثم الهجوم العسكري عليها للإطاحة بحكومتها المنبثقة عن انتخابات ديموقراطية بدعوى أن هناك تهديدا للأمن القومي الروسي، من خلال محاولة انضمام كييف إلى الحلف الأطلسي.

إلى حد الآن، يتبين أن النزهة التي اعتقدها «بوتلير» في أوكرانيا لم تكن إلا إهانة للدبّ الروسي، وأن التفوق العسكري لا يعني سهولة احتلال دولة كاملة، وأن التعويل على تشرذم الأوربيين خاب، وأن ألمانيا التي اعتنقت عقيدة التبرم من المشاركة في أي عمل عسكري خارجي انخرطت في هذه الحرب بمساعدات عسكرية غير مسبوقة لدولة خارجية، وأن الحلف الأطلسي وإن لم تكن أوكرانيا عضوا فيه بعد، فإنه استبدل في الأيام الماضية وضعية عنق الزجاجة المحرجة التي وضعه فيها الرئيس الروسي بوضعية التلاحم والتناغم في حرب ستحدد نتائجها ترتيبات جديدة على المستوى الجيوستراتيجي.

إننا نتابع هذه الحرب من موقعنا وحالنا حال العاجز. فهذه حرب  الكبار، هم يقررونها، ولكننا نحن «الصغار» نتحمل آثارها الوخيمة، وحتى إذا اشتعلت هذه الحرب الكونية الثالثة، وأدى جنون العظمة إلى خراب هذا الكوكب، فسنكون مع أغلب دول العالم الثالث مسلوبي الإرادة، بلا صوت أمام فتك الأسلحة النووية التي توجد في مخازن القوى العظمى، بالحجم الذي بإمكانه تدمير الأرض مائة مرّة وأكثر. وإذا كان هذا السيناريو بعيدا، فإن هذا الحدث الذي استطاع به «بوتلير» أن يقضي تماماً على سطوة أخبار الجائحة، له آثار قاسية ودروس لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار.

آثار الغزو الروسي لأوكرانيا مؤثرة مباشرة على بلادنا، من حيث البترول الذي يقارب سعره الـ 100 دولار للبرميل، ومن حيث الغاز الذي تضاعف ثمنه بشكل صاروخي، وسيعز إذا استمرت هذه الحماقة، ومن حيث استيراد الحبوب في سنة جفاف لم يشهدها المغرب منذ عقود، وأوكرانيا وروسيا كانتا مورداً رئيسا لنا. صادراتنا كذلك ستتأثر، وكل هذا سينضاف لمتاعبنا الهيكلية التي حفرتها مخلفات الجائحة على ميزانية بلد لا تتجاوز الخمسين مليار دولار. والأكيد أن الضغط الذي كانت تعانيه الطبقات المحرومة سيزيد، ومعه الارتباك الواضح الذي تتخبط فيه حكومة لم تمهلها الظروف ولم يسعفها القدر ولم تتعانق إلا مع النحس.

لقد كان الموقف المغربي على المستوى  السياسي محبوكا بشكل جيد، إذ إنه ذاق مرارة الصراع من أجل صحرائه، وبالتالي فهو مع الوحدة الترابية للدول، ومع التسوية السلمية للنزاعات. ولاشك أن الدرس الآخر الذي يجب أن نأخذه وهو أنه مهما كانت شساعة الخصاص الاجتماعي، فهذا لا يجب أن يغنينا عن الاستثمار في التطوير العسكري، لنكون قادرين على خوض ما يسمى بالحرب الحديثة، لأن قدر هذا البلد أن يكون محاصراً بالأخطار شمالا وجنوبا وشرقا، ومجاورًا لحكام بينهم وبين جنون العظمة، أو الجنون فقط لا غير، شعرة «مرادية» فاللهم استر.

لنلاحظ هذه السنوات الثلاثة التي عشناها كم هي مزلزلة، من الجائحة إلى الحرب المجنونة المشتعلة الآن، فلابد من قراءة المستقبل قراءة جيدة للحفاظ على الاستقرار بالعدالة والكرامة والحرص على تعزيز أركان السيادة ومنها الأمن الغذائي والأمن الطاقي والأمن المائي، فما لا نتحكم فيه لا نلام عليه، أما ما بإمكاننا تحقيقه فلا عذر لنا فيه في عالم الأخطار واللايقين. والله المعين.

مقالات مرتبطة :

اترك تعليق